تقوم الذاكرة الثقافية للوطن على أركان عدة، يأتي في مقدمتها الكتاب باعتباره ناقلا للثقافات المختلفة على مر العصور وشاهدا على حركة التاريخ.
وفي القاهرة أماكن أساسية ارتبطت في الذاكرة العربية بالكتاب، طباعة وعرضا. وللكتاب قصة ممتدة نروي جانباً منها عبر الطواف بأهم المراحل التي خاضها منذ نشأة أقدم المطابع المصرية مطبعة بولاق وما ترتب عليه من إنشاء مكتبات عريقة اخترنا أقدمها مكتبة الأنجلو المصرية نموذجا لمكتبة عربية قاومت الزمن وصمدت لأكثر من 75 عاماً محتفظة بقيمتها ورونقها، وأخيرا نطوف بكم في أحضان سور الأزبكية الذي يملك تاريخا طويلاً من العراقة والمعاناة أيضا والذي أعيد افتتاحه مؤخرا في ثوب جديد.
من المعروف أن الطباعة ظهرت للمرة الأولى في مصر إثر تعرضها لحملة نابليون بونابرت عام ،1798 الذي حمل معه ثلاث مطابع مجهزة بحروف عربية ويونانية وفرنسية، وكان الهدف الأساسي لهذه المطابع هو طباعة المنشورات والأوامر الدعائية، وكانت تقوم بعملها في عرض البحر، حتى دخلت الحملة القاهرة، فنقلت إليها، وعرفت بالمطبعة الأهلية، وتوقفت هذه المطبعة بانتهاء الحملة الفرنسية عام 1801.
وعام ،1820 أنشأ والي مصر محمد علي باشا (1184 1265ه/ 1770 1849) مطبعة على أنقاض المطبعة الأهلية، عُرفت بالاسم نفسه، ثم نُقلت إلى بولاق، ومنذ ذلك الحين أطلق عليها عدة أسماء من بينها دار الطباعة، ومطبعة صاحب السعادة، والمطبعة الأميرية، إلا أن اسمها الرسمي التاريخي الذي عرفت به هو مطبعة بولاق. وحرص محمد علي على مد المطبعة منذ نشأتها بأحدث آلات وحروف الطباعة التي استوردت في أول الأمر من ميلان بإيطاليا، وافتتحت مطبعة بولاق رسمياً في عهد محمد علي عام 1821 وكانت تطبع الكتب العسكرية للجيش، ثم تطورت بعد ذلك لتطبع الكتب الأدبية والعلمية والمدرسية.
وأحدث ظهور مطبعة بولاق في مصر طفرة علمية ومعرفية إذ أتاحت الفرصة لشتى العلوم والمعارف والآداب لتخرج من نطاق المحدودية التي تفرضها عملية النسخ اليدوي إلى عالم أرحب وأكثر سرعة في تداول المعارف والعلوم، وحوّلت العلم إلى عامل مؤثر في جميع مناحي الحياة اليومية للإنسان.
وبعد أربعين سنة من إنشاء مطبعة بولاق توالى ظهور بعض المطابع الأهلية مثل: مطابع الوطن،1860 ووادي النيل ،1866 وجمعية المعارف ،1868 والمطبعة الخيرية بالجمالية، والمطبعة العثمانية، والمطبعة الأزهرية، والمطبعة الشرفية في ،1879 وإن ظل ما قدمته مطبعة بولاق، يمثل ثورة في عالم المعرفة. وتدلنا الوثائق على غزارة ما طبع فيها، ففي مدة وجيزة لا تتجاوز ست سنوات سبقت عام 1879 طبعت أكثر من نصف مليون نسخة، ولم تتوقف خلال عمرها الذي تجاوز 188 عاماً برغم تعرضها للانتقال من نمط ملكية لآخر ومن عصر سياسي نحو آخر مختلف تماماً، ففي عهد الوالي عباس حلمي الأول أصدرت المطبعة بعض الكتب القيمة منها مقامات الحريري وخطط المقريزي، لكن مطبعة بولاق سرعان ما مرت بمرحلة جديدة بقيام الوالي سعيد باشا بإهدائها إلى عبدالرحمن باشا رشدي مدير مصلحة السكك الحديدية بالبحر الأحمر. وعادت مرة أخرى بعد ذلك في عهد الخديوي إسماعيل إلى الدائرة السنية حين اشتراها باسم ابنه الأمير إبراهيم حلمي وضمها إلى الدائرة. ويرى بعض المؤرخين أن عهد تبعية المطبعة للدائرة السنية يعد من أزهى عهودها، إذ استهلت عهدها الجديد بإصلاح وتجديد آلاتها وكان من نتيجة التقدم الذي شملها، أن اشتركت في معرضين دوليين أحدهما في باريس سنة ،1867 وأقيم الثاني في فيينا في سنة 1873.
