التقينا بالوالد راشد بن سيف بن ربيع بالحايمة العناني الظاهري عضو المجلس الاستشاري في أبوظبي سابقاً والمسؤول السابق عن غابتي ركنا وبوهرمة، فأعطانا جل وقته وجهده، وأخذنا في جولات ميدانية في أطراف مدينة العين، ويساعده ولداه محمد ومطر اللذان تناوبا في قيادة السيارة بصحبة والدهما واضطرا لذلك إلى أخذ إجازة من مقر عملهما .

وقد وجدنا في الرجل الكرم والشيمة العربية الأصيلة التي حببتنا كثيرا لهذا البحث الذي زاد إصرارنا في السعي لإنجازه مع مثل هؤلاء العرب الأقحاح التي لا تزال رائحة العروبة الأصيلة تفوح من جنباتهم، ولا تزال عادات البدو وأخلاقهم باقية فيهم، والتي قلما نجدها في أهل المدن والساحل الذي غلبت عليهم مظاهر الحياة الغربية وذابوا فيها .

في بداية حديثه معنا قال: نحن من آل عنان من الظواهر السكان الأصليين لهذه المنطقة، ونشأنا وعشنا مع أهلنا، ورعيت وقضيت كل حياتي في هذا الموضع، ونحن خير من يعرفها بأجزائها وتفاصيلها وماضيها، وقد كنت قريبا من والدي الذي شارف على سن المئة عام من عمره، وذاكرته لا تزال متوقدة ونرجع له للسؤال عن بعض الأمور، وكان هناك موضع يسمىبدع بنت سعود ويعرف حاليا باسم قرن بدع بنت سعود الأثري، وهو عبارة عن نتوء صخري ينعزل بين الكثبان الرملية التي تقع على بعد خمسة كيلومترات تقريبا شمالي مدينة العين، وإلى الغرب من الطريق المؤدي إلى مدينة دبي، عثر في هذا الموضع أعلى القرن وأسفله على مواقع وبقايا أثرية يعود تاريخها إلى عصور تاريخية مختلفة، والقرن عبارة عن هضبة طويلة ترتفع حوالي ثلاثين متراً، وطولها خمسمائة متر تقريبا، ولها قمة ضيقة منبسطة، ويتراوح عرضها من عشرة إلى ثلاثين متراً، وعلى طول حوافها نقبت بعثة الآثار الدنماركية ودائرة الآثار في مدينة العين فعثرت على بقايا عدة قبور ومدافن يرجع تاريخها إلى عصر حضارة جبل حفيت، والتي تعود إلى نهاية الألف الرابعة قبل الميلاد أو بداية الألف الثالثة قبل الميلاد .

فرق بحث

الفِرق الأثرية نفسها نقبت أيضاً عن قبور في أعلى القمة فعثرت على قبور يرجع بتاريخها إلى العصر الحديدي، والمواد واللقى الأثرية التي تم العثور عليها في هذه القبور هي عبارة عن فأس برونزية ورؤوس سهام وخناجر وأوعية أستيتية، مشابهة لما عثر عليه في مقابر منطقة القصيص بإمارة دبي والمعروضة في متحف دبي الوطني ومتحف مدينة العين الوطني، وكذلك تم الكشف عن زوج من الأقراط الذهبية وعدد من الخرز والقواقع البحرية التي بها ثقوب والتي ربما أُستعملت كمشدات للأحزمة، وكذلك تم الكشف على ملقطين من النحاس ومخرز وعدد من الأنصال البرونزية وعدد من السهام، كما أن شكل القبور تشابه أيضاً البناء المستطيل الذي تم اكتشافه في منطقة قطارة على بعد عدة مئات من الأمتار في المدينة نفسها .

