حوار: مصطفى عبد الرحيم
تربى د . منصور العور، مدير جامعة حمدان الإلكترونية، في كنف التراث المحمل برائحة الأجداد في منطقة البستكية القديمة، محاطاً بأصالة "الفريج"، وتعلم من أهله قيم الكرم والتواصل والحرص على تعليم الأبناء .
يدين بالفضل لوالدته التي كانت تعلمه دروسه، ورعت تميزه وحبه الشديد للرياضيات . وطلبت منه بعد تخرجه أن يكون مدير جامعة، وظل وفياً لأمنيتها إلى أن تحققت . بدأ العور مشواره طالباً متفوقاً وتخرج الأول على قسم الرياضيات التطبيقية في جامعة الإمارات . علمته الغربة حيث كان يدرس الدكتوراه الكثير من الخصال، وعاد مؤسساً لقطاع الجودة في شرطة دبي، ومطلقاً للعديد من المبادرات في هذا المجال . تعلم الموسيقى والتمثيل في المدرسة، ومازال يتذكر فريق كرة الطائرة الذي يضم شخصيات مرموقة في المجتمع . حول ذكرياته، ومشواره، وطريقة تربية أبنائه، ودور المرأة في حياته كان مع العور هذا الحوار:
أين كانت طفولتك؟ ما ذكرياتك عن المنطقة التي ولدت فيها؟
- ولدت في منطقة البستكية القديمة، الفهيدي حالياً، وتميزت تلك المنطقة كحال كل "فرجان" الإمارات آنذاك بالترابط الاجتماعي، وكنا كأطفال معروفين لكل عائلات "الفريج" . وكان هناك حالة من الذوبان للأجيال التي تتواصل بشكل يومي، فكنا صغاراً نلعب معاً وكان أهلنا في تواصل دائم من خلال المجالس في البيوت، ولم يكن هناك فجوة بين الأجيال . وكان هناك ميزة مهمة في أهل البستكية وهي حرص الآباء على تعليم أبنائهم، والخروج إلى الخور يوم الجمعة لتعليم صغارهم السباحة وقضاء يوم جميل معهم، يهوّن عليهم عناء العمل والتعليم .
أين تلقيت تعليمك؟
- درست المرحلة التأسيسية في مدرسة الشعب الابتدائية في الشندغة، بعدها انتقلت لأكمل المرحلة نفسها في مدرسة جمال عبد الناصر، ثم إلى مدرسة المعري الثانوية . وأذكر أني كنت أقطع المسافة بين المدرسة و"الفريج" سيراً . وكنت من الطلاب المتفوقين في المرحلة الثانوية لأني تخرجت من العشرة الأوائل في أول ترتيب على مستوى الدولة، وكنت الرابع على القسم العلمي بنسبة 9 .96%، وكنت متميزاً في مادتي الرياضيات واللغة العربية .
ماذا عن تعليمك الجامعي؟
- كان طبيعياً لطالب موهوب في مادة الرياضيات أن يتخصص في قسم الرياضيات التطبيقية، وبالفعل التحقت بجامعة الإمارات وتخرجت الأول على دفعتي، وشرفت بإلقاء كلمة الخريجين أمام المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الأمر الذي دفعني إلى استكمال مسيرتي التعليمية لتحقيق أعلى الدرجات العلمية في هذا التخصص فسافرت إلى أمريكا حيث حصلت على درجة الماجستير في الرياضيات التطبيقية، وانتقلت بعدها إلى بريطانيا للحصول على الدكتوراه في التخصص ذاته من جامعة ويلز، ثم عدت لأبدأ مرحلة رد الجميل من خلال العمل في مؤسسات الدولة المختلفة .
ما سر حبك للرياضيات؟
- تميزي في الرياضيات يعود لمعلمين حبباني فيها، فكنت منبهراً في الصف الثاني الثانوي بمعلم الرياضيات محمد لطفي، وبطريقة شرح أستاذي في الصف الثالث محمد يوسف، ولا أدري إذا كانا موجودين على قيد الحياة لأشكرهما على ما بذلاه معي من جهد . وهنا أحب أن أقول إن الارتقاء بالتعليم ينبغي أن يبدأ من المعلم المبدع والملهم لطلابه، والمتقبل لأسئلتهم، والدافع لهم للبحث عن المعلومة . ناهيك عن صفاته الشخصية ومنها طيب الأخلاق والشيم .
درست في أمريكا وبريطانيا، ما ذكرياتك طالباً مغترباً؟
- دائماً ما اقول إن الغربة مدرسة تعلمك الكثير من الأشياء التي قد لا تتعلمها في بلدك وسط أهلك، ودائماً ما أكرر لأبنائي بيت شعر أدركت معناه في السفر وهو "سافر تجد عوضاً عمن تفارقه وانصَبْ فإن لذيذ العيش في النَّصَبِ" . فأثناء دراستي تعلمت الكثير عن ثقافات الغرب، وتعلمت كيف أطوع وسائلهم لخدمة هدفي الذي سافرت من أجله، وكيف أقيس مستواي الدراسي الذي وصلت إليه بمستويات أخرى حققت إنجازات على الأرض .