تنوعت إصدارات مطبعة بولاق وتباينت على مدار عمرها الطويل وإن ظلت هناك سبعة أنواع أساسية اندرجت تحتها إصداراتها وهي: القوانين واللوائح والمنشورات، والكتب، والتقاويم، والوقائع المصرية، والقرآن الكريم، والأوراق والدفاتر الحكومية، ومقامات الموسيقا.
وكان لكتب التراث وموسوعاته مكانة مميزة بين إصدارات مطبعة بولاق إذ تولى الإشراف على ضبطها وتقويمها ونشرها جماعة من المشايخ المحققين الخبراء، وكان لهؤلاء أعظم الأثر، في تشييد أركان مدرسة علمية فنية خاصة لتصحيح ونشر التراث.
استمر حال المطبعة بين التدهور والازدهار إلى قيام ثورة ،1952 وبإنشاء وزارة الصناعة عام ،1956 وضمت إليها مطبعة بولاق تحت مسمى: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ونقلت إلى منطقة إمبابة على مساحة تجاوزت 35 كم،2 ولا تزال المطبعة تلبي احتياجات الدولة من جميع أنواع المطبوعات، إلى جانب إسهامها في تنشيط حركة الطباعة والنشر في مصر والشرق الأوسط من خلال إصداراتها المختلفة. وتعاونت المطبعة بالتعاون مع عدد من الدول العربية ومن بينها ليبيا والعراق بطباعة الكتب الدراسية لمراحل التعليم المختلفة بها.
ويبدو أن تلك المطابع العريقة فقدت في الفترة الأخيرة بُعدها الثقافي وصارت أقرب إلى غيرها من المشاريع الإنتاجية نتيجة لاستئثار دور النشر الكبرى ومطابعها المطورة على كعكة النشر الثقافي في مصر.
لا تزال منطقة وسط القاهرة، رغم تغير بعض معالمها، تحتفظ بجاذبيتها لدى المثقفين وتقاوم تجاعيد الزمن التي تسقط من آن لآخر، معلماً ثقافياً ارتبطت به الأجيال المتتالية في اكتشافها لعالم الإبداع والإنتاج الفكري، لكن ل مكتبة الأنجلو المصرية إطلالة خاصة لا يزيدها مرور الزمن إلا جمالا وإبهارا.
هذه المكتبة طالما تردد عليها كبار الكتاب والمفكرين من أمثال الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، وعباس محمود العقاد، وسلامة موسى، لا لنشر أعمالهم الفكرية فحسب وإنما للاطلاع على الدوريات البريطانية التي كانت تصل للمكتبة في توقيت صدورها بوطنها الأصلي في ذلك الزمن البعيد الذي لم تكن فيه وسائل الاتصال حققت تلك الطفرات. كانت المكتبة رئة تنفس من خلالها الوسط الثقافي المصري نسمات حضارات أخرى، وحرصت منذ تأسيسها قبل نحو ثمانين عاماً على الحصول على امتيازات من دور النشر الكبرى بحيث تتواكب حركة النشر في مصر مع ما ينشر في الخارج من كتب ودوريات لها أهميتها ولا تتاح للمثقفين متابعتها بسهولة إلا عبر قطع آلاف الأميال للسفر إلى تلك البلاد التي كانت بعيدة جدا حتى منتصف القرن الماضي.