وعلى بعد حوالي خمسمائة متر إلى الشمال غرب من هذا الموقع، تغطي الكثبان الرملية جزئياً موضعاً أثرياً يعود تاريخه إلى الألف الأول قبل الميلاد، وفي هذه المواضع يمكن أن تقف على بعض بقايا بناء قديم بُنِي باللبن الأبيض، وتشابه بقايا الأواني التي عثر عليها على السطح أواني منطقة هيلي الأثرية والتي تعود بتاريخها إلى العصر ذاته، وتوجد في هذا الموضع العديد من الآنية ذات اللون الأحمر المسود، كما توجد فيه بعض البقايا المصبوغة باللون البني ذات حافات بيضاء مصفرة، ويظهر على جوانب كثيرة من الطاسات ذات القاعدة المسطحة علامات محفورة، وفي موقع البناء عُثر على زوج من الملاقط البرونزية .

يذكر العديد من أهالي المنطقة بأنهم وكذلك أخبرهم آباؤهم وأجدادهم كانوا يلحظون بروز وانحسار التربة عن بعض الآثار التي تعود لقبور أو أساسات منازل أو مدافن قديمة وأنهم كانوا يتجنبون المرور عليها أو البيات فيها أو بقربها ليلاً لقول الأقدمين لهم إن هذه الآثار تعود في عمرها لآلاف السنين وإلى ما قبل الإسلام وإنها تعود إلى جاهليين كانوا قبل عصر الإسلام فلهذا تجنبوا المرور فوقها أو أخذ أي من اللُقى أو الحجارة منها وإنهم تجنبوا دفن موتاهم في هذه المواضع لأنها غير إسلامية .

ونجد أن البعض من المصادر التاريخية التي روت لنا هذه الروايات والأخبار القديمة قد نقلت عن روايات قديمة أخبرهم بها أسلافهم الذين فطنوا وأدركوا أن هذه الآثار تعود لعصور ما قبل مجئ الإسلام، وهي ذاتها تشير إلى موقع أثري يقع شرقي قرن بدع بنت سعود الأثري وتقول إن هذا الموضع أثري إسلامي وإنها مقبرة دفن فيها أحد أصحاب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإن أسلافهم أخبروهم بأن هذا مدفن الصحابي دون الإشارة أو ذكر اسمه، وإنهم دفنوا موتى لهم في هذا الموقع قديما، لتوارثهم أخبار دفن أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين .

وهناك رواية عن بنت سعود ويُرجع أكثر المصادر التسمية أصلها إلى امرأة تدعى مِرَيمْ بنت سَعودْ والأصل في التسمية مريم بنت سعيد وكانت هذه المرأة خادمة عند أحد كبار شيوخ قبيلة الظواهر، وإنها كانت تتولى تربية أبنائه، وإنه بعد وفاة الشيخ قام أكبر أبنائه الذي شاخ بعد أبيه بإعتاقها تكريماً لها، وإنه وإخوته أعطوها المال والحلال الكثير لتعيش عليه، وإنها قامت بشراء العبيد والحلال من الإبل والماشية وقامت هذه المرأة بالاستقرار في هذا الموضع وقامت بحفر بئر في هذا الموضع الذي لم يكن فيها في السابق أي بئر يذكر سوى بعض آثار لآبار يهلية أي جاهلية قديمة مدفونة ومنطمرة، وقامت بزرع النخيل وبعض أشجار الليمون والفاكهة حول البئر الذي عرف بعدها ب بدع بنت سعود نسبة إليها والبدع تعني الطوي المحفور جديداً والذي حوله زرع ونخل، والكلمة جاءت من بدع وابتدع وبديع، وأن هذه المنطقة عمرت بعد ذلك واستمرت الحياة والتواجد فيها إلى يومنا الحاضر، وقد غلب هذا الاسم على المنطقة بأسرها وفيها العديد من المعالم التي حملت نفس الاسم بدع بنت سعود مثل البئر والقرن والوادي والشرف .

أبحرنا مع الوالد راشد بالحايمة في باقي المواضع ومسحنا مواضع بديع سلمى ووادي العياي وطوي بحوث عفر وطوي العياي وغافات بحوث عفر وسيح بالرواويل وشمطوط بن عمان وطوي خربوش وسيح الطوية، والكثير العديد من مسميات المناطق، ولكل موضع تاريخ وقفنا عنده مما جعل لدينا كتيباً يتكون من أكثر من مئة صفحة وصوراً بالعشرات توثق لهذا الجزء الصغير من الدولة، وهذا الذي جعل لدينا أنه في حال تبني مشروع متكامل يغطي حدود الدولة كلها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها فإنه سيكون لدينا العشرات من المجلدات التي ستضم الآلاف من المسميات الجغرافية إضافة إلى بحوث وعناوين لكتب وإصدارات متخصصة مثل مياه العين .

