الدكتور ناصر الدين الأسد، عالم وأكاديمي ودبلوماسي أردني مرموق، حصل على الدكتوراه في الشعر الجاهلي في كلية الآداب جامعة القاهرة في عام 1955 وهو عضو المجامع اللغوية العربية في دمشق والقاهرة والأردن والصين عمل سفيراً للأردن بالمملكة العربية السعودية وشغل منصب وزير التعليم العالي في الأردن وأسس الجامعة الأردنية، يعد علامة من علامات الثقافة العربية المعاصرة وتتميز كتاباته بثرائها الكمي والكيفي التي تؤهل لكل إبداع أصيل بما يفتح أمامه آفاقا للمستقبل .
من مؤلفاته: مصادر الشعر الجاهلي . . قيمتها التاريخية، الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن، القيان والغناء في العصر الجاهلي، الشعر الحديث في فلسطين . ومن كتبه المحققة: جوامع السير، وخمس رسائل أخرى، تاريخ نجد، ديوان قيس بن الحطيم، ديوان شعر الحادرة .
حصل على العديد من الجوائز منها: جائزة طه حسين عام ،1947 جائزة الملك فيصل ،1982 جائزة نجيب محفوظ ،2011 هنا حوار معه:
بدأت مسيرتك العلمية منذ أكثر من ستين عاما . . كيف تتأمل هذه المسيرة اليوم؟
كانت مسيرة حافلة تنوعت فيها المسؤوليات والأعباء ما بين مسؤوليات علمية وأكاديمية ومسؤوليات سياسية ووزارية، فأنت تعلم أنني شغلت منصب سفير الأردن في المملكة العربية السعودية، وشغلت منصب وزير التعليم العالي في الأردن مرتين وأسست وزارة التعليم العالي وكنت أول وزير لها وكذلك أنشأت الجامعة الأردنية مع نخبة من الأساتذة وتوليت رئاستها مرتين أيضاً، فأنت ترى أن مسيرتي متعددة وحافلة ولا أطيل عليك في ذكر التفصيلات وهي جميعا والحمد لله مسيرة مستقرة وثابتة لم تتعرض لكثير من الاختلالات والاضطرابات الطبيعية في حياة الإنسان .
ما منهجكم في تحقيق التراث؟
المنهج واضح اتفق عليه جميع الذين حققوا كتب التراث ومن أشهرهم محمود محمد شاكر وعبد السلام هارون وأبو الفضل إبراهيم وهم من علماء مصر الذين نعتز بهم وكذلك الدكتور صلاح الدين المنجد من محققي سوريا، ومنهج التحقيق محدد وبسيط ولا أحب الآن أن أدخل في تفصيلاته لكن أحب أن أؤكد شيئا واضحاً هو وجوب التنسيق بين المحققين لأننا كثيرا ما نجد كتابا يصدر عن محقق وفي العام نفسه أو التالي يصدر الكتاب نفسه عن محقق آخر . ولقد حاول معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية بالقاهرة أن يصدر نشرة عن المحققين حتى يتعارفوا ويتواصلوا مع بعضهم ولكن النشرة لم تحقق أغراضها للأسف .
أما الحديث عن وجوب البحث عن مخطوط الكتاب الذي يحقق واختيار النسخة التي تسمى النسخة الأم ثم بقية التفصيلات والخطوات فأمور يعرفها جميع علماء التحقيق .
كيف تنظر إلى حركة إحياء التراث في العالم العربي؟
لدينا الكثير من أساتذة الجامعات الذين يجمعون بين التأليف والتحقيق، وعندنا في الجامعة الأردنية طالبتان في مرحلة الدكتوراه اختارتا مخطوطتين من تراثنا لتحققاهما ولتجريا عليهما دراسة تنالان بهما الدكتوراه، فأنت ترى أن حركة إحياء التراث موجودة لكنني أحب أن أستدرك أن هناك ندرة في مجال تحقيق التراث العلمي لأن أغلب المحققين يتجهون إلى التراث الأدبي والتاريخي ونحن بحاجة إلى معرفة تراثنا العلمي الذي قامت عليه الحضارة المادية الإسلامية .
ما شروط المحقق الناجح؟
الشرط الأول الذي يغفل عنه بعض الذين كتبوا عن قواعد التحقيق هو أن تكون للمحقق ذاكرة قوية تسعفه حين يعرض له بيت من الشعر أو كلمة مطموسة فيذكر قائل بيت الشعر ويتذكر من الكتب التي قرأها ما يعينه على استدراك النقص أو الطمس . وهذا يعني انه لا بد للمحقق أن يكون ذا صلة وثيقة وشاملة بالتراث العربي يستعين به على التحقيق، فهذان شرطان أساسيان لا بد منهما . أما بقية الشروط فهي شروط عملية يسيرة من الممكن استدراكها .
أنت تلميذ لطه حسين برأيك لماذا تقلص المشروع التنويري لطه حسين؟
مشكلتنا جميعا هي مشكلة طه حسين أنه ليس للأساتذة في جامعاتنا العربية مدارس فيها تلاميذ، فبمجرد انقضاء الدروس وابتعاد الأستاذ عن تلاميذه يخبو ذكره ولا ينهض أحد من تلامذته بنشر طريقته أو منهجه .