متى بدأت مسيرتك العملية؟
- بدأت حياتي المهنية بالعمل في مركز البحوث والدراسات في شرطة دبي، وكان لي شرف العمل مع الفريق ضاحي خلفان نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، الذي أسند إليّ تأسيس إدارة الجودة الشاملة، وكنت أول مدير لها، وشغلت هذا المنصب من 1998 إلى ،2006 وأذكر أنني كنت أول مدير للجودة في القطاع الحكومي بإمارة دبي . بعدها أسست جامعة حمدان بن محمد الإلكترونية، التي كانت تعرف بالكلية الإلكترونية للجودة الشاملة عند تأسيسها في ،2002 لتصبح أول جامعة تدرس علوم المستقبل، في منطقة الشرق الأوسط . وأطلقت خلال كل هذه الفترة الكثير من المبادرات الريادية، منها جائزة التميز القيادي في العالم العربي باسم "فايجينباوم"، ومبادرة عالم الجودة في عام ،2005 وكرسي "غوران" في ،2004 وجائزة ثقافة الجودة في الإعلام العربي في ،2004 ودشنت نادي القيادات الإلكتروني في عام ،2003 وجائزة الإمارات لسيدات الأعمال بمجموعة دبي للجودة في 2002 .
المتابع لمسيرتك العملية يلاحظ اهتمامك البالغ بالجودة، هل يمكن للإنسان تحقيقها في حياته الشخصية والعملية؟
- للجودة مفهوم واسع يمكن تطبيقه في الحياة الشخصية والعملية، وهي من المناهج التي يتبعها الإنسان في كل مناحي الحياة، أسلوباً للعيش والعمل . فلا يمكن للإنسان الذي لا يحافظ على جودة حياته الأسرية أن يتبع خطواتها في عمل، . لكن معاييرها وأولوياتها تختلف وتُرتب بحسب أهميتها للإنسان . والخطوات الحياتية والعملية تشترك في الحفاظ على المستوى والبحث عن الجديد، وتطبيق الأنفع، والحرص على التميز .
كتبت مقالاً بعنوان "دروس في القيادة" هل هي تدرس؟
- صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عندما سئل عن تعلم القيادة، أجاب بأن مجرد سؤاله عن القيادة بداية تعلمها . اما من الناحية العلمية فجزء من القيادة موهبة فطرية، تساعد صاحبها على المضي في تعلم مهاراتها والتدرب على أصولها . أما غير الموهوبين فيمكنهم التعرف إلى تلك المهارات والنهل من تجارب القادة السابقين والحاليين .
ماذا عن مؤلفاتك؟
- ألفت العديد من الكتب في الإدارة والجودة منها كتاب "الطريق إلى رؤيتي: خطوات عملية لتحقيق رؤيتي في التعليم والقيادة والتميز"، وسلسلة "تيسير المعرفة" التي صدر منها حتى الآن "الولاء المؤسسي وفعالية الأداء" و "الإدارة الرشيدة بين النزاهة والشفافية" و"كتاب إدارة المعرفة وفعالية الأداء" و "إدارة الإبداع" .
من أصدقاؤك المقربون؟ وهل تجد الوقت الكافي للتواصل معهم؟
- لدي مجموعة كبيرة من أصدقاء المدرسة، وتحديداً أعضاء في فريق كرة الطائرة، الذين أتواصل معهم إلى اليوم بشكل دائم . منهم مثلاً خالد القاسم، نائب المدير العام للشؤون التنفيذية في دائرة التنمية الاقتصادية بدبي، ومطر الطاير، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لهيئة الطرق والمواصلات، وخالد الكمدة، مدير هيئة تنمية المجتمع في دبي، وعبدالله جاسم بن كلبان، الرئيس والرئيس التنفيذي ل "لدوبال" . ورجل الأعمال يوسف حبيب اليوسف .
من الشخصيات التي أثرت في شخصيتك؟
- يظل صاحب السمو حاكم دبي، رعاه الله، الشخصية المحورية في حياتي، وإن لم يسعدني الحظ بصحبة سموه يوماً، فإنني شرفت بالعمل مع مطبق رؤيته الفريق ضاحي خلفان . ومن الشخصيات التي أثرت في أيضاً والدتي التي حرصت على تعليمي، وكانت رغم بساطتها وعدم إجادتها القراءة والكتابة تجلس وتحفظني الدروس، وأذكر إلى يومنا هذا تحفيظها لي الجدول الدوري لمادة العلوم، وكانت تبذل الجهد لحفظ الرموز العلمية قبل أن تسمعها لي . ومن الأشياء التي مازلت أذكرها أنها عندما كبرت كنت تخرجت في الجامعة طلبت مني في عام ،1992 أن أكون مدير جامعة، وعندما تحقق ذلك في عام ،2009 ذهبت إلى قبرها لأخبرها أني حققت أمنيتها وأصبحت مديراً لجامعة حمدان الإلكترونية .