كانت العين وما تزال منطقة زراعية من أخصب وأجمل مناطق الدولة الزراعية، وغنية بالمياه، حيث تكثر الوديان والأفلاج والآبار فيها، ومن الأودية المشهورة في العين وادي الطوية الذي يعتبر امتداداً طبيعياً لوادي الكراع من الشرق ويأتي جنوبيه موضع قرون قشاش، وسمي هذا الوادي بهذه التسمية نسبة إلى كثرة الطوايا فيه وهي آبار المياه التي كان يحتفرها الناس طلبا للماء، ومنها الطوى التي حفرها خربوش العامري في هذا الموضع، وكان الماء في هذه البقعة قريبا جدا من مستوى سطح الأرض حيث يكفي حفر حفرة بعمق القدم أو الباع حتى يصل المرء إلى الماء، ويقول بالحايمة نقلا عن والده إنهم كانوا إذا رغبوا في سبغ الوضوء يكفيهم أن يضعوا أيديهم في الأرض ويحفروا حفرة بعمق القدم فيحصلوا على الماء فيتوضأوا للصلاة لقرب الماء من سطح الأرض، وكانت في هذا الوادي شجرة غاف عملاقة تسمى غافة نشوة والتي يبست ولا أثر لها حالياً . كما أنه تكثر الآبار في المنطقة، وتسمى البئر طوي وجمعها طوايا، ومن الآبار المشهورة في العين مجموعة آبار حفرها رجل يسمى خربوش العامري وإليه تنسب هذه الآبار فيقال طوي خربوش، وتقع هذه الآبار في سيح الطوية على بُعد أمتار بين البئر والآخر، فالطوي الأقدم منه والذي ماؤه خورا أي مالحاً يحمل نفس الاسم نسبة إلى حافره، والبئر الثانية حفرها بحثاً عن الماء الحلو وقد خرج ماؤه عذبا وحلوا كما تمنى، وتوجد بقرب هذه البئر زريبة تعود لأحد المواطنين .

وكان أكثر سكان موضع قرن بنت سعود يرتكزون قديما في موضع وادي الشبك وكان الوادي يتكون من أربعة شبوك متصلة ببعضها وكانت هذه المنطقة فيما مضى مشتى لأهل المنطقة يقصدونها في مواسم الشتاء حيت تأتي العوائل لهذه المنطقة لقضاء موسم الشتاء بين حلالهم من الإبل والماشية حيث الطبيعة الجميلة والأشجار الوارفة والأعشاب والنباتات الموسمية التي تقتات وترعى عليها الماشية، وكانت عشيرة آل عنان من قبيلة الظواهر أكثر المتواجدين في هذه المنطقة، بالإضافة لعشائر آل بومهير والمرر والقمزان من قبيلة بني ياس، والعشائر الأخرى من قبيلة الظواهر، ويجاورهم في بعض المواسم عشائر قبيلة العوامر والغفلة والدروع وآل بوحمير من قبيلة المناصير المتحالفة والداخلة في قبيلة بني ياس والمحسوبة عليهم، وكانت هذه العشائر تقضي مواسم الشتاء في هذا الموضع بينما ترجع في موسم الصيف إلى حيث الآبار القريبة مثل بئر أبوهرمة القريبة من هذا الموضع، ولا يبقى في هذا الموضع سوى أصحاب النخيل وأكثرهم من آل عنان من الظواهر لرعاية نخيلهم وحصاد محصولها، بينما يودع أصحاب الإبل إبلهم إلى بعض الكرانية الذين يكترون الإبل ويرعونها مقابل مبالغ معينة يتفق عليها بين الطرفين .

