يلجأ بعض الآباء أحياناً لتلبية رغبات أبنائهم على الرغم من أنها ربما تسبب خطراً صحياً أو نفسياً أو معنوياً عليهم، ويصعب السيطرة على الأبناء خاصة في أعوامهم الأولى، لصعوبة التفاهم معهم وجعلهم يدركون مدى خطورة رغباتهم والتي يظهر آثارها، سواء على المدى القريب أو البعيد، وهناك من الآباء من يتسم بالحزم والشدة غير مبال بعمر أبنائه، سواء صغار أم كبار، ويفعل ما يراه في مصلحتهم غير مبال بإلحاههم أو غضبهم، وهناك من ينصاع لطلباتهم رغبة منهم في جعلهم ينالون ما يريدون أو للتخلص من إزعاجهم.
تقول روان الخطيب (موظفة): «لدي ثلاثة أبناء بأعمار مختلفة وأتعامل مع كل منهم على حسب عمره، فالطفل الصغير يصعب إقناعه ببعض التصرفات الخاطئة أو الطلبات المضرة له، وفي الحقيقة المرأة العاملة تكون أقل قدرة في السيطرة على أبنائها، وتضطر في كثير من الأحيان إلى الاستجابة لطلباتهم حتى إذا كان بها نسبة خطورة على صحتهم، نظراً لأنها تكون مرهقة طوال اليوم في عملها، وليس لديها الطاقة الكافية لاستخدام طرق الإقناع المختلفة والوصول معهم لحل يرضي جميع الأطراف، وتتابع: أما الأبناء الأكبر سناً فأستطيع إلى حد ما أتناقش معهم وأثبت لهم بالدلائل الخطورة وأصل معهم إلى مرحلة الإقناع». وتنوّه الخطيب بأنه في بعض الأحوال تجبرها الظروف المحيطة بها على فعل أشياء ضد رغبتها موضحة، «في معظم الأحيان أحاول التحلي بالصبر مع أبنائي قدر استطاعتي، ولكن الظروف المحيطة بي مثل رجوع والدهم مرهقاً من عمله يريد أن ينعم بقسط من الهدوء والراحة وعدم الشكوى من الأبناء، ولأن جدة الأولاد تعيش معنا، فأحياناً يكون هناك تدخل من جانبها وتريد تلبية طلباتهم، لذلك أضطر لفعل ما يريدون، وأتعامل مع الأبناء الكبار بطريقة العقاب والثواب، كما أضع مجموعة ثابتة من الممنوعات لا مجال للنقاش فيها».
أما نورا نصر الله فتعتبر مسألة تلبية طلبات الأبناء نسبية، تحكمها ظروف كل طفل، معبّرة، «كل طفل يختلف عن الآخر، وهناك أطفال لديهم نقص سواء في المهارات أو القدرات أو مشاكل صحية أو نفسية، مثل فقد أحد الآباء أو مشاكل صحية، سواء في السمع أو النظر أو غيرها، لذلك نضطر للتعامل معهم بشكل خاص ونلبي معظم رغباتهم لكي لا نشعرهم بهذا بالنقص».
نوبات البكاء
تقول يمنى سالم: «أتعرّض للإحراج عندما أكون في أحد الأماكن وسط صديقاتي، وتبدأ ابنتي بالإلحاح في طلب شيء كشراء الحلوى، إذ إنها تعاني بعض المشكلات في أسنانها، وطلب الطبيب تقنين أكل الحلوى والمواد الضارة، وعندما أخبرها بالرفض تبدأ في نوبات من البكاء التي لا تنتهي، فأضطر للاستجابة لرغباتها على الرغم من تأثيرها في أسنانها».
لأنني امرأة عاملة وأحمل على عاتقي الكثير من المسؤوليات سواء على نطاق العمل أو المنزل، فلا يوجد لدي المتسع من الوقت لقضاء وقت كاف مع ابنتي، بحسب نهال حمودة موظفة بشركة خاصة وتشير: «لأن الحياة كلها ضغوط فأضطر لقضاء ساعات طويلة في العمل بعيدة عن ابنتي ذات الثلاثة أعوام، وعندما أرجع للمنزل يكون لدي العديد من المهام، ولذلك تلجأ ابنتي لاستخدام الأجهزة اللوحية المحمولة ومشاهدة أفلام الكرتون وأغاني الأطفال لفترات طويلة، وعندما أمنعها من ذلك تتذمر وترفض بحجة أنها لا تجد ما يشغل وقتها، لذلك اضطر لتركها أمام هذه الأجهزة على الرغم من مخاطرها».
عدم المبالاة
يوضح المستشار النفسي والاجتماعي، سلطان الكراني، أسباب رغبات الأبناء الملحة وكيفية التعامل معها، «رغبة الأبناء قبل سن الثامنة عشرة في اقتناء كل شيء يعتبر شيئاً طبيعياً ومتوقعاً، وذلك بسبب الغيرة من امتلاك الآخرين لكل ما هو لا يملكه، وأيضاً بسبب الإغراء التسويقي الذي تفنن في جذب أنظار وانتباه الجيل الجديد بشكل كبير. وبطبيعة الحال لا يملك الطفل أو المراهق دخلاً ثابتاً وكافياً، وليس أمامه من طريق سوى والديه على الأرجح في شراء ما يريد بدون أي تردد. ودائما الأطفال لا يعرفون ما أولوياتهم، ولا يمكن أن يتوقع الوالدان أو الأهل أن يعرف الطفل عن تلك الأولويات، فيحدث الخلاف الشديد بين الجيلين، والذي يؤدي غالباً إلى عدم الارتياح. فيلجأ البعض إلى استخدام أسلوب التوبيخ أو الضرب أحياناً لتعليم الأبناء الصغار ما أولويات شراء الألعاب أو الحاجيات، ويلجأ البعض الآخر إلى عدم الخوض في جدال عقيم، ويقوم بماله الوفير في تلبية «كل» ما يحتاجه الابن دون نقاش، ظناً منه أنه قد حل مشكلتهما وتخلص من الإلحاح.
كلا التصرفين يعتبر غير مرض، لأنه في الحالة الأولى يتم تعنيف الطفل وحرمانه من أشياء ترغبها فطرته الطفولية، فيترسب في ذاكرته العنف والقسوة على المدى البعيد، ويمكن أن يعبر عن ذلك بتصرفات غير متوقعة مستقبلاً، أما الدلال الزائد فيؤدي إلى عدم تقدير قيمة الأشياء المحسوسة لدى الأبناء، فيهملها ويلجأ مرة أخرى إلى طلب المزيد، ومع الوقت يظهر عدم المبالاة لأي شيء، ولن يكون مسؤولاً عما سيملكه، والطامة الكبرى إن فقد مصدر الدلال والمال فجأة، فيقف محتاراً في كيفية التأقلم على الوضع الجديد، والذي يجبره على توفير النفقات أو تحمّل التعب الشديد لنيل ما يريده.