ملف أعدته: زكية كردي
بحلول فصل الربيع من كل عام، نستحضر اللحظات القديمة والذكريات الدافئة مع أمهاتنا في يومهن الذي يوافق الغد، كما تستحضر الزهور أجمل ثيابها لتسر الناظرين، ومع كل ذكرى نقدم للأم وفاء وعرفاناً جاهدين أن نوفيها حقها من التقدير لقاء ما قدمت لنا . ولا ندرك تقصيرنا في حقوق أمهاتنا إلا إذا حل يومهن، ولا نستشعر تضحياتهن إلا في هذه المناسبة، على الرغم من كون العكس مستحيلاً، إذ يجافيها النوم عندما نمرض، وتهتم إذا مسنا الضر مهما كان تافهاً، تترقب خطواتنا الأولى على الدرج بخوف وشوق، وتصرخ إذا ارتبكت أقدامنا، يرقص قلبها طرباً إذا كبرنا وتفوقنا، تشيب شعرة من شعرها في كل موقف صارخ من مواقفنا، أو فعل مجنون من أفعالنا، حتى إذا جاء يوم زفافنا إلى أزواجنا نرى الشيب يغطي شعرها .
رصدت "الخليج" في هذا الملف تضحيات الأمهات التي وصلت لحد التخلي عن الوظيفة لتربية الأطفال، ونتفقد أنواع ودلالات الهدايا التي يقدمها الصغار لأمهاتهم، كما نستعرض دور اهتمام الأم بوصول الأبناء إلى أعلى المراتب التعليمية .

كثيرات فضلن رعاية أطفالهن على العمل
تضحيات الأمهات تطال الوظيفة

النجاح في الحياة المهنية هاجس الكثير من الناس، وقد يتخيل البعض أن التخلي عن هذا النجاح والابتعاد عن حياة الضجيج وملاحقة الأحلام الخاصة أمر شبه مستحيل لمن اعتاد الطموح، لكن في حياة كل أم هناك خيار أول تبني ما تبقى من شؤون حياتها بما يوافق أمان ابنها وراحته، ولهذا تتخلى الكثير من الأمهات عن بريق التميز وعن عالمهن الخاص في العمل ليمنحن أبناءهن الحب والحنان لأنهن يدركن أن الأمومة تتسم بالتضحية والعطاء .
استمرت شذا أبو صالح بالعمل كسكرتيرة تنفيذية حتى اقتراب الولادة لتترك العمل نهائياً في الشهر التاسع عند اقتراب قدوم مولودها الأول، فبعد تفكير طويل وجدت أن المفاضلة بين ابنها والعمل غير متوازنة وبالرغم من حبها لعملها إلا أنها رفضت تخيل الابتعاد عن الطفل وتركه في عهدة المربية وهو لايزال رضيعاً، وتقول: "لم أر خياراً آخر، ولم أكن أستطيع خداع نفسي وأفكر بأنانية حيث أعرف مدى حاجة الطفل لأمه في الفترة الأولى من حياته، كما أن أمر تأقلمي مع الأمومة واكتساب خبرة الاعتناء بحياة طفل جديد لم يكن سهلاً، فبالرغم من مساندة أمي لي التي تلتها مساندة أم زوجي إلا أني كنت دائمة قلقة عليه، كنت أخشى التقصير في حقه بسبب شعوري بعظمة أن أكون مسؤولة عن حياة هذا الكائن الصغير"، وتوضح أنها لو كانت تعيش قرب أهلها لاستطاعت العودة إلى عملها وهي مطمئنة ولتجاوزت الكثير من المصاعب التي عاشتها في تجربة الأمومة الأولى وعاشت حياتها بشكل طبيعي، لكن هذا الوضع اختارته ولا ينبغي أن يدفع صغيرها الثمن، وعن عودتها إلى العمل من جديد تضيف أن ابنها اقترب من إكمال عامه الأول، ومازالت تراه صغيراً على فراقها، لعلها بعد أشهر عدة تكون مستعدة لاتخاذ هذه الخطوة بالرغم من تشوقها لاستعادة حياتها المهنية وعالمها الذي اعتادته .