ما هوايتك المفضلة؟
- في المرحلة الابتدائية كنت أعشق الموسيقى والتمثيل، وكنت ضمن فريق الموسيقى المدرسي، وتعلمت عزف الناي والأكورديون، وحصلت مع فريق مدرسة الشعب على جائزة أفضل فريق موسيقي وأنا في الصف السادس الابتدائي . وعندما انتقلت إلى المرحلة الثانوية ألغيت الموسيقى، ولم يكن أمامي إلا ممارسة الرياضة، فجذبتني الكرة الطائرة، وتنس الطاولة . أما الهواية التي تلازمني منذ الصغر فهي القراءة، أحرص عليها في كل الأوقات والأحوال .
وماذا عن الجوائز التي حصلت عليها؟
- تقلدت العديد من الجوائز والأوسمة، أبرزها وسام الاستحقاق الذهبي عن الإدارة الحكيمة على مستوى الوطن العربي، من أكاديمية تتويج لجوائز التميز لعام ،2013 وجائزة الشرق الأوسط للشخصيات التنفيذية في عام ،2011 لجهودي في نشر ثقافة الاقتصاد المعرفي وتكنولوجيا المعلومات، وحصلت على شهادة التميز في الأداء الحكومي عن فئة الموظف الحكومي المتميز في عام 2005 إضافة إلى وسام شرطة دبي في العام نفسه، وشهادة الإبداع من القيادة العامة لشرطة دبي في2002 .
كيف تربي أبناءك؟
- لدي 5 أولاد وبنت تركت لهم جميعاً المجال في اختيار تخصصاتهم، مما زاد من تميزهم، فالأكبر حمد، يحضر دكتوراه في الرسوم المتحركة في أمريكا، ويعمل في إدارة الأدلة الجنائية في شرطة دبي، ولم نتوقع دراسته لهذا التخصص النادر، وهو استخدام الرسوم للبحث عن المجرمين، وإعادة ترميم صور الضحايا . والثاني سعيد، يحب المحاماة منذ طفولته ويتدرب وهو يدرس في العطلات الصيفية . أما خالد فيعمل في مجال الإخراج السينمائي، ونورا تدرس التصميم المعماري في الجامعة الأمريكية في الشارقة، وعبدالله في الفرقة الثالثة قسم الهندسة الكيميائية، وراشد الأصغر مازال في الصف الحادي عشر . كل هذا التنوع لا يمكن أن ينبع من الأب والأم، ولكنه نابع من رغباتهم الشخصية وحبهم للتخصصات التي يدرسونها .
ما موقع المرأة في حياتك؟
- في الصدارة، فمن دون أمي لم أكن لأتعلم وأحمل الأفكار والأخلاق والقيم، ومن دون زوجتي لم يتوافر لأبنائي الرعاية، ولم أتمكن من مواصلة نجاحاتي في الحياة . فللمرأة أدين بكل شي، ولها أعيش حارساً ومحباً وشاكراً لجميلها ما حييت .
كيف ترى التعليم الإلكتروني؟
- التعليم الإلكتروني أو الذكي آت لا محالة، والتحول إليه على مستوى المدارس أصبح أمراً واقعاً . وقطار التميز في التعليم على مستوى الدولة خطة إستراتيجية انطلقت ولا مجال للعودة للخلف . أما على المستوى الجامعي فقد حققنا من 11 عاماً نقلة نوعية في هذا المجال من خلال جامعة حمدان الإلكترونية . وفي ظل التأخر العربي الذي يقدم خطوة ويؤخر عشرات في هذا المجال . حققنا العديد من الإنجازات التي تستعين بها دول عربية وغربية . فأصبحنا اليوم نقدم دروساً عبر الهاتف المتحرك، ويحضر طلابنا محاضرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي .
هل ترى أن هذا التعليم يحد من التفاعل بين الطالب والمعلم؟
- المشكلة ليست في التكنولوجيا أو الوعاء الحامل للمناهج التعليمية، لكن المشكلة في أسلوب التعلم وقدرة المعلم على فهمهما وطريقة التعامل معها، ومن ثم ابتكاره للأسلوب الذي يناسبه في توصيل المعلومة . اما التفاعل فهو موجود بين مستخدمي الوسائل التكنولوجية، وإذا تمكنا من التعامل مع المواد والمناهج الدراسية بالطريقة نفسها التي يتواصل بها الناس عبر الوسائل التكنولوجية فسنصل إلى قمة التفاعل التعليمي .
يطبق الجودة في حياته وعمله
د . منصور العور: حققت وصية أمي وأصبحت مدير جامعة
5 ديسمبر 2013 13:18 مساء
|
آخر تحديث:
5 ديسمبر 13:18 2013
شارك