يعاني الكثير من الأشخاص، مشكلة «رهاب الظلام» أو الخوف من الأماكن المظلمة أو يتملكهم شعور فظيع من ظلمة الليل، وتظهر على الشخص أعراض شديدة من هذه المشكلة، تصل لدرجة المرض النفسي في بعض الحالات، وهذا المرض يعوق المصاب به عن القيام ببعض الأنشطة المعتادة؛ خوفاً من حلول الظلام، وفي هذا الموضوع سوف نتناول مسببات مرض «رهاب الظلام»، والعوامل التي تؤدي إلى الإصابة به، مع طرح طرق الوقاية والعلاج لهذه المشكلة المؤرقة للكثير.
نوبات من الهلع
يعد «رهاب الظلام» أو «نيكتوفوبيا» أحد أنواع الخوف المرضي؛ وفيه يصاب الإنسان بحالة من الخوف الشديد من الظلام أو الليل، ويمكن أن يسبب له أعراضاً من القلق الشديد أو الاكتئاب، وغالباً فإن الخوف من الظلام يبدأ في سن الطفولة.
وبحسب الدراسات، التي تعرضت لهذه الظاهرة، فإن البشر يخشون الظلام؛ لافتقادهم المحفزات البصرية، أي أنهم لا يستطيعون رؤية ما حولهم في الليل أو الظلام، ويعد «رهاب الظلام» خوفاً غير عقلاني، يمكن أن يؤثر في حياة الإنسان، ويعوقها بصورة كبيرة، وهو من أكثر أنواع «الفوبيا» انتشاراً بين الأطفال.
غير أن هذه «الفوبيا» تختفي مع البداية في مرحلة النضج والبلوغ، ويمكن أن تستمر مع بعض البالغين، ويعد الأطباء «نوكتوفوبيا» اضطراباً نفسياً خطراً يؤثر في الصحة العقلية والبدنية للشخص المصاب، ويسبب الإحراج أو الخوف مشكلة بالنسبة للشخص المصاب بهذا النوع من الرهاب؛ لأنه لا يستطيع أن يبوح أو يعترف بطبيعة مرضه أو خوفه أمام أي شخص، وحتى أنه يجد صعوبة في أن يقص طبيعة ما بداخله من مشاعر للطبيب النفسي.
وتتشابه أعراض «النوكتوفوبيا» مع أنواع الرهاب الأخرى؛ حيث ترتبط هذه الأعراض بتجربة أو أكثر تعرض فيها المصاب بالرهاب؛ نتيجة أحداث وذكريات مؤلمة يستعيدها مرة أخرى، وهو يخوض نفس الموقف أو يتواجد في نفس المكان، ومن أبرز الأعراض، التي تصيب مريض «فوبيا الظلام» إصابته بنوبات من الهلع أثناء الليل، وفي الأماكن المظلمة، لدرجة أن المصاب لا يستطيع الخروج من منزله ليلاً، وكذلك يعاني العصبية والتوتر إذا كان المكان مظلماً، حتى أنه لا يستطيع النوم إلا والأنوار مضاءة، ومن الجائز أن يبقى طوال الليل مستيقظاً، إذا اضطرته الظروف للبقاء فترة قصيرة في مكان مظلم، ويصاب بالتعرق وتزداد ضربات قلبه ويصاب بالرعشة، وفي بعض الحالات يفقد القدرة على التفكير، ويمكن أن تصل الحالة إلى مرحلة الإغماء.
