المرأة نصف المجتمع وتقوم بتنشئة النصف الآخر، شريك مهم ولاعب أساسي في ملعب الحياة، ودورها في المجتمع تحول لأدوار متعددة يقوم بها شخص واحد، فهي الزوجة والمربية والمعلمة والممرضة والأم التي ترعى شؤون الأسرة والأبناء وتهتم بشؤون بيتها وهي أيضاً تجد نفسها مسؤولة أحياناً عن تدبير الموارد المادية اللازمة للأسرة سواء لغياب الزوج أو لارتفاع تكاليف الحياة ومصاريف الأبناء .
معارض الأسر المنتجة وربات البيوت واحدة من النوافذ التي تطل منها المرأة على المجتمع فتحاول إثبات ذاتها وتحقيق دخل لأسرتها وتستغل مواهبها وقدراتها بشكل إيجابي، فهذه المعارض تسمح لربة البيت بأن تمارس عملاً يحقق لها دخلاً معقولاً من دون أن تغادر بيتها، أو تعاني الزحام وروتين الوظيفة وتعقيداتها، تستطيع أن تتحكم فيما تنتجه من مشغولات يدوية أو مأكولات أو وصفات، وتفيد المجتمع من حولها وتستفيد من الناحية المادية والمعنوية أيضاً .
منذ اقتحامي لبوابة معرض بازار جارا 2 الذي أقيم مؤخراً بالشارقة أعجبني كثيراً الشكل المنتظم الذي تصطف عليه أكشاك البيع والمساحات الرحبة المخصصة للمارة والزائرين ما أضفى على المكان شعوراً بالراحة تتوافق مع الحميمية التي تربط العارضات ببعضهن .
في بداية جولتي استقبلتني رويدا المرايرة منظمة المعرض بابتسامة هادئة مرحبة وحدثتني عن تجربتها في التنظيم قائلة: "هذا المعرض الثاني الذي أقوم بتنظيمه ولكنني بالطبع شاركت في عدة معارض سابقة كعارضة وأحاول (كمنظمة) أن أتحاشى السلبيات التي سبق أن شعرت بها (كعارضة) مثل سوء التنظيم وقلة الدعاية خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم التنوع في المعروضات أو جنسيات السيدات المشاركات، وهذا بالطبع يقلل من الفائدة المرجوة خاصة أن هذه المعارض تهدف أساساً إلى مساعدة ربات البيوت في إيجاد فرصة لإظهار مواهبهن في التطريز والتصميم وصناعة الإكسسوارات والحرف اليدوية البسيطة وأيضاً في فنون الطهي وإعداد المأكولات واستغلال المواهب بشكل مفيد ونافع لها ولأسرتها .
وتشاركنا أريج ذياب من الأردن في الحديث وهي شريكة رويدا في تنظيم المعرض، وجدتها تتنقل بين أرجاء المكان لتفقد أحوال العارضات والاطمئنان إلى أن كل شيء على ما يرام، تقول: "نحرص كثيراً على إرضاء المشاركات في المعرض وأن يشعرن بالراحة وأن طريقة عرض منتجاتهن جيدة وتلبي رغباتهن، ونعلم جيداً أهمية هذه المعارض لكثير من السيدات المشاركات واللاتي يعتبرنها وسيلة جيدة لتحسين وضعهن المالي ومساعدة أسرهن والشعور بقيمتهن في المجتمع، فهناك عائد معنوي كبير على نفسية المرأة التي تشارك وتشعر أنها رغم كونها ربة بيت تستطيع أن تحقق نجاحاً في الحياة العملية ويكون لها مواردها المالية المستقلة .
وتضيف أريج: "أجد سعادة بالغة في قدرتي على مساعدة نفسي ودعم سيدات أخريات مبدعات ويبحثن عن فرصة للنجاح، ولذلك نبدأ في عمل الدعاية للمعرض في مواقع التواصل الاجتماعي قبل موعده بشهر تقريباً لضمان الإقبال والحضور الجماهيري، ولن يفوتني أن أشيد بدعم أزواجنا لنا أنا ورويدا فبدون مساندتهما لنا يصعب علينا كثيراً تحقيق النجاح" .
وبالطبع بعد أن سمعنا هذا التقدير الواضح للدعم المعنوي الذي يقدمه الأزواج، كان لا بد من لقاء أحدهم محمود بنات زوج السيدة أريج منظمة المعرض الذي يحدثنا عن رأيه في إقامة مثل هذه المعارض النسائية فيقول: "يختلف هدف الاشتراك في هذه المعارض من سيدة لأخرى فزوجتي لا تقيم هذه المعارض بهدف الربح المادي فقط ولكن هناك هدف معنوي كبير وراء هذا وهو ما جعلني أساندها وأشجعها، فزوجتي لديها شخصية قيادية وقدرة تنظيمية عالية ومهارات اتصال جيدة ومن الصعب أن تجد وظيفة تشبع لديها كل هذه الملكات وتشعرها بالرضا وتحقيق ذاتها وكان لا بد أن أكون بجوارها خاصة وأنها تسعى لذلك دون أن تقصر في دورها ومسؤولياتها داخل البيت، المجتمع في الإمارات وما يقدمه من خدمات للقاطنين سواء مقيمين أو وافدين يسهل عليهم تحقيق أحلامهم وتطوير امكاناتهم فالنظام والأمان في المجتمع ينعكس على الأفراد بالإيجاب .