استمدت مواضع كثيرة أسماءها من وقائع جرت في تلك المواضع واشتهرت بأسماء أشخاص، أو سكنهم أو لتركهم أثراً أو عملاً ما في هذا الموقع أو ذاك .

كذلك استمد بعض الأشخاص وكذلك بعض العوائل والعشائر والقبائل أسماءها من بعض معالم الطبيعة التي كانوا يعيشون فيها مثل موضع راكان وهو عبارة عن طوي وغدير عرف واشتهر بهذه التسمية راكان وذلك نسبة إلى كثافة وكثرة أشجار الراك التي كانت أحد المعالم البارزة في هذه المنطقة والتي كانت تغطي أرضيتها، وقد جاءت تسمية بعض الأشخاص باسم راكان نسبة إلى هذه الشجرة حيث ارتبطت بأحداث ولادتهم عند هذه الأشجار فسموا راكان كما سمي أفراد آخرون باسم غافان نسبة لشجرة الغاف ورميثي نسبة لشجرة الرمث وسويدي نسبة لشجرة الغاف السوداء الكبيرة والتي تسمى سويدة، وذلك لولادة هؤلاء قرب هذه الأشجار أو ارتباطهم بها بقصة أو حادثة معينة، وقيل إن رجلاً يدعى راكان حفر بئراً عرفت باسمه ومن ثم سرى على هذا الشرف وغدير الماء الذي يشرف عليه هذا الشرف، وقالت الشاعرة موزة بنت جمعة في مدح سلطان بن بيات المهيري الذي كان يسكن في هذه المنطقة وكان يعتبر من كبار أعيانها ووجهائها البارزين، فذكرت في أبياتها هذا الموضع والأبيات وهي:

حيو الضعن لي يوم من عمان

في لحقهم قاضي ولامات

حي الضعن لي فيه السلطان

أهلا وهلا به عشر مرات

إضخيرتي في وسف الشان

وإضخيرتي في طول الأوقات

عزفوّ على عز وسامان

وهم صدام الليل إمصيعات

ولكم زهت يازين الأجبان

عساك ما تلجي حسوفات

نهار ما نوخت راكان

وغدران لك سوّت طماشات

وأصبحت ثليل العين خرسان

ممن عدو وصلى ولا بات

صلاة ربي عدد ما دار

وعدد ما نزلت تحيات

وهناك الكثير من المواضع التي جاء ذكرها وتسميتها في أبيات شعراء المنطقة مثل موضع كواكب وهو وادي مشهور في المنطقة .

مسميات وتواريخ

هناك المئات من المسميات التي جمعناها في الموضع، وكتبنا تاريخها وتاريخ سكانها والأحداث التي شهدتها، ومن تلك المسميات على سبيل المثال لا الحصر، قرن بديع بنت سعود، راكة حارب، عواين البديع، مسناد المنصوري، قبعة الخروس، عرقوب الرجيبة، خور جبر، وادي الرقاصات، رقعة الدرب، شرف الغربة، دمية طحنون، هور اليحير، دمية الربع، وادي الطوية، قرن سابع، قرن الترب، عيدان الإخيضر، شرف الكراع، رقعة البرير، الحييرة، بدع بن أحمد، شرف البدع الشمالي، وادي البدع، شروف اليرب، شرف اليريبي، قبعة بوقصيلة، غافات نشوة، دمية السويدة، وادي مركز، وادي منشبة، طوي قصمة، خبي البعر، غافات الخضيرة، شرف الطلاق، وادي العياي، بديع سلمى، طوي بحوث عفرة، سيح بالرواويل، سيح نقرة، عرقوب نقرة، ظهرة الرويكة، بطين الحليو، قرون قشاش، جزع بن كريجمة، نكد بن كريجمة، خبي السعين . . إلخ .

لقد كان الكثير من آبائنا وأجدادنا حكماء، فقد استخدموا الخيال الواسع في سرد القصص والحكايات على لسان الطيور والحيوانات والأشجار مثل كليلة ودمنة، وذلك لإعطاء الدروس والعبر للصغار والسامعين من الكبار أيضاً .