تصورات مشوهة
يسيطر على دماغ، الذين يعانون «فوبيا الظلام» تصورات مشوهة عن كوارث من الممكن أن تقع بالليل أو في الظلام، وعلى الرغم من أن أسباب الإصابة «رهاب الظلام» لا تزال مجهولة لعلماء النفس، إلا أنهم يعتقدون بوجود ارتباط بين هذا الرهاب وحوادث مؤلمة من الجائز أن تكون وقعت للمصاب في الظلام أو أثناء الليل، على سبيل المثال فيمكن أن يكون سبب خوف الشخص من الظلام دخول لص للمنزل أثناء انقطاع الكهرباء، أو يكون وراءه مشاهدة الكثير من أفلام الرعب، وبالنسبة للأطفال فإن تخويف الطفل في المراحل العمرية المبكرة، يجعله يخضع في تفكيره للعوامل الخارجية أكثر من الاعتماد على العقل والمنطق وتدبر الأمور.
ويمكن أن ينتقل للطفل «رهاب الظلام» من رد فعل الوالدين المبالغ فيه، وعلى سبيل المثال فالارتباك والهلع حينما يصيبان الأمهات ينتقل بالتبعية للأبناء، وعامة فإن أول موقف تعرض له الشخص هو ما يساهم في تكوين المشاعر السلبية والذعر والاضطراب، الذي يحدث في الجسم، كما أن التصورات والمعتقدات والحكايات، التي تتداول في المجتمع لها دورها في انتشار هذه الحالة، أي أن ثقافة المجتمع من هذا الجانب تؤثر في الأفراد بدرجة ما، إضافة إلى تعمق بعض المسببات الأخرى.
المعرفي السلوكي
تحتاج بعض حالات «نوكتوفوبيا» إلى المساعدة الطبية حتى يستطيع الشخص المصاب التغلب على مخاوفه المفرطة من الظلام والليل، ومن خلال العلاج المعرفي السلوكي يستطيع الطبيب المعالج تقوية ثقة الشخص بنفسه، وطمأنته بأنه ليس هناك حقيقة لخوفه من الظلام؛ ومن خلال هذا العلاج يقوم الطبيب بتعريض المصاب تدريجياً لكل المخاوف التي تواجهه، حتى يستطيع التغلب عليها خطوة بخطوة، وأيضاً حتى يعرف سبب الخوف والدافع وراء الخوف من الظلام، ولا يحبذ إعطاء أدوية قبل معرفة السبب الرئيسي للخوف من الظلام، وأيضاً لكي يستطيع الطبيب المعالج كتابة الدواء المناسب للحالة، وفي مرحلة لاحقة يمكن أن تفيد الأدوية المضادة للقلق.
وتحتاج الحالات الأقل حدة في علاجها إلى اقتحام مواطن الخوف بجرأة وتدرج، ومخاطبة اللاشعور والعقل الباطن بعبارات تكسر حاجز الخوف، وتقوي ثقة الشخص بنفسه، ويبدأ المصاب بـ«رهاب الظلام» هذا العلاج بمعرفة السبب وراء الإصابة بـ«الفوبيا»، فمثلاً من الممكن أن يكون الإسراف في مشاهدة أفلام الرعب أو سماع أصوات في المنزل ليلاً
ويفيد تذكر أول موقف سبب «الفوبيا» أن التعرض لنفس الموقف مرة أخرى، يؤدي إلى استرجاع المخ لحالة الهلع التي أصابت الشخص أول مرة، يلي ذلك استخدام المنطق وعدم ترك النفس للخيالات والأفكار غير المنطقية، فالكثيرون يمتلكون خيالاً واسعاً يجعل أصغر الأشياء تبدو مرعبة، فلو كان الشخص خائفاً من اقتحام منزله ليلاً فعليه إحكام غلق الأبواب والنوافذ، وإن كان الطفل هو من يعاني هذه «الفوبيا»، فبث الاطمئنان في نفسه من خلال أن يتفقد كل شيء مع أحد والديه قبل الذهاب للنوم مثل البحث تحت السرير وفي خزانة الملابس وهكذا.
