عندما ننظر إليها من الفضاء، تظهر منطقة الأمازون مثل بقعة خضراء عملاقة تعبرها شبكة زرقاء داكنة من الخطوط المتعرجة والملتوية تمثل نهر الأمازون الشهير بكل روافده . هذا النهر الأسطوري الذي ابتلع في أعماقه عدداً كبيراً من المغامرين والرحالة خلال سعيهم لبلوغ الالدورادو ذلك المكان الخيالي، لم تنته غرائبه ولايزال بين الحين والآخر يفاجئ العلماء والباحثين بأسرار جديدة على الرغم من دراستهم المنطقة منذ قرون عدة .
اليوم، سر جديد يكشف عنه الباحثون حيث أكد فريق من الباحثين البرازيليين اكتشافهم نهراً شبيهاً بنهر الأمازون أو كما يسمونه الأخ الأصغر يجري متخفياً في الأعماق، على عمق يبلغ ألفي متر، وللمرة الأولى تكون لعمليات التنقيب عن النفط في الأمازون نتيجة إيجابية، فالحقيقة أنه بفضل مئات الآبار المحفورة التي أنجزت في هذه المنطقة استطاع الباحثون العثور على هذا الكنز المخفي، هذه الآبار التي وصل عمقها إلى ألفي متر مجهزة بترمومترات لمتابعة سير عمليات الضخ بشكل مستمر وكذلك حالة المياه الجوفية وحركتها على تلك الأعماق .
والمعروف أن الماء هو موصل جيد للحرارة فهو ينقل بسهولة حرارته للأشياء المحيطة به فعلى سبيل المثال يكفي أن يجري الماء من السطح إلى الأعماق كي يبرد الطبقات الأرضية التي يعبرها، وفي المقابل نجد أن الماء الصاعد من الأعماق الأرضية الساخنة يرفع درجة حرارة الصخور والترسبات التي يمر عليها .
ويشير فاليا حمزة من المرصد الوطني البرازيلي إلى أنه بفضل هذه التغيرات الحرارية استطاع الباحثون عمل خريطة لحركة المياه تحت منطقة الأمازون وتقدير سرعة حركة هذه المياه واتجاهها وقوة اندفاعها، وهو عمل روتيني يقوم به فريق المهندسين، إلا أن هذا الفريق اكتشف من خلال المعطيات المتوافرة لديه وجود مجرى مائي يقع على عمق كيلومترين تحت سطح الأرض في الأمازون .
وبما أن رئيس العاملين هو فاليا حمزة، فقد أطلق على هذا النهر تحت الأرض اسم ريو حمزة تكريماً لمكتشفه .
قوة بطيئة
ولاشك أن البعض يمكن أن يتخيل هذا النهر مثل الأنهر التي تجري فوق سطح الأرض وتتميز بعمق معين مثل نهر الأمازون مثلاً، هذا الأمر بالطبع لا ينطبق على نهر ريو حمزة فهو نهر يشبه على الأغلب إسفنجة هائلة مكونة من الحجارة والمواد الرسوبية المحجوزة تحت الأرض، وبالطبع فإن الماء الذي يجري عبرها لابد من أنه شق طريقاً له عبر الجيوب والتصدعات وحبات الرمل الموجودة عند هذه الأعماق، ما يعني أن قوة تدفقه أكثر بطئاً بكثير من قوة اندفاع نهر الأمازون .
وهنا لابد من أن يكف قراء الروايات الخيالية كرواية جيل فيرن برحلة إلى مركز الأرض عن جموحهم وتخيلاتهم حين يقرأون عن أبطال يبحرون فوق بحار تحت أرضية . ولو أن أحد اختصاصيي اكتشاف المغارات استطاع أن يصل إلى عمق ألفي متر تحت سطح الأمازون، فإنه لن يجد أي نهر جار يمكن أن يضع فوقه مركبه البلاستيكي القابل للنفخ، ولكن هذا لا يمنع من أن ينقل هذا النهر ما مقداره 4 آلاف متر مكعب من الماء في الثانية أي ضعفي قوة دفق نهر الرون في فرنسا . علماً أن سرعة تحرك المياه تحت هذه الأعماق تبلغ 100 متر سنوياً، وربما يطرح أحدنا التساؤل التالي: من أين تأتي كل هذه المياه؟ والإجابة بالطبع من الأمطار المستمرة التي تغذي جبال الأنديز الواقعة إلى الغرب من قارة أمريكا الجنوبية التي يستفيد منها أيضاَ نهر الأمازون بذاته . هذه الأمطار تنفذ عمودياً إلى الأعماق بسرعة تبلغ بضعة سنتيمترات في السنة، بل إن جزءاً منها ينفذ بسرعة أكبر ولكن بشكل أفقي متابعاً مسار نهر الأمازون على مسافة تصل إلى 6 آلاف كم إلى أن يصل إلى المحيط الأطلسي .
