منذ أن صارع جلجامش الأهوال وعبر البحار بحثاً عن عشبة الخلود، حتى يومنا هذا والأدب العربي وحتى العالمي يزخر بمعطيات التوق الإنساني في البحث عمّا يمنح الخلود أو الفردوس سواء أكان الفردوس في الدنيا أم في الآخرة، مثل الفردوس المفقود لجون ملتون، ورسالة الغفران للمعري، ورائعة هيرمان ملفيل موبي ديك وإن اختلفت بعض الشيء، لكن العمود الفقري لكل تلك الأعمال الخالدة هو البحث المتواصل بإرادة واعية لأمر قد لا يستحق في نظر البعض كل تلك التضحيات، وقد يكون المبحوث عنه حالة افتراضية لأمر قد مضى .لكن في النهاية يبقى الإنسان دائب البحث علّه من خلال رحلة البحث ينشغل بصيرورته الحاضرة سعياً من أجل الصيرورة الدائمة (الخلود) وهكذا خلدت ملحمة جلجامش بطلها وخلدت بقية الأعمال الكبيرة أصحابها . أردت بهذه السطور أن أمهد لرواية حديثة صدرت هذا العام عن دار كتّاب الإماراتية عنوانها (شامان) للروائي شاكر نوري، ولو أردت أن ألخص رأيي فيها لقلت إنها رواية رائعة بل قلّ نظيرها في الأدب العربي .
فبين الماضي المتخيّل والحاضر الذي يوشك أن يلحق به والمستقبل المملوء بالأسئلة تربض الرواية على كثبان الصحراء المتحركة والسماء الممتدة بلا حدود تجعلك من دون إرادة منك تشارك الأمير المنفي همومه الأزلية في البحث عن صقره الأثير الضائع (شامان) وإمارته (جانين)، وكما دخل الراوي، صديق الأمير في دائرة البحث عن الفردوس المفقود، تجعلك الرواية باسلوبها الشائق وحبكتها تنخرط مع الباحثين لتكتشف في النهاية أن دخولك ذلك العالم الممتع الجميل هو جزء حي من فردوس صاغته الكلمات وامتزج فيه الواقع بالخيال والممكن الصعب بالمستحيل الممكن .
يشدك من تلابيبك سحر آخر فهنا أو هناك نجوم من انسكلوبيديا الصقور، وكأنك وأنت تقرأ الرواية بموازاتها تماماً تتعرف إلى هذا الطائر الجارح الحر المفعم بالشمم والكبرياء .
خريطة الصقر تدلك على صقر مات لعزة نفسه وآخر انتحر عندما وقع في الأسر ولا تتعجب إذ يصل شغف قائد صيني مثل تاي تسونغ إلى درجة أن يطلق على صقره (قائد الجيش) وآخر يطلق عليه (مقتحم السحاب) .
فالراوي، ربما هو الكاتب نفسه، رجل مغترب أعزب منذ عقود يعيش في باريس، وفي إحدى الصباحات الندية وفي ما هو جالس في مقهى (غويا) يلتقي برجل عربي يصفه لم يكن مظهره يوحي بشيء استثنائي، لكن تفاصيل أحاديثه جعلتني أفهم على الفور أنه من سلالة أمراء، اقتلعتها الرياح من أرضها، وشتت أفرادها في بقاع الأرض الواسعة، منذ ذلك الوقت والراوي يدخل العوالم الساحرة لهذا الأمير ويجاريه في بحثه المتواصل عن عرشه الذي ضاع في جانين مدينة آبائه وأجداده وصقره شامان الذي فقده وظل يبحث عنه من دون هوادة .
وبقدر ماكان البحث عن العرش الضائع تقف دونه حدود وموانع، كان البحث عن شامان مطلق باتجاه السماء الزرقاء العالية فلا حدود تحد ذلك البحث عن صقر كان يحمل ختم الأمير على جناحه الأيسر، كما ليست هناك حدود تحد من هيمان الأمير وتوقه للقاء صقره وإن كان ذلك يكلفه كل عام رحلة إلى الصحراء التي توارى خلف غبارها .
