إعداد:يوسف أبولوز
يشكّل المفكر الفرنسي روجيه جارودي (1913-2012) خليطاً من المرجعيات والأصول الفكرية والدينية، فأمه كاثوليكية، وأبوه ملحد كما تقول سيرته الذاتية، وفي الرابعة عشرة من عمره اعتنق جارودي البروتستانتية، وفي شبابه انتمى إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، ولكنه طرد من الحزب في العام 1970على خلفية انتقاداته لسياسات الاتحاد السوفييتي آنذاك، وفي العام 1982اعتنق الإسلام.
هذا التدرج أو هذه الانتقالات التي تبدو حادة من اليسار إلى اليمين تؤشر على شخصية جارودي الجدلية النقدية، وتضعه في مصاف المفكرين الذين جرّبوا أكثر من تيار أو توجه إيديولوجي عقائدي، وربما لهذا السبب ذهب إلى نوع من الاستقلالية الفكرية، على أن هذا القلق الفكري، إن جازت العبارة، الذي عاشه جارودي ما بين البروتستانتية كدين، والشيوعية كإيديولوجيا جعله يستقر على الإسلام، وهو قبل اعتناقه الإسلام كان عضواً في الحوار المسيحي -الشيوعي في ستينات القرن العشرين.

فهم جارودي للإسلام تأسس على بحث معمق في الثقافة الإسلامية سيكون قاعدة لمجموعة من الكتب والدراسات من أهمها كتابه: «الأساطير المؤسسة لدولة «إسرائيل»»، حيث كشف زيف وكذب الرواية اللاهوتية، وأكثر من ذلك، ذهب جارودي إلى التشكيك في أعداد اليهود في حادثة «الهولوكوست» أو ما تعرف بإبادة اليهود في غرف الغاز إبان المرحلة النازية في ألمانيا، وهنا، سوف يتعرض جارودي إلى «فتح باب الدبابير» بدءاً من معاداة السامية، إلى إدانته من جانب محكمة فرنسية بتهمة التشكيك في محرقة اليهود، لكن الرجل أبدى شجاعة عالية، ومثلما حاصره اللوبي الصهيوني في «إسرائيل» وفي الدوائر الإعلامية الغربية «اللوبية أيضاً» سيلقى حفاوة وتضامناً في الوطن العربي ومؤسساته الثقافية والدينية، مع العلم أن بعض التيارات الإسلامية في الوطن العربي كانت متحفظة من الأساس على إسلام الرجل، وذلك بالنظر إلى خلفيته المسيحية الماركسية، لكنه بشجاعة الباحث والمفكر مضى في نقد الأساطير «الإسرائيلية» بقراءات فكرية جدلية نقدية.
ليست «النقدية الجارودية» تجاه أساطير اليهود وحدها من جعلت «رأسه مطلوباً» في «إسرائيل» والغرب الأوروبي فقط، بل، قامت المنظمات الصهيونية في فرنسا وفي العالم كله و«إسرائيل» بملاحقة جارودي والضغط عليه ومحاولة قتله مادياً ومعنوياً، وذلك بعدما دان مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان ودان أيضاً غزو الجيش «الإسرائيلي» للبنان في العام 1982.
الإيمان سلوك
نحن، إذاً، أمام شخصية إسلامية، تشرّبت روح الإسلام وقيمه العالمية الإنسانية النبيلة، وسوف يتحول الإيمان عند جارودي إلى سلوك وممارسة، ومن تمثلات هذا السلوك وهذه الممارسة عدم اتخاذه أي موقف حيادي تجاه الظلم الذي وقع على الفلسطينيين، كما أنه لم يكن صاحب موقف رمادي أو زئبقي حيال الغرور «الإسرائيلي» كما هو الحال عند الكثير من مفكري الغرب.
انطلاقاً من الثوابت والقيم الإسلامية التي عززت فهم واستيعاب جارودي للدين الحنيف وثقافته وأخلاقياته عرف هذا المفكر النقدي كيف أن الإسلام استوعب الشعوب وأديانها القائمة على فكرة التوحيد، واستوعب أيضاً قبول الإسلام للآخر على قاعدة العدالة والمساواة والتعايش، وهذا ما جاء في كتابه «الإسلام دين المستقبل».. يقول.. «.. أظهر الإسلام شمولية كبرى في استيعابه لسائر الشعوب ذات الديانات المختلفة، فقد كان أكثر الديانات شمولية في استقباله للناس الذين يؤمنون بالتوحيد، وكان في قبوله لأتباع هذه الديانات في داره منفتحاً على ثقافتهم وحضاراتهم».
لم يتعرض جارودي إلى ضغط اللوبي الصهيوني عليه في الدوائر الإعلامية والثقافية والسياسية في الغرب فقط نظراً لجرأته وصراحته في نقد الأساطير التوراتية وغير ذلك من مواقف عملية وفكرية، بل حورب على مستوى الكتابة والنشر، فهو وضع كتاباً من جزأين بعنوان «الإرهاب الغربي»، غير أن دور النشر الفرنسية رفضت طباعته، والسبب معروف وهو تملق اللوبي الصهيوني وأكثر من ذلك الخوف منه.. غير أن الكتاب صدر، ونقله إلى العربية عبد المسيح فلي.
