إذا اختار الله سبحانه من بقاع الأرض مكة والمدينة وبيت المقدس، فقد خص جلت قدرته من الأزمان أزماناً ميزها بتنزل الرحمات وزيادة الخيرات ومضاعفة الحسنات، ومنها شهر رمضان الذي الذي أنزل فيه القرآن، فهو نفحة الزمن الطويلة المدى، لاستمرارها شهراً كاملاً، وما عداه من الأزمان الفاضلة مفرد كيوم عرفة، أو لا يتجاوز عشرة أيام، كعشر ذي الحجة.
ويصف شيخ قراء مدينة طرابلس اللبنانية فضيلة الشيخ بلال بارودي شهر رمضان، في طرابلس وكرامة الشهر الفضيل عند أهلها فيقول: في هذا الشهر نفحات عظيمة وأعطيات جزيلة يحسن بالمسلمين من أهلنا في طرابلس أن يتعرضوا لها وأن ينتفعوا بها وذلك لقول النبي الكريم في حديثه: اطلبوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله ان يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم. ويضيف فضيلة الشيخ بلال بارود: والله تعالى إنما شرع الصوم ايقاظاً للروح، وتصحيحاً للجسد، وتقوية للإرادة وتعويداً على الصبر، وتعريفاً بالنعمة وتربية للمشاعر، وتدريباً على كمال التسليم لله رب العالمين.
والواقع أن رمضان طرابلس، انقلاب أبيض على المألوف من عادات أهل المدينة العريقة بتراثها وحفاظ على تقاليدها الموروثة في هذا الشهر الفضيل، وقد يتأثر بقدوم رمضان كل الناس صغاراً وكباراً وزائرين ومقيمين، وأفراداً وعائلات وليس هنام من مناسبة دينية لها هذا التأثير في نفوس الطرابلسيين اللبنانيين ومجتمعهم ومدينتهم وأسواقهم على وجه مخصوص، كمثل شهر رمضان وابرز العلامات الفارقة الرمضانية والتي تعد انقلاباً على مجرى حياة المدينة الهادئ في الأشهر الأخرى، ما يتهيأ له الناس لاستقبال رمضان قبل حلوله، وما يقومون به طوال الشهر الكريم في ليلهم ونهارهم وما يودعون به ضيف الله عليهم بعيد منتصف الشهر وحتى حلول العيد السعيد، ناهيك عن احتفالهم المميز بالوداع واستقبال العيد، وتقبل المعايدات والخروج في الزيارات.
وليست العلامات الرمضانية الطرابلسية بخافية على الزائرين لهذه المدينة التراثية خصوصاً في شهر رمضان، بل وقبيل إطلالته المباركة. إذ سرعان ما يدرك أن هناك حدثاً جميلاً حول حياة الناس وعاداتهم ونظام حياتهم، فبرزت مظاهر وتقاليد جديدة خاصة بهذا الشهر الكريم، إذ يتبدل المناخ الاجتماعي.
نزعات خلوية
درج أهالي مدينة طرابلس منذ قديم عهدهم، على القيام بالسيران الرمضاني قبيل قدوم شهر رمضان الكريم، فيخرج الناس في العطلة الأخيرة قبل بدء الصوم للقيام بنزهات خلوية في الهواء الطلق، وقضاء يوم كامل في بساتين الليمون أو كروم اللوز والزيتون، أو الابتعاد قليلاً عن المدينة الى القرى المجاورة الواقعة في أقضية المنية وعكار وزغرتا والكورة والبترون. وهناك يمضون يوماً كاملاً، إذ يخرجون منذ الصباح الباكر يحملون معهم حوائجهم من أطعمة وأشربة وهناك يتناولون المشاوي ويحضرون التبولة ويقومون بألعاب التسلية والمرح وأنشطة الفرح، وسماع الأصوات الصادحة بالأغاني التراثية الجميلة وما يرافقها ويصاحبها من الدبكة والنقر على الدف. والرقص الصوفي وربما طالت جلسات السمر والحبور لأكثر من أيام اذا استطاع الناس الفراغ من أعمالهم، لأن ذلك يعتبر جزءاً من الاستعداد لاستقبال شهر الصيام والترحيب بقدومه السعيد.