ما الذي يميز (شامان) عن غيره من الصقور؟ إذا ما علمنا أن الصقر هو أرفع الطيور الحرة مكانة، فإن شامان صيّاد صبور وهو طائر قنوع ومزاجه أهدأ وأبرد من سائر الطيور وأكثر ألفة وأشد إقداما على مهاجمة الطير وأثبت الجوارح جناحاً وأقواها طيراناً وأحرصها على إيقاع الطرائد والظفر بها لقد تشكلت آصرة الحب بين الأمير وصقره عبر رحلاتهما في الزمن الذهبي للأمير فهو جزء من ذلك التاريخ الذي يحن له ولا غرابة أن يصبح شامان رمزاً لتلك المملكة الافتراضية التي شيدها من الآمال الضائعة .
ينادي الأمير سماواته بحثاً وهياماً في أروع تجلياته أين خرائطك السرية أيتها الصقور؟ في طي الرياح، أم في تعرجات النجوم، أم في بطون الغيوم؟ .
ولا من جواب ولا من صدى لذلك البوح، عقود من البحث لم تسفر إلا عن اليباب، لكنه مصر على مواصلة البحث من دون كلل أو ملل .
يتذكر كيف التقى بعد نفيه بعدة أشهر بالتحديد عام 54 من القرن الماضي بالوصي على عرش العراق وباح له بلواعجه ولأن الوصي لم يقدر على أن يقدم له شيئاً حول إمارته المفقودة لكنه أراد أن يساعده على البحث عن شامان فقد اقترح عليه أن يستعين بيوسف البازيار فهو صقار البلاط الملكي .
لكنه لم يستطع الاستعانة بيوسف للبحث عن شامان إلا بعد سنين، وفي لقائه بالأمير حكى له يوسف كيف نجا من الموت المحقق عندما قامت الثورة التي أطاحت بالنظام الملكي في العراق .
لقد نجا يوسف البازيار من رصاص الثورة لكنه لم ينج من الموت في الصحراء بالحمى من دون أن يجد أثراً لشامان .
حكاية الأمير مع الوصي لم تنته بعد، فقد قصّ على صديقه الراوي كيف أنهما سهرا معاً في أحد الملاهي وكيف سلبت الراقصة ليليان لب الوصي، قصة رائعة لم يكملها القدر، يعلق الأمير لهذا أخاف الزمن وأحترس منه، تخيّل مصير عاشقين، رأيتهما بأم عيني، أحدهما سُحل على أسفلت شوارع بغداد، والآخرى تعمل منظفة في حمامات كازينو دوفيل .
نسيج مترابط من السرد اللذيذ الذي تتمازج فيه المعلومة مع الحكمة في واقعية خيالية أو خيالية متشربة برائحة الواقع ورموزه الحية، تتحد العناصر مثل سرب العصافير في رقصة ربيعية ثم تفترق عن انتقالات بين الراوي وأبطاله الذين لا تملك إلاّ أن تحبهم .
قال الأمير للراوي: لقد آن الأوان لأن تسجل هذه الذاكرة قبل أن تذهب أدراج الرياح .
فهزّ الراوي موافقاً: أجل كل ما هو غير مكتوب تذروه الرياح .
أجل كل ما هو غير مكتوب تذروه الرياح .
ومن الحكم التي سطعت على متون السرد:
- لا شيء يفسد سرد الحكاية مثل العجلة، ولا شيء يفقد المرء وقاره مثل التطفل، ولا شيء يخرب الصداقة مثل المصلحة .
- لا يكفي أن تكون على حق، بل كيف تقنع الآخرين بهذا الحق .
- صديقك يبقى صديقك وإن فعل ما لا يعجبك .
- وأكثر ما كان يخشاه هو الصديق الجاهل .
- أن تولد غير نبيل فهذا ليس ذنبك، ولكن أن تموت غير نبيل فهذا ذنبك .
ولعل أجمل ما قرأته من قصص الصقور القصة التي أوردها الصقّار يوسف والتي من أجلها تردد المثل القائل: (اللي ما يعرف الصقر يشويه) .
لقد أبدع شاكر نوري في وصف بطله الأمير إيهاب وسبر أغواره الداخلية واكتشاف القوة الكامنة في روحة الصادقة القوية الهادرة بين الأرض والسماء بحثاً عن فردوس آخر وها قد وجده عن غير قصد، رواية تخلده أكثر من الصقر ومن جانين وإن كانا ملهميه ومعذبيه، ها هو يدخل فردوس الرواية الرائعة باستحقاق ما بعده استحقاق .