لا للأفكار السلبية
يجب عدم الاستسلام للأفكار السيئة قبل الذهاب للنوم، وبالعكس على المصاب بـ«رهاب الظلام» أن يشغل تفكيره بأمور إيجابية؛ كالتفكير في خطة جديدة للعمل، أو الانتقال إلى مكان جديد للسكن، أو الترتيب لزيارة بعض الأصدقاء، ومن الأفضل الاستماع للقرآن قبل النوم ليلاً؛ لأنه يذهب الأفكار السلبية عن المريض.
ومن الممكن للشخص المصاب بهذا الرهاب ألا ينام وحده في الحجرة؛ وذلك حتى إذا وجد شيئاً يزعجه يقوم بإخبار الشخص الذي ينام معه، وهو ما يساعد في تخفيف هذه المخاوف، ويمكن أن يحللها للمصاب حتى يتخلص منها.
وكذلك يمكن التفكير في الشيء، الذي يثير المخاوف بشكل كوميدي أو مضحك، حتى يهون منه في عقله، كأن يتخيل الوحوش، التي يخشاها وهي ترقص وتضحك، وتوجد حقيقة علمية تسمى نظرية التمدد والانكماش؛ وهي تعني أن الجو الحار في الصباح يؤدي إلى تمدد الأخشاب بينما برودة الليل تجعلها تنكمش.
وهذا يمكن أن يكون السبب في كثير من الأصوات التي يسمعها الشخص المصاب بـ«فوبيا الظلام» ليلاً، وعند معرفة هذه المعلومة فلا داع للقلق، ويمكن أن يكون الخوف من الظلام مرتبطاً بالنوم في غرفة بعينها، وبالتأكيد فهذا الخوف يرتبط بشيء حدث بهذه الغرفة؛ لذلك فعلى الشخص المصاب بالرهاب البحث عن هذا الشيء والتخلص منه، ويمكن أن يتخلص من هذا الرهاب بإضاءة الغرفة حتى يستسلم للنوم.
ويمكن أن يفيد في هذه الحالة الإضاءة الهادئة مثل المصباح السهاري، والإضاءة الهادئة تجعل المصاب بـ«فوبيا الظلام» يدرك ما حوله وتجعله يتغلب على مخاوفه، وبذلك لا يدع مجالاً للأفكار السلبية أن تغزو رأسه، ويمكن أن ترشد الكوابيس التي يراها المصاب بالرهاب في نومه إلى معرفة مصدر الخوف، فلو أنه قص هذه الكوابيس على أحد المقربين يمكن له أن يستنبط منها سبب الإزعاج حتى يتخلص منه.
تفسير علمي
أشارت إحدى الدراسات الحديثة إلى أن حوالي 90% من الأطفال يعانون رهاب الظلام، وبالنسبة للبالغين فإنهم يفقدون السيطرة على خوفهم، ولا يستطيعون ممارسة حياتهم بصورة طبيعية في ظل القلق والتوتر، وهذا كله يؤثر على إنتاجيتهم في الحياة، ويمتد الأمر بطبيعة الحال إلى صعوبة الحصول على قسط كاف من النوم، ما يؤثر على الصحة العامة ويصيب باضطرابات النوم
وربط الباحثون الذين تعرضوا لهذه الظاهرة خوف الأشخاص بقرب البشر الأوائل من الحيوانات المفترسة، التي كانت تخرج لهم في ظلام الليل، وقبل التكنولوجيا كانوا يترقبون هجوم الحيوانات المفترسة، والتي كانت تكثر عند دخول الظلام في الوقت الذي تفقد فيه الفريسة القدرة على الرؤية
واستمرت هذه التجربة إلى وقتنا هذا كشكل من أشكال القلق المعتدل، الذي يعود إلى كون الإنسان كائناً نهارياً، وليس ليلياً، وهذا يعني أن الخوف من الظلام ليس أمراً غير منطقي، بل هو في أصله اندفاع بشري طبيعي، ومشاعر القلق وعدم الارتياح التي يشعر بها الجميع عند إطفاء الأنوار هي انعكاس لاندفاع تطوري ليبقى الإنسان آمناً.