د . عبدالمعطي سويد
في عام 1994 نشرت كتاباً في بيروت بعنوان "دراسات في التفكير العربي - القاع الشعري"، سردت مقولة العرب الذائعة بأن: الشعر ديوان العرب، وقد رأيت أن مضمون هذه المقولة يعني: أن الشعر هو فضاء العرب الفكري، وبمعنى آخر أن الفكر العربي يغوص في عملية التفكير في بحر من الوجدان . كان في مرحلة ما قبل الإسلام، واستمر إلى ما بعده وهو ما زال حتى يومنا هذا، أي أن نمط التفكير العربي يتجلى في العبارة الوجدانية اللغة الأسرة والبيان الجميل، والإيقاع الشعري وبلغة معاصرة أنه: فكر إنشائي .
إن الوجدان، هذه الكلمة الثرية في المضمون والاستعمال في الفكر والسلوك العربيين تدل على عمق العربية وعبقريتها من حيث إنها تشير في الوقت نفسه إلى: الجانب العاطفي "والدوافع النفسية" والشعور المباشر واللاشعور في آن واحد، ومن جهة أخرى تشير إلى حالة "الوجدانية" لدى الصوفية عندما يتكلمون على لحظة: النشوة والوجد الروحيين .
وما دمنا نحن في مجال الشعرية العربية: مرآة التفكير والسلوك العربيين معاً، فنعتقد أن هذين الأخيرين ما زالا يحركان الوعي بغض النظر عن بعض آليات التفكير العلمي . والفلسفي اللذين تم اكتسابهما من خلال اتصال العرب بتراثات الأوائل بعد المد الإسلامي في العصور الوسطى .
والواقع لم تطبع مهارات التفكير العلمي ولا الفلسفي الأغلبية المطلقة من الناس في السلوك في مجريات الحياة اليومية، وهذان النمطان من التفكير كانا من شأن "الخاصة" في الثقافة العربية الكلاسيكية ومن شأن بعض النخب الأكاديمية والثقافية اليوم .
إذن ظل الجانب الوجداني هو المكون الأساسي لبنية التفكير العام في مجتمعاتنا، وقد كرس الإسلام هذا الجانب، وكذا الأديان عموماً، لأنها تخاطب: القلب أولاً ولأن الإيمان هو أولاً تصديق بالقلب، واقرار باللسان كما تعرفه الثقافة العربية - الإسلامية أي بمعنى آخر "الوجدان" الذي يقابل العقل .
انتقل من هذه المقدمة العامة إلى موضوعي عن بعض الرواسب التي ما تزال رابضة في قعر النفس العربية والتي أسست لما نعانيه من مشكلات: التطرف، والتعصب والمذهبية في الفكر والسلوك .
تقودنا المقدمة السالفة إلى عرض ذلك الجانب اللامعقول في تراثنا الثقافي الذي ورثناه عن وعي أو لا وعي من خلال التنشئة الاجتماعية، والثقافة اليومية غير العالمة .
لقد نشر الراحل الدكتور زكي نجيب محمود في ثمانينات القرن الماضي كتاباً بعنوان "المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري" فيه يميز بين الجانب المعقول الذي يمكننا الاستئناس به في حياتنا اليوم والجانب اللامعقول والذي لم يعد مجدياً الأخذ به لا الاستئناس .
عدت إلى كتابي الذي ذكرته في بداية المقدمة وإلى موسوعة الشعر العربي "العصر الجاهلي" وجمعه خليل حاوي ومطاع صفدي وقمت بسياحة شعرية، فوقفت عند الأبيات الشعرية التالية وهي من قول شاعر جاهلي مغمور خراشة بن عمرو العبسي:
كأن جنوداً ركزت حيث أصبحت
               رماحاً تعالى مستقيماً واعصلا
فلا قوم إلا نحن، خير سياسة
                      وخير بقيات بقين ووأولا
وأكثر منا سيدا وابن سيد
                   وأجدر منا أن يقول فيفعلا
استوقفني قول الشاعر: لا قوم إلا نحن ذلك أن الشاعر، وكما هو واضح يفخر في لحظة وجدانية إلى درجة في وجود الأقوام الأخرى باستثناء قومه .
إن من يرى أن قومه خير قوم، وأن سياسته خير سياسة، فهذا يعني أنه فوق الجميع وهو السيد المطاع والآخر: عبد بالتعريف، وكذا العرب في ثقافتهم "البدائية يرون أن الإنسان أما أن يكون سيداً أو عبداً" تلك كانت الرؤية في شعور العرب بالقوة في فترات معينة من التاريخ .
يقول الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا
                    فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ونشرب أن وردنا الماء صفوا
                     ويشرب غيرنا كدراً وطيناً
هذه أعلى درجة ونفحة "وجدانية" تؤسس لوعي متطرف بلغة اليوم، تمنحنا شعوراً عالياً جداً نصرخ عالياً إزاء من يعلو بصوته بعض الشيء أمامنا، فلا أحد يرفع صوته أمامي لأني سأرفعه إلى درجة مع انتفاخ الأوداج كاملة عوضاً عن اللجوء إلى التهدئة .
استمر هذا المحرك الوجداني إلى ما بعد ظهور الإسلام واتخذ منحى آخر - صنف الإمام أبو الحسن الأشعري كتابه المشهور: "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" - القرن الثالث الهجري وعرض فيه الانقسامات الهائلة بين المسلمين فرقاً وشيعاً حيال "النص القرآني" وحصل ما دعاه المفكر الفرنسي بول ريكور ب"صراع التفاسير" .
لقد قاد هذا الصراع النخب الفكرية الإسلامية إلى انحراف كبير في الوعي الوجداني، وصولاً إلى درجة أن كل فرقة من الفرق التي ذكرها الأشعري تكفر أختها، وأصبحت كل فرقة ترى نفسها أنها الفرقة الناجية من عذاب جهنم كافرة وغيرها .
يقول الشاعر أبو فراس الحمداني:
ونحن أناس لا توسط بيننا
            لنا الصدر دون العالمين أو القبر
يوحي لنا الشاعر بأننا نحن دوما في الصدارة وغيرنا في الصفوف الخلفية .
هذه العروض تقول لنا صراحة إن وجود الأنا يقتضي نفي الآخر، وبعبارة منطقية قديمة أما الإثبات أو النفي، أما تفسيري للنص فهو الصحيح والتفاسير الأخرى خاطئة منحرفة وضالة وبلغة يومية نقول: كلامي هو الصحيح . وكل ما غيره باطل .
الخلاصة:
"لا قوم إلا نحن" "ألا لايجهلن أحد علينا" و"ونحن أناس لا توسط بيننا" "نحن الفرقة الوحيدة الناجية والفرق الأخرى ضالة" . هذه اشتات مجتمعات تَرْسُبُ في قاعنا السكولوجي .
وتشكل بنية تفكيرنا الراهن، فينعكس ذلك في قول التيارات القومية مثلاً إن القومية العربية أشرف القوميات ويدعم هذا التيار الإسلامي أو ذاك بأنه هو الإسلام وما عداه فهو الضلال المبين . والتيارات الإسلامية ذاتها تتشقق ويكفر بعضها بعضاً، وكذا المذاهب إذ لامجال هنا للتفكير القائم على جدلية الإثبات والنفي على أرضية العقل .
بل الأمر في ثقافتنا وسلوكنا هو الذهاب دوما إلى الأطراف القصية، وبعنى آخر إعطاء الوجدان كامل سطوته والوصول إلى حال التطرف الذي هو مشروع إرهاب الآخر وإلغاؤه .