حدث مرة واحدة في مصر مع أستاذ جليل هو الشيخ أمين الخولي، الأستاذ في كلية الآداب جامعة القاهرة، فقد أسس جمعية أدبية ثقافية أطلق عليها الأمناء وانضم إليها عدد من تلامذته وفي طليعتهم زوجته الدكتورة بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن، وأصدروا مجلة تحمل اسمهم ولكنها لم تدم طويلا، فبعد وفاته رحمه الله انفض تلاميذه، والآن لا يكاد أحد يذكر هذا العالم الجليل أمين الخولي ومنهجه في البحث إلا عدد قليل جدا من تلامذته الذين استبدت بهم الآن الشيخوخة ولم يعودوا قادرين على شيء . فمشكلة طه حسين أنه ليس له تلاميذ، وإن كان عددهم كبيرا في أثناء حياته ولكن الذين يتظاهرون ويدعون أكثر من الحقيقيين فالمشكلة إذن هي مشكلة تلامذة الأستاذ والمدرسة التي تقوم حوله .
ما سر الخلاف بينك وبين طه حسين؟
عندما صدر كتابي مصادر الشعر الجاهلي كنت أقصد به التأصيل لجذور الشعر الجاهلي ولم أكن أقصد الرد على كتاب طه حسين الشهير في الشعر الجاهلي، وكان الدكتور طه حسين كعادته يقضي إجازته السنوية في أوروبا في صيف عام 1956 وحينما عاد اتصل بي هاتفيا سكرتيره فريد شحاتة وقال لي: إنه يقرأ كتابي للدكتور طه حسين وألاحظ أنه يتململ بين كل فقرة وأخرى ويثور، وأخبرني بأن العميد سيزورني وعليّ الاستعداد لمقابلته . وبالفعل فوجئت أثناء وجودي بمكتبي في جامعة الدول العربية بالباب يفتح بعنف ويدخل فريد شحاتة وراءه طه حسين وهو متجهم وغاضب وجلس من دون أن يلقي التحية ثم أخذ يسمعني أغلظ القول في منهجي وكتابي وأفكاري التي ذكرتها في الكتاب، ولم أنبس ببنت شفة فخرج كما دخل من دون تحية .
وبعد أسبوع اتصل بي مدير الإدارة الثقافية في الجامعة العربية، وكان مكتبه يجاور مكتبي، وقال لي: هل تحب أن تشرب القهوة معي؟ فاستجبت لدعوته وذهبت إليه فما إن فتحت باب مكتبه حتى رأيت أمامي الدكتور طه حسين والدكتور رئيف أبو اللمع، اللبناني الأصل، وكان يشغل منصب الأمين العام المساعد للجامعة العربية وكان الدكتور طه حسين حينئذ يرأس اللجنة الثقافية الدائمة، وحين رأيته أغلقت الباب ورجعت . ولكن الدكتور طه حسين كان مرهف السمع وأدرك أن الذي فتح الباب ولم يدخل هو أنا، وبعد خمس دقائق تقريبا فوجئت بباب مكتبي يفتح ويدخل الدكتور طه حسين فبادرني بالتحية على خلاف زيارته السابقة، وحين جلس قال: أمازلت غاضبا؟ فقلت: أشد الغضب . فطيب خاطري وأسمعني كلمات حسنة في الكتاب وفي منهجي على نقيض ما حدث في زيارته السابقة، لأنه كان رحمه الله استفزازيا وكان من كبار دعاة حرية الرأي إلا في ما يتصل به .
لماذا اختفت المعارك الثقافية التي كانت مثارة في زمن العقاد وطه حسين؟
هذا سؤال يطرح دائما ولا نكاد نجد له إجابة مقنعة، لكن أرجح أن السبب أن هؤلاء الأعلام الكبار كانت أقلامهم عفيفة على عنف ما يصدر منها، فالكلام عنيف لكنه عفيف لا يجرح الآخرين بل كان أحيانا ممزوجا بالمداعبات والنكات اللطيفة، وهذه الطبقة انتهت، ولذلك لا يجوز أن نطلب من كل عصر ما كان يفعله أهل العصر السابق، وهذه الظاهرة في كل مجال وليس فقط في الحياة الأدبية كنا نتمنى لو دخل النقد السليم في حجاج أو محاججة وحوار من أجل إغناء الحياة الفكرية والأدبية لكن هذا لا يحدث إلا على قلة في بلادنا العربية في الوقت الحاضر .
كيف تتأمل غربة اللغة العربية بين أهلها؟
هي غربة مقيتة وجارحة للنفوس، لأن اللغة في كل أمة هي أهم عنصر من عناصر شخصيتها، فكيف إذا كانت هذه اللغة متصلة بديانة الأمة وقوميتها معا وأعتقد أن المسؤول الأول عما وصلت إليه اللغة العربية هو التعليم في جميع مراحله، فإذا نظرنا إلى المراحل الأولى سنجد أن المناهج قد فرغت من اللغة العربية ونصوصها المؤصلة، فإذا انتقلت بعد ذلك ستجد أن اللغة العربية في أكثر المدارس مهمشة، حيث أصبحت الإنجليزية هي اللغة السائدة في بلاد المشرق واللغة الفرنسية هي المسيطرة في بلاد المغرب العربي، ثم انظر إلى عدد المدارس الأجنبية في بلادنا العربية ستجدها كثيرة ومهولة ولا توجد أمة غير الأمة العربية تسمح بهذا الاختراق للغتها وثقافتها . .
كيف ترى دور النخبة في تفعيل الحراك الثقافي بعد ثورات الربيع العربي؟
الأمل بأن تحقق هذه الثورات ما قامت من أجله وهو وجود نظام ديمقراطي حقيقي يتيح حرية الفكر وحرية التعبير أيضاً، حينئذ تستطيع النخبة من المفكرين والكتاب والعلماء، وهنا أرجو ألا ننسى العلماء لأنهم مثل الأدباء يحتاجون إلى حرية الفكر لينطلق هؤلاء جميعاً في رحاب هذه الحرية ويبدعوا أما لا سمح الله إذا انتكست هذه الثورات فحينئذ سنعود إلى أسوأ مما كنا فيه خلال المرحلة السابقة.