لم يكن ليخطر لي ولا في الأحلام أن أصبح أباً لطفل معوّق، فما بالك لطفلين؟ ربما هو التحدي الأكبر إن لم يكن الامتحان الأصعب الذي يواجهه إنسان يقف على أبواب الحياة فاتحاً ذراعيه لاحتضان الأجمل فيها، لكن هذا التحدي نفسه هو الذي جعل مني، أنا الطبيب موسى شرف الدين رئيساً لأكبر مركز تدريب واحتضان للمعوقين في لبنان، والذي أعاد صياغة أحلامي من جديد، ومنحني القدرة على تحقيقها لأُدرك تماماً أن شخصية المرء لا تصقلها إلاّ التحديات الصعبة والكبيرة، وأنها لا تكتمل إلاّ بتفاعله مع هذه التحديات وانتصاره عليها.
ولعّلها المحطة الأولى التي كان لها الفضل في تشكيل وعيي الاجتماعي والثقافي، وأيضاً الإنساني، والتي وضعتني على الطريق الصحيح. ولدت لأسرة زرعت فيّ قيم الفكر والعطاء وحب الأرض والإنسان. جدّي الإمام عبد الحسين شرف الدين كان أول من دعا لتوحيد الرؤية والمذاهب الإسلامية عبر مناظرات مع شيخ الأزهر استمرت لسنوات آنذاك وقد نجح في تحقيق ذلك، وهو الذي لعب دوراً فاعلاً في الانتفاضة ضد الفرنسيين سنة 1920 ودعا في مؤتمر وادي الحجير في العام نفسه، إلى توطيد عروبة لبنان وتجميع طاقات أبنائه وحماية الأقليات فيه ونبذ المذهبية والطائفية واعتباره وطناً للجميع، كما كان أول من أسّس شبكة مدارس للفتيات في جنوب لبنان بعد أن كان محظورا عليهن ذلك.
أمّا أبي النائب سيد جعفر شرف الدين فكان أحد رواد الحداثة في الوطن العربي ومدافعاً شرساً عن حقوق الناس، كما ألّف العديد من الكتب، آخرها مجموعة دائرة المعارف القرآنية من اثني عشر مجلّداً، وأمّا مجموعته دائرة المعارف الإسلامية فقد أُعيدت طباعتها بعد وفاته.
وربما هو أكثر من مشهد، هذا الذي لا يزال يضيء ذاكرتي مشكّلاً الركيزة الأساسية لوعيي الوطني. لكن فلسطين تبقى هي الأكثر حضوراً. ولعلّ سنة 1956 بكل زخمها العروبي والثوري، تختزل بعضاً من الصورة التي حضرت فيها القضية الفلسطينية بكل أبعادها السياسية والنضالية. من المدارس التي يديرها والدي في الجنوب، كانت تنطلق قوافل الفدائيين، لبنانيين وفلسطينيين لا فرق. لكن المشهد لا يكتمل في تلك المرحلة إلاّ بالنشيد الوطني الفلسطيني، كُنّا نردده في الطوابير المدرسية الصباحية قبل دخولنا إلى الصفوف، ولا تزال تدمع عيناي كلّما حضرني المشهد مردداً مع زملائي نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلّد. لقد كان تحرير فلسطين يجسّد حينها أروع هدف إن لم يكن أنبله يحتلّ قلوب الشباب وعقولهم وأنا واحد منهم.
في غمرة شعوري باليأس من الحصول على منحة لدراسة الطب امتدت إليّ يد الدكتور الراحل حسين مروة الذي اغتيل أثناء الحرب في لبنان سنة 1976 هذه اليد الكريمة نجحت في انتشالي من هاوية اليأس ووضعتني على مشارف الأمل من جديد. سألني حينها لماذا لا تسافر إلى موسكو لدراسة الطب ما دمت لا تستطيع السفر الى أوروبا؟ لمعت الفكرة في رأسي، فقلت لنفسي: ولم لا؟
كانت سنوات الدراسة في موسكو محطة مليئة بالنضج والتجارب فقد وجدت نفسي في قلب الحدث السياسي بكل تجلياته وأبعاده، وكانت العاصمة التي احتضنت آنذاك معظم المبعدين السياسيين وربما كان أجمل ما في تلك التجارب التي استمرت لأكثر من ست سنوات من سنة 1966 إلى سنة 1972 هي تلك الأنشطة التي شاركت بها لنصرة فلسطين وأكسبتني صلابة وقوة، خاصة تجربة العمل في سيبيريا في تمديد الخطوط الحديدية لأتمكن من جمع المال والتبرع به للهلال الأحمر الفلسطيني. كنت حينها أعمل يومياً لأكثر من 12 ساعة في مد الخطوط الحديدية ضمن ظروف مناخية وبيئية قاسية.
