كان رسولنا العظيم، صلى الله عليه وسلم، نموذجاً نادراً في الاهتمام بالبيئة والدعوة إلى الإحسان إليها، مما يؤكد رقيه السلوكي وحرصه الشديد على أن يعيش كل المسلمين في بيئة نظيفة توفر لهم حياة طيبة تحميهم من كل ما يضر بأجسادهم ويؤثر سلباً في نفوسهم، وتدفعهم إلى أن يعيشوا حياتهم في تفاؤل وبهجة، وأن يؤدوا أعمالهم بكفاءة واقتدار.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم - كما تقول العالمة الأزهرية د. آمنة نصير أستاذة الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر- كان الداعية الأبرز إلى رعاية البيئة وحمايتها من التلوث، فعطاؤه في هذا المجال وافر، ويؤكد أنه كان رجل دولة يعرف جيداً ما يحقق للإنسان السعادة والرضا، ويحقق للمجتمع الرقي والتحضر.. كما أنه يدين كل صور تلويث البيئة والإضرار المتعمد بها انطلاقاً من عنايته بتوفير كل وسائل الحياة السليمة والكريمة للإنسان.. فهو صلى الله عليه وسلم يريد للناس أن يعيشوا في بيئة نظيفة ليكونوا قادرين على القيام بأعباء مسؤولياتهم على خير وجه.
وتضيف:رسول الله صلى الله عليه وسلم واجه كل صور الإفساد في الأرض،والذي من أهم مظاهره تلوث الماء والهواء،وسطح الأرض والمزروعات والحيوانات،ويستحق صلى الله عليه وسلم أن يلقب ب«رائد حماية البيئة»ترهيب وترغيب
وقد تناولت بعض أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام التحذير والترهيب من تلوث البيئة والترغيب في حمايتها حتى إنه ربط بين حماية البيئة وبين الإيمان، وجعل الحفاظ على البيئة جزءاً من عقيدة المسلم فقال: «الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
والأذى المشار إليه في الحديث الشريف يشمل كل أنواع الإيذاء التي تلوث البيئة وتضر بمصالح الناس وصحتهم وأذواقهم ومشاعرهم، فتكدس القمامة في الشوارع أذى يضر بالناس، والكلمة التي تخدش الحياء أذى يلوث البيئة الأخلاقية، ويخدش حياء الناس، ويفسد أذواقهم، ومكافحة هذا الأذى بكل صوره يعد من الواجبات الدينية التي يكتمل بها إيمان المؤمن، وليست أمرا هامشيا يمكن التغاضي عنه.
وهذا يعني أن من يلوث البيئة حتى بإلقاء بعض القاذورات في الشوارع والطرقات إيمانه ناقص.. ولم يكتف الرسول بالتحذير من تلوث البيئة بإلقاء المخلفات والقاذورات فيها لتؤذي كل خلق الله.. بل جاء حثه على إزالة كل ما يضر بالبيئة أو يشوه صورتها فقال في الحديث الصحيح: «.... وإماطة الأذى عن الطريق صدقة».. بل أخبرنا صلوات الله وسلامه عليه أن الله عز وجل يشكر من يزيل أدنى شيء يعيق الطرقات فقال: «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له».
ويحذر الرسول الكريم كل من يلوث الطرق ويؤذي الناس بذلك باللعن من الله سبحانه ومن الناس، وفي ذلك جاءت أحاديث عدة.
حماية الماء
وانطلاقاً من أن الماء هو أهم عنصر من عناصر البيئة وأهم مصدر للحياة فقد جاءت التوجيهات النبوية واضحة وحاسمة في النهي عن تلويث الماء بأي سبب من أسباب التلويث، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، يحذرنا من هذه الرذيلة فيقول: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد أي موارد الماء وقارعة الطريق والظل»، ويقول أيضاً: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم أي الراكد الذي لا يجري، ثم يغتسل منه»، كما يقول صلوات الله وسلامه عليه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه» كما يقول: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة»، ويقول صلوات الله وسلامه عليه: «لا يبولن أحدكم في مستحمه». هذه التوجيهات النبوية الكريمة التي تحثنا على حماية الماء وهو أجل نعم الله على الإنسان من الملوثات الطبيعية تؤكد عطاء رسولنا الكريم في مجال مكافحة التلوث وخاصة تلوث الماء.
