قبل أسابيع من حلول شهر رمضان الكريم، تبدأ الدولة الموريتانية عملية استنفار على جميع المستويات والصعد تحضيرا لهذا الضيف المبارك، إذ ليست التحضيرات الشعبية لهذا الشهر هي الوحيدة اللافتة للانتباه في رمضان موريتانيا.

استنفار الدولة الموريتانية في استعدادها لهذا الشهر يمتد من رئيس الجمهورية حتى أبسط خفير في أقصى البلاد.

فالجمهورية الإسلامية الموريتانية، والتي ينص دستورها على أن الإسلام دين الشعب والدولة تبرهن على ذلك بامتياز في شهر رمضان.

خطابان رئاسيان، وخطب لعدة وزراء، وحشد أجهزة الدولة لتموين الأسواق، ووسائل إعلام تواصل الليل بالنهار لخدمة الصائمين، وشارع أشبه ما يكون بمسجد كبير.

هذه هي بعض ملامح رمضان الرسمي في موريتانيا. الذي تلاقى في عناق روحاني عظيم مع رمضان الأهلي.

البداية من هنا. من إذاعة وتلفزيون موريتانيا والصحف الرسمية والمستقلة.

مع اقتراب رمضان تبدأ وسائل الإعلام الموريتانية في الترويج لبرامجها الرمضانية، المملوءة بالمواد الدينية الدسمة، قرآن يتلى، ويفسر، ومحاضرات دينية مباشرة على الهواء ومن مساجد في مختلف مدن وقرى البلاد، وحلقات إفتاء مفتوحة، لا مجال للموسيقا إطلاقا في برامج الإذاعة الموريتانية خلال شهر رمضان، أما التلفزيون الموريتاني فلا يقدم من الأغاني إلا ما كان يندرج في التغني بشمائل الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقبيل انطلاقة شهر رمضان يجتمع رئيس الجمهورية بمجلس الوزراء حيث تبحث حالة الأسواق والمستشفيات، وفي ختام الاجتماع يصدر الرئيس أوامره إلى الوزراء بوجوب ضمان تموين السوق الموريتانية بكامل المواد المرتبطة بصيام الشهر الكريم، وجملة إجراءات متعددة للتخفيف عن الصائمين، وفورا تبدأ القطاعات الحكومية المعنية تنفيذ الأوامر الرئاسية.

الشركة الموريتانية للاستيراد والتصدير سونمكس تبدأ في فتح محلات تجارية في مختلف مدن وقرى البلاد وهي محلات مخفضة السعر تباع فيها المواد المرتبطة بشهر الصوم، خاصة البطاطس، والبصل، والتمور، والشاي، والسكر، والأرز، والألبان، والزيوت.

وتمنع السلطات أي ارتفاع لأسعار المواد الأساسية خاصة مادة اللحم التي يجب أن يتجمد سعرها على ما كان عليه دون زيادة بأوقية واحدة.

كما تجتمع السلطات بكبار التجار ورجال الأعمال لضمان تموين السوق وثبات الأسعار على مستوى مقبول ينسجم مع القوة الشرائية للمواطنين الذين يعيش نصفهم تحت خط الفقر.

لجنة ثبوت الهلال

وتعكف لجنة رسمية مشكلة من كبار العلماء في موريتانيا على التحقق من أدلة الرؤية الشرعية لهلال شهر رمضان، وتصدر بيانا يتعلق بثبوت هلال رمضان من عدمه، وفي حال ما إذا أعلنت اللجنة المركزية لمراقبة الأهلة التي تجتمع في مباني وزارة الداخلية الموريتانية والتي تسخر لها الدولة أجهزة اتصال بعموم التراب الوطني، عن ثبوت رؤية الهلال فإن رئيس الجمهورية يوجه خطابا إلى الأمة يهنئ فيه عموم الشعب بشهر رمضان الكريم، ومن المألوف أن يعلن الرئيس في خطاب رمضان عن بعض الامتيازات بهذه المناسبة كزيادة في رواتب الموظفين، أو تخفيض سعر بعض المواد الاستهلاكية، أو إجراءات متعلقة بالسياسات العامة للدولة.

