شهر رمضان المبارك هو شهر الانتصارات الكبرى على طغيان النفس البشرية وعلى العدو المتربص بالأمة الإسلامية في عهود تاريخها المشرق كافة.

ففي هذا الشهر الكريم يتغلب الصائم على شهوته، ويتحكم برغباته، ويعمل جاهداً للقيام بواجباته، وإصلاح الفساد من حوله، ليسير في الطريق السوي المستقيم الموصل إلى مرضاة رب العالمين.

وفي هذا الشهر الكريم كانت معظم الانتصارات والملاحم والبطولات العربية والإسلامية التي كانت سبباً ووسيلة لإخراج الناس من ظلام الضلالة والعبودية والاستعباد والاستعمار إلى صبح الحق وتوحيد الله الواحد الديان سبحانه وتعالى.

وفي سجل انتصارات شهر رمضان المبارك نجد انه من السنة الثانية كان الفتح المبين في غزوة بدر لجنود الله على جنود الشرك، وتم انتصار القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، وما النصر إلا من عند الله.

بعد هذا النصر، قام جنود الشرك والكفر واعداء الحق بمحاولات متكررة لصد المد الإسلامي، وتأليف جيوش الكفر والبغي والعدوان على جماعة الإيمان، وكانت الحرب سجالاً، ومضت ست سنوات على بدر، وظل المشركون يمكرون ضد طلائع الحق والإيمان.

وجاءت السنة الثامنة للهجرة، وفي شهر رمضان المبارك خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثني عشر الف مقاتل قاصداً مكة بعد أن أذن الله سبحانه وتعالى له ان يطهر بيته من أرجاس الشرك ومن باطل الأوثان، وقد نوه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بهذه الغزوة وسماها قبل وقوعها بالفتح، قال تعالى فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً.

ان أحداث هذا الفتح المبين، وما تقدمه من وقائع، وما صاحبه من مواقف وما انتهى إليه من عبر سلسلة طويلة يصعب الإلمام بها في هذه العجالة، ويكفي أن نقول انها تمثل تراثاً ضخماً من سنّة النبي صلى الله عليه وسلم في السلم وفي الحرب.

وقائع ومواقف وعبر ثرية بالمواعظ والحكم، غنية بآيات الهدى، يقف المسلمون عندها في كل عام مواقف المستلهمين لتلك المواقف النبوية الرشيدة. لقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الفتح الإعداد السليم، وافتتحه باستشارة صحابته وذلك لما قدم عليهم وفد خزاعة الذين دخلوا في عقد الرسول وحلفه وفي عهد المسلمين، يستغيثونه عليه الصلاة والسلام من قريش التي نقضت ما تم إبرامه من عهود، ونصرت حلفاءها من بني بكر عليهم وأمدتهم بالقوة والسلاح، واستقر الرأي على أن قريشاً قد نقضت صلح الحديبية ولم تحترم ما جاء فيه، وعزم الأمر في بعث الرسول عليه الصلاة والسلام للقبائل التي حول المدينة للمشاركة في الجهاد فأسرعوا بالإمدادات استجابة لندائه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليشهد رمضان بالمدينة. ووفدت القبائل، والتأم جيش المسلمين في جمع لم يعرف من قبل، وأمرهم الرسول بأن يحفظوا أسرارهم لعلهم يدخلون مكة من غير إراقة الدماء في البلد الحرام، ودعا الرسول مولاه سبحانه وتعالى اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها.

وخرج الرسول في غزوته هذه صائماً في شدة الحر، واستمر صائماً يومها الأول والثاني، وكان الجيش متعباً في أمر الصيام، حتى إذا جاء اليوم الثالث ورأى الرسول ان شدة الحر ومشاق السفر ستؤثران في جنوده وتوهن قواهم التي يجب أن تدخر للقاء العدو، فأخذ بالرخصة التي نص عليها القرآن فوقف وأخذ قدحاً وشرب منه أمام الجيش وأمرهم أن يفطروا ليجدوا في تغذيتهم قوة على العدو وطاقة أفضل على مجابهته.

وسار الرسول قاصداً مكة وعسكر بجيشه بالقرب منها، وطلب من كل مقاتل ان يشعل ناره بالليل، وظهرت النيران في ظلام الليل تهول الناظر وتبعث الرعب في زعماء قريش، فعلموا انهم لا قبل لهم بهذا الجيش، ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة على ناقته القصواء مطأطئاً رأسه حتى ليكاد يصيب رجله، مردفاً وراءه أُسامة بن زيد، وكان مظهره يدل على ما يستشعره من فضل الله عليه وخشيته منه، لأنه كان يعلم أن الفتح إنما هو أثر فضل الله عليه.. وما النصر إلا من عند الله.

وكان عمل الرسول الأول هو تحطيم الأنصاب، وبعد أن دخل صلوات الله عليه البيت وطهره وقف على بابه وتوجه إلى الملأ من قريش وقال: لا إله إلا الله لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم بيّن بعض الأحكام التشريعية، ثم قال: يا معشر قريش ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء.

* رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا- لبنان