هناك على شط العرب، قبالة الماء وعلى بعد قبلة من البصرة ما زال الشاعر بدر شاكر السياب (تمثالا) واقفا وقد مدّ يده باتجاه البحر كما لو أن روح الشاعر تحرس المدينة وتشير إلى خطر قادم من هناك.. من جهة الماء.
السياب ما زال واقفاً هناك، لكنه أصيب برصاصة ما زالت آثارها بادية على العيان.. ولم يكن ذلك منذ العام ،2003 سنة السقوط المدوّي لبغداد الباقية، بل تلك السنة الكارثية 1991.
السياب ما زال واقفا هناك ليس بغريب على الخليج ولا بحفار قبور.. يدوي نشيده بإيقاع حافل بأصوات الطيور والحب والمقاومة، بصيغتها المنطقية والتقدمية، بل بكل ما يجدر بالحياة.
السياب ماذا لو كان (هنا، والآن)؟ بالتأكيد سنراه واقفا في بغداد ويصرخ ضد الاحتلال، بل لعله هو من أعار روحه إلى ذلك الصحافي العراقي منتظر الزيدني الذي منح قبلة الوداع بحذائه لرأس احتلال العراق، بل العالم، ليلة الرابع عشر من هذا الشهر.. ما يلي هذا التحقيق عن معنى حضور السياب في هذه اللحظة.
هنا يتحدث كتّاب عراقيون في الذكرى 44 لرحيل بدر شاكر السياب:
الشاعر الفريد سمعان أراد ان يبدأ حديثه أولاً عن السياب من زاوية تجديده للقصيدة العربية واختراقه للبنية العمودية السائدة في الشعر العربي، وقال: عمد السياب إلى تجديد الشعر العربي رغم وجود بعض المبالغات لأن هناك جهوداً من قبل الشاعر علي احمد باكثير في مصر فضلا عن شعراء من مصر وسوريا وكذلك الأديب اللبناني البير أديب صاحب مجلة الأديب الذي كانت له محاولات في التجديد فضلا عن شعراء المهجر فقد كان السياب نقطة تحول في تاريخ الشعر العربي عموما وليس العراقي فقط. وأرى أن أفضل ما قدمه السياب من شعر هو عندما كان يساريا وتقدميا حيث القصائد الخالدة حفار القبور وغريب على الخليج والقصائد الأخرى التي كتبها في ذلك الوقت، كان إنسانا من نوع آخر وبتفكير آخر متجدد، الأمر الذي يدفعنا اليوم إلى أن نعيد قراءة السياب بل أدعو إلى تشكيل لجنة كبيرة تتولى نشر مؤلفاته بشكل منتظم وذكر محاسنه والتغاضي عن الإساءات التي خرجت منه في آخر حياته، وقد كانت علاقتي حميمة معه في البصرة. حيث كتب مقدمة أول ديوان صدر لي واسمه في طريق الحياة عام ،1952 وقد كان للسياب فضل كبير علي.
وأضاف سمعان: كان السياب صاحب أفكار يسارية وتقدمية ولو كان حيا في المرحلة الراهنة لكان اتجاهه اتجاه أي شاعر تقدمي يتعامل مع الأحداث بواقعية. فهو لم يكن شاعرا متجردا من الوطنية. ولدي صورة نادرة أهديها إلى الخليج الثقافي في ذكرى رحيله حيث يظهر فيها السياب يلقي قصيدة على سياج مقبرة في البصرة في مظاهرة عام ،1948 وبدر السياب لو كان موجودا الآن لكانت له نفس المواقف الوطنية التي كان يقفها في حياته، لأنه يريد عراقا إنسانيا، عراقا متحرراً يسعى إلى ميادين الحضارة.
المقاوم
وقال الشاعر علاء صالح المسعودي: كان السياب شاعراً رائعاً جميلاً عاش في القرى والأرياف وتحسس الشجر والماء والورد والطير، كان مملوءاً بالشاعرية وهو رائد الشعر العربي في القرن الماضي، وقد أنصف بعد رحيله، لكن مع الإنصاف غبن حقه من بعض النقاد الذين ادعوا أن رائدة حركة الشعر الحر هي نازك الملائكة، لكن حقيقة الأمر من خلال بحثي العميق عن السياب الذي يحمل عنوان طائر النار الذهبي.. بدر شاكر السياب أن أسبقية السياب كانت على الملائكة. لكن لم يمنح السياب حقه الذي يستحقه كمبدع عراقي كبير. حيث لم يوضع له تمثال في بغداد يشير إلى أهميته ومكانته الكبيرة. فضلا عن ذلك لم تقم أية مؤسسة بإعادة طبع دواوينه بطباعة حديثة. إذ لم نر له إلا الدواوين الحمراء الصغيرة الحجم التي طبعت في بيروت في وقته. السياب كان وطنيا كبيرا ولو كان موجودا في ظل الاحتلال الأمريكي اليوم فإنه لن يهادن أبدا ولن يمد يده إلى الأجنبي، فالسياب مشهود له بالوطنية ومناهضة الاستعمار والرجعية وله صور تؤكد مشاركته في مظاهرات عديدة تهدف إلى مصلحة الوطن. ولو كان السياب قد عاش محنتنا الحالية التي سببها الاحتلال البغيض لكان له قول آخر في جيكور المظلومة الآن، جيكور امتد إليها مقص الاحتلال وقطع الكثير من أشجارها الجميلة.