اجتماع اللجنة المركزية لمراقبة الأهلة يحظى بمتابعة تفوق متابعة الموريتانيين لنتائج الانتخابات.. فالجميع يتسمرون قرب أجهزة الراديو والتلفزيون ترقبا لقرار لجنة الأهلة بإعلان شهر الصيام. والذي يليه مباشرة خطاب رئيس الجمهورية.

ويتخذ الأمر طابع التشويق حيث إن البلاد مترامية الأطراف والسكان يتوزعون على نقاط متباعدة، واللجنة تبقى في انتظار الاتصالات الواردة من الداخل حيث يتقدم المواطنون الذين تسنت لهم رؤية هلال رمضان إلى قضاة المناطق الذين يبتون وفق مسطرة فقهية محددة تتكئ على المذهب المالكي، في تزكية أو عدالة الشهود. وبعد أن يبت القاضي بثبوت الرؤية، يصبح الأمر من صلاحية حاكم المقاطعة الذي يتصل بلجنة الأهلة ويعطيها نتائج الرؤية في مقاطعته.

ولأن البلاد تضم 53 مقاطعة، فإن خطوط الاتصال تبقى ساخنة بين لجنة الأهلة والداخل حتى منتصف الليل، بينما ترابط خلية من الإعلاميين لنقل نتائج الرؤية أولا بأول إلى الرأي العام المتعطش لمعرفة أول يوم من رمضان.

ونتيجة طبيعية لترامي أطراف البلاد، وعدم وصول شبكة الاتصال إلى عموم مناطق البلاد خاصة في الريف، فقد شهدت السنوات الماضية حالات تصدر فيها اللجنة بيان ثبوت الهلال في أول أيام رمضان وبالتالي يبادر الموريتانيون إلى الإمساك بقية اليوم.

ومن الطريف في هذه الحالات أن البعض يقع في مطب كبير حيث يبلغه ثبوت رؤية الهلال فيجب عليه الإمساك فورا وقد يكون وقتها جائعا أو عطشانا.. وللموريتانيين الكثير من الطرائف في هذا الموضوع.

فحين يدخل عليهم من لم يعلم بثبوت رؤية هلال رمضان يعمدون إلى إطعامه وسقيه، وبعد أن يمتلئ يقولون له الآن عليك بالإمساك.

مشكلة طريفة

وعانت الدولة الموريتانية منذ استقلالها سنة 1960 وإلى اليوم من عدم ثقة بعض المواطنين في إثبات اللجنة لرؤية الهلال، نتيجة العداوة المستحكمة بينهم وإياها بصفتها وريثة الاستعمار، وعزف علماء عديدون على وتر عدم الثقة في بيانات لجنة مراقبة الأهلة.

وكان العديد من العلماء وتلاميذهم غير المطبعين إطلاقا مع نظام الدولة الوطنية رؤوس الحربة في عدم الاعتراف بقرارات اللجنة، قبل أن يعرفوا أن الدولة منفصمة تماما عن النمط الاستعماري القديم.

كما أن بعض المواطنين يصر على عدم الصوم اعتمادا على بيان لجنة الأهلة، ويعلل ذلك بأن هذه اللجنة تزكي من لا يستحق التزكية، أو أنها قد تكون خضعت للبعض ممن لا تستقيم أهواؤهم.

وأخذت خلافات الأهلة منحى سياسيا في أواخر حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع خاصة سنة 2004 حينما لم تأخذ الدولة على محمل الجد رؤية صرح بها طلاب محظرة مدرسة دينية في مقاطعة واد الناقة قرب نواكشوط، بسبب أن شيخها من الذين طالتهم الاعتقالات السياسية التي كانت حينها في إحدى أعنف دوراتها.