يتحدث جارودي في «الإرهاب الغربي» وتحديداً في جزئه الثاني عما سماه الجغرافيا السياسية للقرن العشرين، ويربط هذه الجغرافيا بانهيار الاتحاد السوفييتي.
يعتمد جارودي في الكثير من أفكار هذا الكتاب على النص القرآني.. يقول.. «إن الرؤية الديناميكية التي جاءت في القرآن، تجسدت من خلال قدرة الله الخلاّقة. إذ إنه «الحي القيوم» فهو «الخالق الأول الذي لا يتوقف عن الخلق، فهو حاضر في كل شيء جديد.. هذا الخلق المستمر يحفظ استمرار العالم..».
يقارب جارودي بين ما هو فكري، وسياسي، وديني.. لكن دائماً على قاعدة إسلامية، لا بل يتناول برؤية فكرية واضحة قضايا تتصل بالعولمة، والتنمية ولا ينسى «بوصلته»، وهي الإيمان، كما لا ينسى التاريخ وقراءته جيداً كي يضع الغرب في مرآة نفسه، وكي يقول إن للإرهاب جذوراً موجودة أيضاً في الغرب، يقول: «.. لقد كانت عمليات الاضطهاد شديدة ضد البروتستانت، من جانب قوات الملك لويس الرابع عشر والبابا، واتسمت عمليات القمع بالوحشية والبربرية، من حيث التنكيل والاختطاف والمذابح التي نظمت ضد «العساكر غير النظاميين»، وإثارة الرعب والهلع في صفوف المقاومين المعارضين..».
وعود الإسلام
ومن أهم مؤلفات جارودي كتابه «وعود الإسلام» الذي نقله إلى العربية د. ذوقان قرقوط، وقدّم للكتاب محمد البجاوي الممثل الدائم للجزائر لدى هيئة الأمم المتحدة سابقاً بطرح فكري معمق، والبجاوي في هذا السياق يرى أن جارودي يتوجه بكتابه هذا إلى جمهور غير مسلم.. «.. يريد أن ينزع الكمامات عن عيونه، ويخلصه من أحكامه المسبقة..»، ولا ينسى البجاوي تاريخ جارودي في تعميقه قيم الحوار بين الثقافات والأديان ضمن مشروع تظهر ملامحه في «وعود الإسلام».. يقول البجاوي.. «..إن المشروع الذي تشبث به جارودي منذ عشرات السنين هو من هذا المنظور. متواضع، في آن واحد وهائل. متواضع لأن الإمبريالية الحاضرة دائماً تشل هذا الحوار بين الحضارات الذي يغذيه روجيه جارودي اليوم، ويحث عليه مرة أخرى بكتابه «وعود الإسلام».
يوضح جارودي أن الموضوع الأساسي لكتابه هذا يتمحور حول التدليل على أن الإسلام لم يكمل ويخصب وينتشر فحسب «..من بحر الصين، إلى الأطلنطي، ومن سمرقند إلى تومبكتو، وإنما نفخ في إمبراطوريات مفككة وحضارات مشرفة على الموت، روح حياة جماعية جديدة، وأعاد «أي الإسلام» إلى البشر وإلى مجتمعاتهم أبعادها الإنسانية والإلهية بنوع خاص من التسامي والتوحيد».
الانفتاح، والتسامح.. هما من سمات الإسلام في رأي جارودي، وشمل هذا التسامح اليهود والنصارى، بل إن نور التسامح في الإسلام سطع أيضاً في بلاد فارس والهندوس.
مفاهيم جديدة
يشرح جارودي الكثير من المفاهيم التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية مثل «الجهاد»، ويوضح أن الجهاد لا يعني «الحرب» إنما «الجهد»، ويؤكد حقيقة في منتهى الأهمية، علينا أن ننتبه إليها اليوم بشكل خاص في ذروة اختطاف الإسلام من معانيه السامية والأخلاقية، وبالتالي، تسييسه على أساس فكري «تكفيري» ضيق إلى جانب الكثير من مفكري الغرب الذين عزلوا الإسلام عن سياقاته المعرفية والأخلاقية، يقول جارودي: «.. إن جميع النصوص التي استند إليها من يريدون أن يجعلوا من الإسلام فزّاعة «دين سيف» كانت تفصل دوماً عن سياقها». إنه حيث الحداثة والإنسانية.. دين ثقافة حضارية.. «.. إن الإسلام، حتى قبل أن تزهر ثقافته الخاصة، خلق الظروف الضرورية لإحياء الحضارة، ولكي تفتح بداية جديدة للعالم». إن الإسلام الذي يفهمه روجيه جارودي هو إسلام التنوير، والجمال، والسلام، والمحبة التي تجعل من بني البشر إخوة في عائلة آدمية واحدة.. بعيداً عن ثقافة الإقصاء وبعيداً عن فكر التكفير والتعصب.