هكذا عدت إلى لبنان طبيباً بامتياز لأبدأ رحلة العمل ومعها أبدأ أيضاً مواجهة التحدي الأكبر في حياتي الذي أعاد صياغة أولوياتي من جديد. كانت سنة 1972 نقطة الانطلاق التي وضعتني وجهاً لوجه أمام هذا التحدي، والذي ما كان مسموحاً لي بالهزيمة أمامه لكونها لا تعني الفشل فقط وإنما النهاية. نهاية حياة قبل أن تبدأ.
بعد عودتي للوطن سنة 1972 لم يكن هناك ما يحول دون زواجي من المرأة التي أحب وانتظرتني كل تلك السنوات. هكذا بدأنا معاً مشوار الحياة وتأسيس أسرتنا الصغيرة. كنت قد بدأت عملي كطبيب في العيادة المتنقلة في ما يسمى بالشريط الحدودي.
هكذا كان العام 1972 محطة فارقة في حياتي، عدت إلى وطني لبنان حين حققت نجاحاً لافتاً في عملي الطبي كما في زواجي ممن أُحبّ ومعها بدأت أنتظر طفلي الأول الذي سيتوّج سعادتي واستقراري، كنت أعدّ الأيام أنا وزوجتي بانتظار فراس.. نختار له الأسماء والألوان والألعاب ونرسم له الحدود والمسارات.. نرقبه يضحك.. يبكي.. يزحف.. يخطو أولى خطواته.. يتعثر.. ينهض.. نسنده.. نتركه يحاول النهوض بمفرده.. نتفق معه ونختلف عليه وتوحدنا ابتسامته من جديد.
سعادة فائقة لا مثيل لها هذه التي تظلّل انتظار ولادة الطفل الأول، وقد أطلّ في موعده في يوليو/ تموز سنة ،1973 لكن أمد تلك السعادة كان قصيراً وقصيراً جداً، إذ سرعان ما بددته صدمة الحقيقة طفلك معوّق قال الطبيب المختص الدكتور حسن إدريس لزوجتي بعد أن عرضته عليه وقد أقلقها تأخره في المشي والنطق.
في مستشفى الأطفال في لندن قال لي الدكتور جون ويلس الطبيب المشهور المختص بأعصاب الأطفال: إن ابني مصاب بمرض ثلاثي المظاهر يؤدي الى تخلّف عقلي وشلل دماغي رباعي وجفاف جلد عام. مؤكداً تشخيص الدكتور حسن إدريس وتعود أسبابه الى عدم التوافق الجيني نتيجة صلة القربى بين الزوجين، وهكذا لم يعد أمامي من خيار سوى تقبل الحقيقة والمضي في حياتي قدماً مع ما يحمله هذا الخيار من تحديات تتطلب شجاعة كبيرة وإرادة قوية وهذه لا تنقصني والحمد الله. تصالحت مع الواقع ولكن دون أن أفقد الأمل بتحسينه إن لم يكن تغييره. أصبح همي منذ تلك اللحظة ابني وسام وغيره من الأطفال الذين يعانون كما يعاني، فكان عليّ أن أخوض ميداناً جديداً لم يسبق لي أن تعرفت إليه من قبل، لكن الهدف يستحق المحاولة. قررت البقاء في لندن لأُتابع تخصّصي، ومن قبيل الصدفة قرأت خبراً عن جمعية كويتية للمعوّقين فقررت الانتقال إلى الكويت لإلحاق ابني بها، وعملت في المستشفى الأميري هناك، ولما فشلت في إلحاق ابني بالمعهد الخاص بالمعوّقين عدت الى لبنان وكان عام 1976 لألتحق بالعمل في مستشفى صيدا الحكومي. ولم أتخلّ عن مشروعي في احتضان أولئك الأطفال وقد بدأ يتبلور أمامي ويتضح أكثر كلما تعرفت الى واقعهم واحتككت بهم أكثر، فكان أن قررت وبمساعدة عدد كبير من أهالي المعوّقين الذين لم يعد يتسع لهم مركز عين المريسة أن نؤسس مركزاً آخر باسم جمعية أصدقاء المعوّقين، ونجحنا في افتتاح هذا المركز في شملان باسم المربية الرائدة ماري روز بولس وكانت قد قتلت قبل افتتاحه بثلاثة أشهر خلال الحرب. حدث ذلك سنة 1978 لكن المفارقة هنا أن يكون هذا التاريخ شاهداً على ولادة ابني الثاني محمد، الذي أدركنا بعد شهر واحد فقط من ولادته أنه معوّق أيضاً. فتضاعفت المسؤولية وكبر حجم التحدي.