وقبل شهر من حلول موعد رمضان الكريم يستقبل الطرابلسيون الروزنامة السنوية التي استحضروها في مطلع السنة، بإمساكية رمضان، ويتنافس العديد من الجميعات الدينية والخيرية والاجتماعية والتربوية في طرابلس، في طبع امساكية رمضان، التي تستقي مواقيتها من مؤقتي طرابلس المشهورين من عائلات: الثخين وناصر وصالح المقياتي، كما يندفع كثير من أبناء المدينة الى اعداد امساكيات، بعضها كدعاية لمؤسساتهم التجارية، وبعضها الآخر عن روح المرحوم أو عن الروح الشهيد، أو دعماً لأنشطة الجمعيات والأندية والمساجد والجوامع والكتاتيب، ولا تزال المنافسة بين عدد الجميعات الاسلامية تعنى بجمال اخراج الاطار وتزيينه، وطبع أشكال متعددة منها، إما تعلق على الحائط او توضع على المكتب أو تحمل في الجيب.
تحري الهلال
ويتميز الطرابلسيون بطريقتهم المميزة لتحري شهر رمضان في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، وقد جعلوا لذلك مراسم وتقاليد تراثية معتادة، متوارثة عن أجدادهم القدماء وهذه المراسم تعتبر احدى أبرز المظاهر الأولى التي يحتفل بها أبناء المدينة حتى الأمس القريب قبل حلول الشهر، وهذا التقليد المتوارث، كان له منذ أوائل القرن الماضي، احتفال خاص يقيمه المسؤولون الرسميون والدينيون بعيد غروب التاسع والعشرين من شهر شعبان، حيث كانوا ينتظرون في مقر الوالي العثماني في طرابلس، قرب القلعة على التلة المطلة على البحر والجبل والنهر، أو في دارة المفتي أو القاضي في المدينة، من يفيدهم من العلماء أو الشهود العدل، بأنهم قد رأوا هلال رمضان.
أما العائلات التي درجت على الاهتمام بالتماس هلال شهر رمضان، فهم عائلات: السبلبل والبارودي وكبارة والميقاتي، فكان يخرج منهم نفر من أبنائهم، يتطوعون لالتماس الهلال في تلة مشرفة بجوار القلعة تعرف بتلة الزعبية ومعهم الحاج بدر السبلبل وظهير البارودي والشيخ علي كبارة والشيخ رشيد الميقاتي، وكان بعضهم يحمل المناظير، لأن المنطقة هناك مكشوفة على البحر.
وفي حال ثبوت رؤية الهلال، يتم اعلام مدفعجي القلعة ليطلق طلقات مدافعه السبع، وعندها تخرج نوبات الطرق الصوفية، تجوب شوارع طرابلس، مهللة مكبرة خلف المشاعل والفوانيس حتى ساعة متأخرة من الليل، وقد استمر هذا التقليد في صورته العامة، بالاضافة الى مظاهر احتفالات اخرى، ترافق مقدم هذا الشهر الكريم، ومنها توزيع شراب الليمونادة التي كانت تملأ بها بركة الملاحة أو بركة الصاغة مجاناً لجميع العابرين مساء ذلك اليوم الذي يبشر بأول أيام الصوم.
مدفع القلعة
يعتبر مدفع القلعة من أبرز العلامات الفارقة لرمضان طرابلس فهو المدفع الوحيد الذي يأنس الطرابلسيون لصوته ويطربون لسماعه ويتفاءلون بأنه الوحيد المسيطر على قلوب الناس ولا يرغبون في سماع طلقة من غيره، حتى أن الصغار ينتظرونه بلهفة، فيقفون على الشرفات المطلعة على قلعة طرابلس من القبة وأبي سمراء ووسط المدينة والميثاء، يراقبون المدفعجي في مهمته، فهو الوحيد الذي لا يرتعد منه الأولاد، ولا ينال حظه من شتائم النساء او دعوات العجزة والمعوقين.