وكان أن أفطرت المعارضة وواصل داعمو النظام صومهم حتى إشعار آخر من اللجنة المركزية لمراقبة الأهلة. وأخذ زعماء المعارضة وشخصياتها البارزة يتنقلون في العاصمة والمدن داعين النساء للإفطار. غير أنه بعد ذلك عاد أغلب الموريتانيين إلى التأسي باللجنة في مختلف قراراتها صوما وإفطارا، لكن ذلك لا يعني أن مواطنين آخرين يصومون ويفطرون حسب رؤيتهم ويقدمون مبرراتهم الشرعية لذلك.

وتشارك الحكومة الموريتانية في إحياء عادات رمضان، خاصة في الجوانب المتعلقة بالوعظ والإرشاد الديني والإفتاء والتكافل الاجتماعي والاقتصادي. وهنا تقوم وزارة الإعلام عبر الإذاعة والتلفزيون بتنظيم سلسلة برامج دينية للإفتاء والوعظ يشارك فيها علماء وأئمة ودعاة معروفون. وتواصلا مع الدور التاريخي الذي قام به الشناقطة في نشر الإسلام في عموم القارة الإفريقية، تصر الدولة الموريتانية على إيفاد بعثات من العلماء والدعاة إلى دول غرب إفريقيا المجاورة للمساهمة في إحياء شهر رمضان المبارك وتبيين أحكام الدين الإسلامي عامة والصوم خاصة لمن عسى أن تكون لديه تساؤلات.

إفطار الصائم

وتقوم وزارة الشؤون الإسلامية بتنظيم عمليات إفطار الصائم كل عام. ويشمل هذا البرنامج تقديم وجبات الإفطار وتوزيع المواد الغذائية الأساسية لإفطار الصائم على المساجد والمدارس القرآنية والفقهية في نواكشوط وفى الولايات الداخلية. ويستفيد من هذه العملية هذه السنة أكثر من 900 مسجد في نواكشوط وقرابة 2000 مسجد ومدرسة قرآنية في الولايات الداخلية وتشمل المواد الغذائية الموزعة اللبن والسكر والتمر والأرز.

وتبلغ حصة كل مسجد ومدرسة ما يتناسب مع حاجات المقيمين فيها والصائمين الذين يتوقع لجوؤهم إلى هذه المساجد والمدارس للإفطار.

ومن جهتها تقوم وزارة التجارة الموريتانية بتنظيم مشروع بيع المواد الغذائية بأسعار مخفضة للصائمين طوال شهر رمضان المبارك.

كما تشمل العملية افتتاح محال لبيع المواد الغذائية بهدف توفير المواد الغذائية للمواطنين بأسعار مخفضة، وتقول الوزارة إنها لن تقصر في تمكين المواطنين من صيام رمضان في ظروف جيدة وتوفير احتياجاتهم بأسعار مخفضة تراعي القوة الشرائية لمختلف المواطنين.

وتقوم الحكومة كذلك بتوزيع وجبات الإفطار الجماعية وتوزع المواد الغذائية الأساسية لإفطار الصائم على المناطق الشعبية الأكثر احتياجا.

وتنظم الجمعيات الأهلية إفطارات جماعية، وخصوصا للمحتاجين في الأحياء الشعبية (الكبات)، والمساجد والمحاظر (الكتاتيب)، والقرى والأرياف الداخلية، وتساند هذه العملية المنظمات الخيرية العربية والإسلامية، وخاصة هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، والجمعيات الخيرية الإسلامية الأخرى التي تضع برامج خاصة في هذا الشهر تقوم بموجبها بتوزيع المواد الغذائية ووجبات الإفطار وكسوة العيد وذلك في غالبية مناطق البلاد.

مائدة إفطار الرئيس

مائدة إفطار القصر الرئاسي الموريتاني تستقبل خلال شهر رمضان مختلف فرقاء الساحة السياسية، الموالاة والمعارضة على حد سواء، حيث يكون الرئيس على موعد مع سماع مختلف وجهات النظر على تلك المائدة.