قد يسألني البعض وقد حدث هذا فعلاً: كيف أُكرر التجربة وآتي للحياة بطفل آخر معوّق؟
قلت لنفسي: نعم.. إن أنجح في افتتاح مركز ضخم وبكامل طاقمه وأقسامه وكوادره ليعيد لهؤلاء الأطفال الحياة كما يعيد لهم الاعتبار، فهذا هدف يستحق كل الجهد والاهتمام، خاصة أن هؤلاء الأطفال يعانون في مجتمع ينكر عليهم حقوقهم ويجهل كيفية التعاطي معهم. هكذا كان مركز شملان هو النواة لهذا المشروع الحلم، لكن العدو الصهيوني قام باحتلاله سنة 1982 خلال اجتياحه للبنان فنهب محتوياته وطرد الأطفال منه الى الشوارع وكان من بينهم طفلي فراس، وحوّل العدو هذا المركز الإنساني الى موقع لمرابض مدفعيته. كنت حينها في صيدا حين علمت بالخبر، فهرعت الى الجبل فوراً لأعيد تجميع الأطفال من الشارع وأعود بهم الى صيدا. ذلك المشهد اللاإنساني لا يزال حاضراً في ذهني وكأنه اليوم، ولا أظنني سأنساه ما حييت.
ربما حانت الفرصة أخيراً لأقترب من الهدف أكثر. كانت صيدا لا تزال تعاني اجتياح العدو لها ما ضاعف مسؤولياتي كطبيب حين اتصلت بي بهية الحريري لتطلب مني لقاء شقيقها رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري وكان حينها يبني مجمعاً صحياً ضخماً عرض عليّ تسلمه، فأجبته حينها إنني طبيب تخدير وأن عملاً كهذا يحتاج الى تخصص، فسألني بجدية: وأين يمكنك ذلك؟ فكان ردي عفوياً وسريعاً ولم أتوقع موافقته: في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية. وهي أضخم جامعة في العالم للعلوم الطبية والإنسانية، فأعطاني موافقته بالسرعة نفسها، ولأن الالتحاق بجامعة بهذا المستوى لم يكن بهذه السهولة، أوضحت له: أنا خريج موسكو، فابتسم وأجابني حرفياً أتركها عليّ وطلب مني إحضار جوازات سفري وزوجتي والأولاد وأيضاً الخادمة. وخلال أيام ثلاثة كانت بحوزتي الفيزا وبطاقات السفر لألتحق والعائلة بالجامعة المذكورة. وفي معهد كريجر الكندي للأطفال المعوقين خضعت لدورات مكثفة في تأهيل أمثال هؤلاء الأطفال. كذلك تلقيت في الجامعة أيضاً دراسات أكاديمية عليا وحصلت على ماجستير في العلوم التربوية للأشخاص المعوّقين، حدث ذلك سنة 1984 وحينها كنت العربي الوحيد الذي يحمل هذا التخصص.
وحين أردت العودة الى وطني لبنان كان المجمع الصحي في كفر فالوس قد نُهب من قبل ميليشيات سعد حداد والقوات اللبنانية، فأخبرتني بهية الحريري بتأجيل المشروع وبضرورة بقائي في أمريكا لحين اتضاح الأمور، وكان ردي أن لا حرائق في أمريكا رغم كثرة رجال الإطفاء، بينما لبنان يحترق وما من رجل إطفاء واحد. كان الأطفال المعوقون همي الكبير وقد ازدحمت بهم شوارع لبنان وازدادت أعدادهم ومعاناتهم خلال الحرب، فقررت العودة إلى وطني، حيث أعدت إحياء جمعية أصدقاء المعوقين وافتتحت مركزاً لها في بيروت ليتسع نشاطها لاحقاً وتمتد فروعها الى طرابلس في الشمال وليتحقق حلمي الكبير بافتتاح المشروع الضخم في المشرف، وقد تحقق بدعم أحد رجال الأعمال وكان والداً لطفل معوّق. وهكذا بعد أكثر من ثلاثين عاماً من العمل مع المعوّقين، اكتمل المشروع وتحقق فكان هذا المركز الضخم بتعدد أقسامه وتخصصاته.