سلمى مميش (من لبنان) لها تجربتها الخاصة مع زوجها حول مشاركتها في المعارض، تروي لي هذه التجربة التي بدأت منذ حوالي عشرين عاماً وهي تعرض علي مجموعة من التحف الزخرفية المصنوعة يدوياً، وتقول: "نعيش في مجتمع ذكوري وكثير من الرجال يقفون ضد رغبة زوجاتهم للالتحاق بوظيفة لاعتقادهم أن ذلك لا يليق بمكانتهم الاجتماعية وأن المرأة مكانها البيت وخروجها للعمل يخدش كرامة الزوج، زوجي كان يعارض كثيراً فكرة خروجي للعمل واشتراكي في المعارض لأقدم إنتاجي الفني المميز، ولكن بعد محاولات عدة ووساطة كثير من الأهل والأصدقاء نجحت في إقناعه بالاشتراك في أول معرض وكان ذلك منذ 19 عاماً في لبنان، وكان نجاحي واضحاً حيث بيعت كل القطع التي قمت بعرضها، وبعدها أصبحت أعمل في تجهيز المشغولات الفنية في فترة الشتاء وأشارك في معارض طوال أشهر الصيف وبذلك نجحت في مساعدة زوجي في تنشئة سبعة من الأبناء بمستوى معيشي وتعليمي جيد وأنا الآن جدة وما زلت أحب العمل والاعتماد على ذاتي في تدبير شؤوني .
وتضيف سلمى: "أفضل أن تعمل المرأة بيديها وتوفر فرصاً خاصة بها فهذا أفضل من الفراغ والنميمة وأيضاً يكفيها ذل السؤال، لا أحب المرأة الاتكالية التي تعتمد على زوجها في الإنفاق عليها، فالمرأة طاقتها أكبر من ذلك بكثير ولا بد أن تكون منتجة إلى جانب اهتمامها بأبنائها لأن صناعة جيل مفيد للمجتمع أهم أدوار المرأة وأعظمها في الحياة" .
وتؤكد سلمى أن للمعارض فوائد عديدة منها التعارف بين سيدات المجتمع وتبادل الأفكار والخبرات والدعم المعنوي للسيدة وشعورها بالقدرة على تحقيق الربح المادي باستغلال مواهبها وإبداعها وأفكارها الخاصة .
هيدلا أحمد من سوريا تروي لنا قصة كفاح ونجاح أخرى فتقول: "أنا موظفة بوزارة الصحة بدبي واشتراكي بالمعارض يعتبر هواية خاصة تساعدني على تحسين دخلي فأنا أرملة وأم ل 3 أبناء وتوفي زوجي وابنتاي منذ أعوام في حادث سيارة وأصبحت أنا العائل الوحيد لأسرتي وأبنائي الباقين، لذلك أحرص على الاشتراك بالمعارض حيث أقدم بعض المنتجات الغذائية المصنعة داخل البلاد أو المستوردة من بلاد الشام مثل فلسطين وسوريا، وهذا هو المعرض الرابع الذي أشارك فيه ونجحت في المشاركة أيضاً بعرض منتجاتي بالقرية العالمية وملتقى زايد بن محمد العائلي، وأجد أن إقامة مثل هذه المعارض فكرة جيدة وفرصة ذهبية لتحقيق ربح مادي ومعنوي والتعرف إلى ثقافات مختلفة من جميع البلاد العربية والآسيوية وتكوين علاقات جيدة والتعرف إلى زبائن أكثر ومنافذ للبيع تثمر بعد انتهاء المعرض وأحلم أن يكون لي في يوم من الأيام شركة تسويق أمتلكها" .
وجبات ساخنة
استوقفني الزحام على أحد الأكشاك يحمل عنوان: "زنود الست" تقف بداخله سيدة تتميز بقسمات وجه مريحة وابتسامة هادئة وتعرض أمامها مجموعة مختلفة من الأطعمة والوجبات المعدة منزلياً ولفت انتباهي اهتمامها بمستوى النظافة والتغليف الجيد للوجبات فاقتربت منها وتعرفت إليها السيدة أروى أبو الراغب من الأردن وتقول: "أقيم في الإمارات منذ 19 عاماً وهذه أول مرة أشارك في معرض، وفكرت في المشاركة بعد زيارتي لأحد المعارض فأعجبتني الفكرة وقررت أنا وجارتي علا الدن أن نبني مشروعاً صغيراً نستغل فيه مهاراتنا في الطبخ، فنقوم بإعداد الوجبات الساخنة والأكلات في العزائم وبدأت الدعاية عبر مواقع التواصل الاجتماعي على صفحة أنشأتها باسم زنود الست ووجدت تعاوناً كبيراً وتشجيعاً من زوجي الذي يقوم بشراء احتياجاتي من السوق ويحرص على تشجيعي بكل طاقته، وجدت فعلاً أنا وصديقتي وجارتي علا في هذا العمل وسيلة لشغل وقتنا وتأكيد ذاتنا بعد أن كبر الأبناء وأصبحوا لا يحتاجون لتفرغنا الكامل لرعايتهم .