أنشئت مكتبة الأنجلو المصرية عام 1928م واختار لها مؤسسها الناشر المعروف صبحي جريس مكاناً مميزاً بشارع محمد فريد بوسط القاهرة مستهلاً رحلته في عالم النشر بإرساء قواعد حولته من مجرد تجارة رابحة إلى رسالة واصلتها ثلاثة أجيال استهدفت نشر الفكر والثقافة عبر الابن أمير صبحي ثم الحفيدين فادي وكريم أمير صبحي، في جيلها الثالث. وعبر هذا التاريخ من النشر، كانت هناك فلسفة متميزة لمكتبة الأنجلو، تتمثل في الجمع بين التركيز على تعريف القارئ المصري والعربي بأحدث الإصدارات الأجنبية المتنوعة، بهدف جعله قادرا على التواصل مع الاتجاهات والثقافات المغايرة، وفي الوقت نفسه نشر أحدث الإصدارات العربية وأكثرها تميزاً في كل فروع الثقافة المختلفة، لتؤكد الملامح الذاتية الأصيلة من الفكر والثقافة العربية، ولتؤكد هويتها.
واهتم مؤسس مكتبة الأنجلو في البداية بنشر الكتب الجامعية في المقام الأول، ولا تزال المكتبة إلى اليوم تمثل أهم ناشر لهذا النوع من الكتب التي تستهدف طلاب الجامعات برغم ما تعالجه من موضوعات متنوعة تندرج تحت فروع الثقافة المختلفة.. كما جاء الاهتمام بنشر الكتب الأجنبية في المقام الثاني من أولويات الناشر المرموق الذي سرعان ما حظي بمكانة متميزة في عالم النشر على المستوى العربي. والمتتبع لمسيرة المكتبة يلحظ أن هناك خطة لم تحد عنها طيلة تاريخها برغم تغير ظروف النشر، إذ أولت اهتمامها لنشر الكتب التي تتناول شتى المعارف الإنسانية وبخاصة العلوم الإنسانية، وأصبحت الأشهر عربياً في نشر الكتب المتخصصة في علوم النفس والاجتماع والتربية وجذبت أسماء لامعة في السلك الأكاديمي للنشر لديها. كذلك تقدم المكتبة طبعات لكتب نشرت قبل نحو خمسين عاما كالمؤلفات النقدية للمسرحي الشهير الدكتور رشاد رشدي، وإن ظلت المكتبة بعيدة عن نشر الأعمال الأدبية، إذ آمن القائمون عليها بالتخصص الدقيق لذا فالموضوعات الأدبية التي تنشر تقتصر على مجالات الدراسات الأدبية التي تتنوع في شتى المجالات ما بين الأدب الفرعوني والفارسي والأمريكي والإيطالي. ويبقى حضور الكتاب الجامعي مسيطرا على الموقف بتنوعاته وتخصصاته، فلا يكاد عنوان لأحد المعارف العلمية يغيب عن قائمة الكتب التي تصدرها المكتبة.
وبرغم هذا التنوع في الإصدارات اختارت مكتبة الأنجلو أن تنشئ فرعا لها داخل جامعة القاهرة برغم ضعف القوى الشرائية للطلاب، لكن المحرك وراء ذلك الإيمان برسالة الناشر، ولبت في سبيل ذلك مطالب كثير من الطلاب والأساتذة من الكتب الأجنبية التي تتطلبها البحوث والدراسات الأكاديمية، فاستوردتها خصيصاً لمن يحتاجها. ويتراوح ما تنشره المكتبة من عناوين بين 60 و70 عنواناً سنوياً، إلى جانب نجاحها في تحقيق سمعة طيبة لدى الناشر الأجنبي، الأمر الذي أسهم في نجاح الجيل الثالث من الناشرين بالمكتبة العريقة في الحصول على حق طبع ونشر 11 عنواناً من إصدارات كامبريدج، ما يسمح بتوافر تلك الكتب في أيدي القراء العرب بأسعار تقل كثيرا عن أسعار استيرادها.
ويطمح أحفاد مؤسس الأنجلو الى افتتاح فرع لمكتبتهم في لندن قريبا إضافة للفرع الذي يقام بنفس الطراز المعماري للمكتبة بمنطقة مصر الجديدة شرق القاهرة خلال بضعة أشهر.