وهذا التقليد بدأه الرئيس السابق العقيد أعلي ولد محمد فال، وسار عليه الرئيس الذي أطاحه انقلاب مؤخراً سيدي ولد الشيخ عبد الله.

وكان أحد قادة الأحزاب قد أثار الضحك حين سأل الرئيس دعوتمونا للفطور فقط أم هناك مجال لنطلعكم على آرائنا. فرد الرئيس ضاحكا هذه مائدتكم فخوضوا في أي شأن تشاؤون.

كما تستضيف مائدة القصر الرمادي في نواكشوط علماء البلد وأطباءه الذين ساهموا في إنجاح المدرسة الرمضانية، التي تتضمن المحاضرات والمقابلات والندوات والسهرات الدينية والردود على التساؤلات الطبية، والتي تحييها نخبة من العلماء والأطباء عبر شاشة التلفزيون وموجات الإذاعة.

وهذه المدرسة تتميز بالحرية التامة في طرح أي موضوع أو استشكال متعلق بأي ميدان.

ولا يسمح بتاتا بمصادرة أي رأي مهما كان متطرفا سواء تعلق الأمر بالسياسة وأحكامها أو غير ذلك.

وخلال مائدة الإفطار التي تجمع الرئيس بالعلماء والأطباء، وبدأها الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، تناقش النخبة الدينية والطبية مع الرئيس جميع شؤون القطاعين، وتقدم له صورة واقعية عن وضع المؤسسات والمشاكل التي تعانيها.

على أن موائد إفطار الرئاسة تضم العديد من الفاعلين والوجهاء والإعلاميين والشخصيات البارزة، وحتى بعض المواطنين العاديين، لكنها لا تذاع كما هي الحال مع الإفطار الخاص بالسياسيين والعلماء والأطباء.

خطاب العيد

وتراقب اللجنة المركزية لمراقبة الأهلة ثبوت رؤية هلال شوال، وفي حال إعلانها ثبوت رؤيته، فإن رئيس الجمهورية يوجه خطابا إلى الأمة يهنئ فيه الموريتانيين بانقضاء شهر الصوم الفضيل. ويحضر الرئيس في أول أيام عيد الفطر إضافة إلى جميع المسؤولين صلاة العيد التي يؤم المصلين فيها إمام الجامع الكبير، وتقام هذه الصلاة في ساحة الجامع العتيق في نواكشوط.

وفي رمضان ترتفع وتيرة تدشين المساجد والمدارس الدينية وتقيم مختلف المؤسسات والوزارات مسابقات في حفظ القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة.

نزعة التسامح التي تنتشر في الأوساط الأهلية خلال شهر رمضان تنتقل عدواها إلى أجهزة الدولة التي تتسامح مع الموظفين الذين يتأخرون عن الدوام خلال شهر رمضان الكريم، بل إن أصواتا إعلامية ارتفعت لتتهم الإدارة في رمضان بأنها نائمة.

ولا يقتصر هذا التسامح على القطاع المدني بل يتعداه إلى القطاع العسكري الذي يتغاضى عن الهفوات الصغيرة المتعلقة بتغيب العسكريين أو تأخرهم، أما حينما يتعلق الأمر بتجاوز الخطوط الحمر فلا مساومة بطبيعة الحال.

ويلاحظ مسؤول في الرقابة المالية الموريتانية أن جرائم الاختلاس والفساد يهبط معدلها خلال شهر رمضان إلى أدنى حد نتيجة نزعة التدين التي تشكل عنوانا للحياة في موريتانيا خلال شهر رمضان، ويضيف أن حدة الصفقات المشبوهة والمخالفات المالية المتعلقة بالشرف تنخفض إلى حد قياسي في شهر رمضان.

نساء موريتانيا بالأخص الموظفات يبالغن في الاحتشام خلال الشهر المقدس، ويحاول موظفون أن يحلوا مشكل أكبر عدد ممكن من المراجعين ابتغاء للأجر والثواب.