ودعا المسعودي في ذكرى رحيل السياب الجهات الثقافية المختصة في العراق إلى جعل بيت السياب متحفا كبيرا تؤرشف فيه كل أعماله وكل تاريخه، لأن هذا الرجل يستحق العناية كونه رمزا كبيرا من رموز العراق، فضلا عن ذلك دعا إلى إقامة متحف للسياب في بغداد.
أسلاك شائكة
وقال الشاعر عمر السراي: السياب كائن مائي يتماهى وينساب مع الأشياء بكل قوة وبكل إصرار. أعتقد أن من محاسن الشعر ومن محاسن الإبداع أن يولد السياب في فصل الشتاء ويموت أيضا في فصل شتائي وقد زرت جيكور، التي تتربع على أنهار عدة وأعتقد بأن لا حجة لشخص هناك في جيكور ألا يصبح شاعرا، بل عليه أن يصبح مجموع شعراء، فللمرة الأولى ألمح في حياتي طائراً ملوناً يسقط على غصن صغير فيتدحرج الغصن ليمس الأمواج ويرتفع الغصن ما إن يطير هذا الطائر ولأول مرة أجد كوخين صغيرين تفصل بينهما ساقية صغيرة وجسر صغير وكأنها هيئت لعلاقة حب جميلة بين عاشقين ومن هنا خرج السياب. من منزل الاقنان حيث كانت عائلة السياب من هذه العائلات التي تمتلك عبيدا، فهو ليس شاعرا فقيرا، بل ينتمي إلى عائلة تمتلك البساتين في البصرة على شط العرب. خرج السياب من منزل الاقنان، خرج السياب من هذه الجماليات، خرج من كل هذه الروعة، من هذا البيت الطيني الجميل الذي يوحي بفخامته في عصره إلا انه وللأسف الآن تحيط به أسلاك شائكة. لقد زرت بيت السياب ووجدت جيكور مدينة خارج نطاق الاحتلالات، فعندما تتمشى في جيكور تجدها قرية وكأنها خارج العراق وكأنها جزء من الجنة تتربع على وجنة العراق. لكن الأسلاك الشائكة التي نشرها الاحتلال الأمريكي البغيض تحيط بمنزل السياب الذي يجب أن يكون متحفاً للإبداع وللفن توضع فيه تراثيات السياب وتراثيات الشعراء والأدباء الذين يحبون شاعر جيكور. لذلك كتبت هذه المقولة على حائط بيت السياب: لأنك السياب سبت.. وأكلت نفسك حين جعت ولا أدري هل امتدت يد الأعمار له أم ما زال كذلك كدأب السياب الذي ترامى بين أحضان الانتماءات المتعددة إلا أنه بقي شامخا كبيته الذي ما زال شامخا، لذلك أعتقد بأننا أبناء للسياب شئناأم أبينا، واليوم ونحن نستعيد السياب في ذكرى رحيله ندعو إلى الاهتمام بمنزله وتحويله إلى متحف وطني وان نسترجع قليلا من السياب الذي عاصر عدة احتلالات واستطاع بوعيه أن يكون عنصرا مهما وفاعلا لكي يؤسس لوعي وطني عراقي دائم.
وأكد السراي أن السياب لو كان في زمننا هذا ربما لم تعد جيكور تلك الساحرة والأم الجميلة.
وقال الشاعر احمد ساجت شريف: السياب.. مدينة مترامية ضمت أشياء كثيرة ضمت النخل، الأسلحة والأطفال. ضمت صبر أيوب واحتفت بالعراق، شاعر كوني نذر أيامه العليلة للشعر فخلدته الكلمة. هو لم يشكل انعطافة تجديدية وحسب بل كرس تجربته الشعرية للإنسان وكأنه أراد بالشعر الحر أن يؤسس للغة حية.. ورغم أن أنشودة المطر والمعبد الغريق والمومس العمياء قصائد رائعة إلا أن سفر أيوب مناجاة لكل حين. وهي روحه التي حملتها قصيدة.
وقال الناقد والشاعر علوان السلمان: إن السياب هو ثورة الحداثة والتجديد، السياب وجود إبداعي لا ينضب، السياب قضية كبرى في الشعر العربي، إن الرائد الأول، المبدع والمؤسس الأول لقصيدة التفعيلة، الثورة ضد الرتابة في الأوزان العروضية. السياب مدرسة لا يحصرها غلاف إطلاقاً.
وأضاف السلمان أن وفاة السياب في غربته، السياب الغريب في الداخل، الغريب في الخارج. وفاة الغربة قد تكون منقذا له. فلو عاش في عصرنا الحالي كما عاش الفريد سمعان، لأننا نعرف أن الشاعر الفريد سمعان معاصر ومزامل للسياب، آه عليه لو كان حيا اليوم لمات ألما من أوضاع عراقية نتيجة تدمير الروح والشخصية والإبداع. ماذا يقول لو رأى جيكور المهملة حاليا؟ كيف سيكتب عنها؟ كيف سيخلدها؟