فالماء نعمة واجب المسلم أن يحافظ عليها ويحميها من كل أشكال التلوث ويتعامل مع هذه النعمة بعقل وحكمة حتى يحفظها الخالق الواهب الرزاق له، فمن دون الماء لن يستطيع الإنسان أن يعيش، فطعامه وشرابه وحياته كلها متوقفة على الماء، فمنه يشرب الإنسان والحيوان والطير والنبات، ومن دونه لن يجد الإنسان طعامه، فكل النباتات التي يتغذى عليها الإنسان والحيوان لا تعيش من دون الماء، ومن دون الماء لن نستطيع أن نشيد المباني والعمارات والمساكن التي نعيش فيها، ومن دون الماء تتحول حياتنا إلى جحيم وتكثر بيننا الأمراض الخطيرة من الأوساخ والفيروسات والميكروبات التي تتجمع على أجسادنا ولن نستطع أن نتخلص منها إلا بالتطهر بالماء.
فلسفة متكاملة
وأمر حماية البيئة من التلوث - كما تقول د. آمنة - لا يقف عند الحفاظ على الموارد الطبيعية وحمايتها من كل ما يضر بها.. لكن الرسول في فلسفته المتكاملة لحماية البيئة من التلوث جرّم كل سلوك بشري يمثل إزعاجاً أو إضراراً نفسياً أو بدنياً بباقي أفراد المجتمع، ولذلك رفض كل أشكال الضوضاء والإزعاج للآخرين لأنها تمثل تلوثاً سمعياً.. وجرّم كذلك إشغال الطريق بأي شكل من الأشكال سواء كان ذلك بإشغاله بمخلفات البناء أو القمامة أو مخلفات المستشفيات أو غير ذلك من صور الإشغال التي تعوق حركة الناس، وتضر بصحتهم، أو حتى بإشغال الطريق بالجلوس فيه مما يسبب مشقة للآخرين، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس في الطرقات.. قالوا: يا رسول الله ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال: فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه.. قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر».
الارتقاء بالسلوك الإنساني
ويقول د. أسامة الأزهري أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر: حماية البيئة من التلوث والفساد، هدف سعى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال نشر تعاليم وآداب وأخلاقيات الإسلام التي رسمت للإنسان علاقة مثالية بكل عناصر الكون حتى يستفيد منها أقصى استفادة، ويوظفها لتحقيق مصالحه، ويعيش حياة طيبة خالية من الأمراض والأوبئة.
وقد سبق رسول الله عليه الصلاة والسلام كل مصلحي العالم في العناية بالبيئة والارتقاء بها والإحسان إليها وحمايتها من ألوان الفساد وأشكال التلوث، ولذلك تزداد حاجة المسلمين وغير المسلمين إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب، لأن ما نعانيه من فساد وتلوث بيئي هو أكبر عصيان وتمرد على تعاليم الإسلام وآدابه وتوجيهاته وأخلاقياته.
ويضيف: نحن في أمس الحاجة إلى معرفة ما قدمه لنا رسولنا العظيم من رعاية شاملة للبيئة وحماية مثالية لكل عناصر الكون، وأملنا أن يكون في ذلك ذكرى وعبرة وعظة ودعوة للالتزام بتعاليمه وتوجيهاته ووصاياه في التعامل مع كل عناصر البيئة، حتى نرتقي بسلوكياتنا ونعيش حياة طيبة بعيداً عن التلوث والفساد والعبث بما أنعم الله به علينا من ماء وهواء وخضرة وجمال طبيعي تزخر به كل بلاد المسلمين.
والارتقاء بالسلوك الإنساني كان - كما يقول د. الأزهري - منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حماية البيئة من التلوث، وعندما ترتقي سلوكيات الإنسان، فستتوفر للبيئة كل وسائل الحماية والرعاية، ولذلك رفض الرسول وأدان كل أشكال العبث بالبيئة، وحث الإنسان على السلوك الراقي مع كل عناصر الكون، ودعاه إلى أن يتعامل برحمة ورقي وتحضر مع كل ما يحيط به من جماد ونبات وحيوان، فضلا على سلوكه الحضاري مع الإنسان.
هذا التعامل الراقي مع عناصر البيئة هو غاية ما هدف إليه رسولنا العظيم، فالإنسان المسلم يتقرب إلى خالقه بعمارة الأرض، ويتقرب إلى خالقه بكل شجرة يغرسها، وكل زرع يزرعه وكل رعاية يقوم بها حتى ولو كانت إرواء عود من النبات، والمسلم يتقرب إلى خالقه أيضاً بكل سلوك رحيم مع الحيوان، وقد يكون هذا الحيوان الذي يرفق به ويرعاه سبباً في دخوله الجنة، وقد يكون إهماله له وقسوته عليه سبباً في دخوله النار كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخبرنا بدخول امرأة النار، لأنها قست على هرة «قطة»، لأنها حبستها وحرمتها من حقوقها وأساءت إليها.