ومدفع القلعة هو من التقاليد الموروثة والمبتدعة من زمن العثمانيين، وقد ظل حتى زمن قريب يعمل بالبارود. يشعله الطوبجي بعد أن يتلقى الاشارة من العلم المرفون على مئذنة الجامع المنصوري الكبير عند الغروب، أو من الأضواء التي تشتعل عند السحر، وكثيراً ما كان الطوبجي يعاود اشعال مدفعه في اثناء هطول المطر، فيما الصائمون ينتظرون منه الفرج، وبعضهم يرفض الافطار رغم سماع أذان المغرب، فللمدفع وقع أجمل في النفوس. وقد حدث مرة أن تعطل لعدة أيام، فخيمت الكآبة على الاطفال والنساء والمرضى، ولم تعد إليهم فرحتهم إلا بعد أن تم اصلاح المدفع، وعادت طلقاته المحببة تدوي كل يوم من أيام رمضان، مرة عند الغروب إيذاناً بالافطار والثانية عند الامساك فجراً وقد أحيل هذا المدفع العثماني التراثي الضخم الى التقاعد منذ ثلاثين عاماً، وركن في نافذة من نوافذ القلعة فوق مدخلها، كذلك أحيل المدفعجي بدوره الى التقاعد بعد أن نال حظه من الصمم والطرش وتعطيل طبلة الأذن.
وقد تنوعت مدافع رمضان في ما بعد، من عيار 105ملم الى عيار 122 ملم حسب الجهات التي كانت تسيطر على قلعة طرابلس خلال الأحداث المشؤومة، وهي اليوم مركز سياحي عامر ومقصور على السياح والزائرين باشراف من وزارة السياحة، وبعهدة الجيش اللبناني والقوى الأمنية، ويتم اطلاق 200 قذيفة خلبيه خلال شهر رمضان من كل عام، وقد ثبتت المدينة في ثرائها الرمضاني على هذه العادة حتى اليوم. فهناك خمس طلقات للمدفع يومياً. واحدة عند الافطار وواحدة عن الامساك وواحدة عند بدء السحور. وكذلك سبع طليات عند ثبوت رمضان. وسبع اخرى عند هلال شوال وايذاناً بالعيد السعيد. وطلقتان اثناء صلوات العيد.
للمسحراتي رونقه
والمسحراتي، هو مسحر الصائمين في رمضان، يتولى مهمة ايقاظ النائمين لتناول طعام السحور، وهو الرمز الثاني المحبب عند الصغار بعد مدفع رمضان، وقد حافظ المسحراتي الطرابلسي على دوره هذا منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا، رغم استمرار الناس في السهر الى ساعة متأخرة من الليل. ورغم ذلك ظل له رونقه المميز الدائم في الاحياء الشعبية على وجه مخصوص.
وكان للمسحراتي الطرابلسي منذ سنوات خلت طنة ورنة، وكان يتولى هذه المهمة المتوارثة أحد عقلاء الحي، ممن له معرفة بسكانه وسكان الأحياء المجاورة. يطوف بطبلته مترنماً بما تيسر من المدائح النبوية. يتوقف للحظات تحت النوافذ وأمام الأبواب، ينادي اصحاب الدار بأسمائهم قائلاً لهم بصوت ملؤه الحنان والايمان: وحدوا الله، وحدوه.
مائدة متجددة
ومما تتميز به الموائد الطرابلسية في رمضان عن غيرها من الموائد، ليس الكرم الزائد ودعوة الضيوف لتناول طعام الافطار مع مجتمع الأسرة بشكل يومي تقريباً، بل بسبب ما يشعر به الطرابلسي من تغير مستجد على مائدته وذلك لجهة تنوع طعامه ومشروباته، واضافة الوان جديدة منها، فضلاً عن الحلويات التي تشتهر بها عاصمة الشمال.