ويشير جون لوجايو المتخصص في علم الهيدرولوجيا في معهد أبحاث التطوير (IRD) إلى أن نهر ريو حمزة يمكن أن يصب في الأجزاء العميقة من البحر متخفياً تحت مصب الأمازون كما أنه من الممكن أن يكون سريان هذه المياه تحت الأرضية هو المسؤول عن الملوحة القليلة لمياه البحر في هذه المنطقة، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى المزيد من الدراسة والبحث لأن تدفق نهر ريو حمزة لا يمثل سوى واحد على خمسين من قوة تدفق نهر الأمازون في المنطقة نفسها . ويضيف الباحث لوجايو أنه لا شيء يثبت حتى الآن عذوبة مياه الأخ الأصغر خاصة إذا ما علمنا أن بحيرات المياه الجوفية عادة ما تكون مالحة لأنها تغذى بالترسبات القديمة التي تحتوي على نسبة عالية من الأملاح .
ويبدو أن الباحثين البرازيليين، لن يتراجعوا عن رأيهم ويشيرون إلى صفاء المياه المدهش حول مصب الأمازون ويؤكد هؤلاء أنه إذا كان نهر الأمازون يأخذ في طريقه كمية كبيرة من الطمي أثناء جريانه، فإن نهر ريو حمزة الذي يجري بشكل أبطأ وبين الصخور، يجب أن تكون مياهه من الناحية النظرية أكثر نظافة أو شفافية من نهر الأمازون السطحي، ويقول الباحث فاليا حمزة: لاحظنا عند مصب الأمازون ملوحة قليلة للمياه وتركيزاً عالياً للمواد الرسوبية وهذا ما يفسر لنا الكميات الكبيرة التي يطرحها الأمازون من المياه العذبة، ويضيف فاليا إنه لوحظ عند الحواف الخارجية للمصب أنه توجد مناطق ذات نسبة ملوحة ضعيفة، مع نسبة ضئيلة جداً من المواد الرسوبية العالقة، ونحن نعتقد أن مرجع هذا الأمر إلى كميات المياه الكبيرة الآتية من الأعماق من نهر ريو حمزة حيث تعمل مياه هذا النهر على تخفيف المياه المالحة للأمازون .
أمطار عمرها 100 ألف سنة
ويحاول الباحث فاليا حمزة مكتشف النهر أن يجري تجربة من أجل أن يثبت وجود هذا النهر العميق وذلك عن طريق ملاحظة ما يطرحه تحت البحر من خلال ترمومترات موضوعة على عمق كيلومترين تحت سطح المحيط وبالتحديد عند مصب الأمازون في المحيط . ويقول إن درجة حرارة مياه نهر ريو حمزة تتراوح بين 30 و50 درجة مئوية وهو أمر طبيعي، نظراً لأن باطن الأرض عند هذه الأعماق يكون ساخناً، فكلما ازدادت المسافة تحت السطح ارتفعت الحرارة ولو أننا تمكنا من العثور على ماء ساخن عند مصب الأمازون تحت المحيط، فإن ذلك سيثبت بما لا يدع مجالاً للشك وجود نهر ريو حمزة، فضلاً عن ذلك يمكن من خلال إجراء سلسلة من التحاليل الكيميائية التحقق أيضاً من الأمر بمعنى يمكننا أن نثبت إن كان الماء مالحاً أو عذباً، وبالتالي تحديد عمر هذه المياه . ويعتقد فاليا حمزة أن السرعة التي تجري فيها المياه من نهر ريو حمزة وتصل إلى المصب تعني أن هذه المياه ترجع إلى أمطار هطلت قبل مئة ألف سنة .