ولعل الحكاية لم تنته باكتمال هذا المشروع فقط. لقد كافأني الله بطفلة معافاة تماماً. حدث هذا حين كنت أتخصص في أمريكا، وقد حملت زوجتي للمرة الثالثة وفي غمرة القلق صادف أن قرأت خبراً في أحد الصحف يتحدث عن إمكانية اكتشاف طبيعة الخلل لدى الجنين قبل ولادته وكذلك إمكانية علاجه. قصدت وزوجتي جامعة ويلز وبعد انتهاء الفحص قال الطبيب ممازحاً أبشر فالطفل طبيعي لكنه للأسف بنت وليس صبياً، هكذا ولدت ابنتي دانا سنة 1984 لتكتمل بها سعادتي والأسرة. كذلك ليولد سنة 1999 أضخم مجمع لإعداد وتأهيل المعوّقين في منطقة المشرف، وها أنا اليوم أواصل الطريق مرتاح الضمير، فقد نجحت في تعليم أولادي كما يتعلم غيرهم من الأولاد، وأستطيع أن أقرأ الرضا في عيونهم وأشعر بالفرح وأنا أتابعهم يمارسون حياتهم وأنشطتهم اليومية بشكل طبيعي. ربما يستغرب البعض تفاؤلي وثقتي، لكن هذا التفاؤل وهذه الثقة هما أساس نجاحي في تحقيق هذا الهدف الكبير والنبيل.
نعم، وعلى الرغم من التحدي الكبير أجد نفسي سعيداً بكل ما حققته مهنياً واجتماعياً وعائلياً، فأنا أب لكل الأطفال المعوقين وقد ساهمت في زرع البسمة على وجوههم.. صدقوني فوسط المحنة القاسية لم تفتر علاقتي بزوجتي ولا للحظة واحدة فالتحدي واحد كما هو المصير، وبالحب يستطيع المرء الانتصار على المحن وتخطيها.
مازلت رغم كل هذه المسؤوليات الملقاة على عاتقي أمارس عملي كطبيب تخدير الى جانب كتابة الأبحاث والدراسات وتأليف الكتب، وبالتالي مواصلة الطريق الذي اخترته أو اختاره لي قدري.
حلم يكبر ليصبح هدفاً
لم يكن حلمي في دراسة الطب عبثاً ولم يأت من فراغ، فقد كانت إحدى شقيقاتي تعاني مرضاً في القلب، كذلك عانت أمي الكثير من مرض السكري، ما جعلني وأنا الطفل آنذاك أتمنى لو كنت طبيباً قادراً على تخفيف معاناتهما، وربما اجتراح معجزة الشفاء أيضاً. وبدأ الحلم يكبر معي ويتبلور ليصبح هدفاً أساسياً، وحتى يتحقق كان عليّ أن أحافظ على تفوقي في الدراسة لأستطيع الحصول على منحة تخولني دراسة الطب في بريطانيا. وحين أوشكت أن ألامس الهدف، تلقيت صفعة حادة كادت تبدد حلمي وتقتله لتزرع في داخلي اليأس والاستسلام أمام صعوبة التحديات التي أحاطت بي وحرمتني بقسوة وبلا عدالة من الحصول على المنحة، وكنت حينها أستحقها بجدارة بعدما توفرت في شخصيتي كل الشروط للحصول عليها.
اقتناع بأهمية الزواج
زوجتي التي أعترف بأنني أحببتها وارتبطت بها وأنا لم أزل على مقاعد الدراسة، هي التي عرفتها طفلة، بحكم صلة القربى التي تجمعنا. واعترف بأن حبها بقي نابضاً في قلبي طيلة سنوات الغربة. وربما كان حافزاً لي على مواجهة كل المغريات التي قد تحيط بعازب شاب وما أكثرها في بلاد الغربة.
لقد صممت على اجتياز تلك التجربة، ليس لأنني أرتبط بحب كبير فقط، وإنما لاقتناعي بأهمية الزواج من امرأة من وطني، وربما لهذا أسست جمعية مناهضة الزواج من أجنبيات التي تعرضت بسببها لحملة شعواء.