وتنظم الحياة الأسرية في رمضان، بشكل لا تعهده العائلة من قبل، حيث تجتمع الأسرة بجميع اطيافها على مائدة الافطار كما على مأدبة السحور. والمائدتان مميزتان في هذا الشهر الكريم. فالصائم يستحلي انواعاً من المأكولات قد تخطر على باله اثناء عمله. أو أنه شم رائحتها وهي تنفذ الى انفه من شباك الجيران. وقد يظن نفسه انه سيلتهم كل ما سيجده أمامه على المائدة. ولكن ما ان يضرب مدفع الافطار ايذاناً بالافطار، ويزدرد عدة لقيمات، حتى يشعر بالشبع، وينظر بحسرة الى الاطايب ما تزال عامرة، ومعظم الصحون لم تمس بعد، فيتمنى لو أنه خفف من تبذيره
الفتة والفتوش
وما ينافس جاط الحساء عادة، هو صينية الفتة التي يشتهر بها في طرابلس مطعم أبو علي في باب الحديد وتحت القلعة وعلى كتف النهر وبوابة جسر اللحامين سابقاً، وهي تباع حمصاً مسلوقاً مع المرق، تحضر بعد ذلك في المنزل حيث تضيفها ربة المنزل الى الخبز المحمص أو المقلي ويكون عادة مفتتاً الى قطع صغيرة ومن ذلك اتخذ الاسم فتة. ثم تغطي هذه الخلطة باللبن الممزوج بالطحينة والحامض والثوم. ويسكب السمن المغلي/المفقس وباللغة الطرابلسية يطش السمن المفقس فوقها ويرش فوق ذلك الصنوبر المحمص واللوز المحمص ايضاً. ورشة صغيرة من بهار القرفة. ويعتبر طبق الفتوش، من الأطباق الرمضانية المميزة التي تتنافس مع طبق الحساء وطبق الفتة، لتزيين مائدة الصائم الطرابلسية. وتتفنن صاحبة المنزل، يشاركها معظم افراد العائلة في صنعه. إذ تحتاج لساعات طويلة من أجل تحضير البصل الأخضر والفليفلة الحلوة والفجل والخيار والبندورة والخس والنعناع والبقدونس والباقلاء، لأنها تفتح الشهية وتلين المعدة والأمعاء، وتبل الريق، بالإضافة الى اشتمالها على كافة أنواع الفيتامينات. وهذا الطبق الذي لا يستغنى عنه على المائدة الرمضانية الطرابلسية، يتطلب تحضيره ميزانية قائمة بذاتها بسبب ارتفاع اسعار الخضار في رمضان.
المشروبات والحلويات
واذا كان للاطباق الرمضانية الشهية تقاليدها العريقة بطرابلس، فإن للمشروبات الرمضانية تقاليدها العريقة ايضاً. والطرابلسيون يولونها اهتماماً خاصاً في رمضان، ويصرون على ان تكون على موائد الافطار بصورة يومية، بحيث ان الصائم كثيراً ما يتناولها. وتعتبر بسطات التوت والخرنوب والسوس والعصير على أنواعه الليمون والجزر والتفاح من مظاهر المدينة الاحتفالية في رمضان، فالتوت، هو من المشروبات الرمضانية بامتياز في طرابلس. ومن اشهر الباعة الذين ينتجون ويبيعون شراب التوت في طرابلس هو معمل مصطفى السيد الذي يقع في حي السويقة والجسرين، تحت القلعة الشهيرة. والى جانب شراب التوت يتم تحضير شراب السوس والخروب والعرقسوس.
أما الشراب المميز الوحيد كعلامة فارقة لشهر رمضان، فهو شراب قمرالدين. وهو عبارة عن شرائح من المشمش المجفف، ينقع في الماء ليصبح شراباً سائغاً يروي العطش ويساعد الصائم على تحمل مشاق الصوم، ويقي الجسم من الانهاك لغناه بالحديد وفيتامينات اخرى. ومعظم الطرابلسيين يفضلون هذا الشراب المميز على السحور.
ورغم ارتفاع اسعار الحلويات الرمضانية في طرابلس، فإن الصائم الطرابلسي لا يبخل على عائلته بطبق حلو على مائدته في رمضان، خصوصاً ان طرابلس تشتهر بصناعة الحلويات أكثر من غيرها من المدن اللبنانية.
وتعتبر الكنافة وزنود الست وحلاوة الجبن من القشطة وورد الشام والبصمة من أكثر الأنواع التي تحضر في رمضان وتزين بها المآدب، وتعتبر كذلك قصر الحلو لعبدالرحمن الحلاب اشهر المحال التجارية الطرابلسية شهرة في تحضير الحلويات الرمضانية. كذلك فإن كثيراً من ارباب الأسر يجتهدون في صناعة الحلويات المنزلية.