سور الأزبكية بيت المثقفين الحائر
لا يكاد مثقف عربي يصل إلى القاهرة من دون أن يضع سور الأزبكية في صدارة جولته مهما كانت إقامته قصيرة، فالسور الذي يحمل خلف ظهره عمراً ممتداً يشغل أهمية كبرى في حياة المثقفين العرب والمصريين منذ مطلع القرن الماضي، برغم أن قصة إنشائه تكشف عن المصادفة التي لعبت دورا مهما في اختيار ذلك المكان الواقع في قلب القاهرة ليكون مقصد المثقفين.
يرجع إنشاء منطقة الأزبكية إلى ما يزيد على 140 عاما، وكانت بركة قديمة مساحتها حوالي 60 فداناً ثم ردمت سنة ،1864 وكلف الخديوي إسماعيل المهندس الفرنسي ديشان، مسؤول بساتين باريس، بإنشاء حديقة مساحتها 20 فدانا عليها عرفت ب حديقة الأزبكية، وزودت بحوالي 2500 مصباح غاز، وأقيم بها مسرح غنّى فيه في عصور لاحقة كبار المطربين من أمثال: أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وغيرهما.
ولكن، كيف ولماذا اختار بائعو الكتب هذا المكان بالذات لعرض كتبهم إلى جواره؟ يعود الحاج صابر السرجاني، الذي ورث المهنة عن أبيه وجده، بذاكرته خمسين عاما للوراء ويقول: مازلت أتذكر ما رواه لي أبي عندما كان يعمل مع جدي في بيع الكتب في مقاهي المثقفين وأشهرها مقهى المختلط بالعتبة الذي لم يعد له وجود الآن، لكنه آنذاك كان ملء السمع والبصر برواده الذين كانوا يتبارون في شراء كتب التراث والمراجع الأجنبية القيمة من أمثال طه حسين، زكي نجيب محمود، وتوفيق الحكيم. كان والدي يقف بالمصادفة مع زملائه باعة الكتب بجوار سور حديقة الأزبكية المواجه للأوبرا القديمة ليستريحوا من عناء السعي بين المقاهي فوجدوا المارة من رواد الأوبرا يتجمعون ومن هنا جاءت فكرة الاستقرار بالكتب القديمة إلى جوار السور لكن المأمور الانجليزي كان يأمر الضباط المصريين بالقبض على الباعة ورش كتبهم بالماء واستمرت المطاردات إلى أن قامت ثورة يوليو/تموز 1952 وتصادف في إحدى المرات أثناء عبور موكب الرئيس جمال عبدالناصر أن شاهد الكتب القيمة التي نبيعها تفترش الأرض إلى جوار السور فما كان منه إلا أن أمر محافظ القاهرة بمنحنا تراخيص فورية وبناء مكتبات تتسع لنا جميعا حول السور واستمر الوضع مستقراً وتزايد الإقبال على السور واتسعت شهرته إلى أن بدأت مشكلاته منذ عام 1993 ونقله أكثر من مرة.
يستكمل الحاج أنور محمد أحمد الذي بدأ المهنة عام 1963 قبل أن يبلغ الثالثة عشرة رحلة تنقلات السور فيقول: كنا في البداية في شارع سيف النصر منذ عهد الملكية ثم استقر بنا الحال حول سور الأزبكية، أما بعد 1993 وخلال محاولات إعادة تنظيم القاهرة نقلنا الى أسفل كوبري الأزهر ثم في منطقة بعيدة بالدّراسة وأخيراً عدنا إلى ميدان العتبة، لكننا نتمنى أن نستقر في المكان التاريخي الذي ارتبطت به قيمة السور في ذهن جميع المثقفين العرب.
وعلى بعد خطوات منه يقف الحاج السيد محمد السيد وسط جرائد مغلفة بالبلاستيك الشفاف عمرها أكثر من خمسين سنة شاهدة على عصر آخر مختلف كان للأمة العربية فيه شأن آخر وحوله تتراص المكتبات التي وصل عددها إلى 130 مكتبة بعد أن كانت قبل التنقلات الأخيرة 180 مكتبة، فيما يبدو أنه يعكس حالة من الإحباط والخوف من المستقبل جعلت بعض الناشرين يستسلم ويغير مهنة عمره. والحاج سيد الذي تخصص في الدوريات القديمة يقول: برغم صعوبة الظروف، إلا أني لا أستطيع التخلي عن مهنة أجدادي التي أرى فيها رسالة تحفظ لنا الذاكرة.