وبالرغم من النجاح الذي حققته في مجال عملها لم تتردد الإعلامية فاديا دلة في الانتقال من عملها في الصحافة اليومية إلى الالتزام بوظيفة حكومية لتنظم وقتها بعد ولادة ابنها الثاني حتى تكون أقرب إليه ، مشيرة إلى أن خياراتنا في الحياة يجب أن تكون محكومة بأطفالنا فنحن اخترنا أن نكون أمهات وعلينا أن نثبت جدارتنا واستحقاقنا لهذه الأمومة، ولهذا قررت التخلي عن عملها والعودة إلى المنزل عندما كانت تنتظر مولودها الثالث لأن الاعتناء بثلاثة أبناء يحتاج إلى كل وقتها لا بعضه، وتقول: "من الخطأ أن تحمل الأم مسؤوليات عملها لأبنائها فهم الأولى وهم الخيار الأول والأكثر إلحاحاً، فالمربية تقدم لهم متطلبات النظافة والطعام لكن يستحيل أن تعطيهم حنان الأم، وأنا أؤمن بحاجة الطفل إلى الحب والحنان كحاجته للطعام والشراب، وعن رأيها بوجوب تضحية الأم بحياتها العملية توضح أنها تؤيد التضحية الجزئية لا الكلية، فالطفل في الفترة الأولى سوف يكون بحاجة ماسة للالتصاق بأمه حتى يشعر بالأمان ويبدأ بالتعرف إلى الحياة بالتدريج، ويمكنها بعد فترة تحددها هي العودة إلى حياتها العملية عندما ترى أنها وطفلها مستعدان، وتضيف أنها تؤمن بأن الأم بفطرتها تضحي من أجل أبنائها حيث تكون تضحية الأم في الذهاب إلى العمل وترك رضيعها رغماً عن قلبها لتؤمن له حياة جيدة، فترك العمل ليس في متناول كل الأمهات" .
وترتسم ابتسامة القناعة والرضا على وجوه بعض الأمهات وهنّ يرين مجهودهن في الحصول على الشهادة الجامعية يثمر مع أبنائهن، كما هو الحال مع هادية أحمد محمد صالح التي تخلت عن تدريس اللغة العربية لغير العرب لكي تتفرغ لأبنائها الأربعة، وعن سبب تركها العمل تقول: "عدت ذات يوم إلى المنزل باكراً فاكتشفت أن المربية تنام وتترك ابنتي الصغيرة تلعب وحدها بالقرب منها، ولأني أم لم يكن من الممكن أن أتردد في اتخاذ قراري بالتخلي عن كل حلم مهني كنت أتمسك به لأضع أبنائي في المقدمة، ومن يومها تركت العمل وتفرغت لتدريس أبنائي الذين أثمرت جهودي معهم فهم جميعاً متميزون في دراستهم وهذا يكفيني"، وعن سبب عدم عودتها إلى العمل بعد أن كبرت ابنتها الصغرى قليلاً توضح أنها اكتشفت أن تدريس أبنائها وقربها منهم بعيداً عن ضغوط العمل هو أكثر ما يجعلها تشعر بالسعادة .
وبعد سنوات من العمل في الترجمة اكتسبت من خلالها روعة الخطيب الخبرة الجيدة واعتادت أن تكون جزءاً من عملها، وجدت نفسها مضطرة أمام تجربة الأمومة الأولى للتخلي عن عملها الذي تحب لكي تكون إلى جانب ابنها، تقول:" لم يكن سهلاً علي التخلي عن عملي وعن حياتي التي اعتدتها، لكن الأصعب كان ترك ابني طوال الوقت، لهذا كنت راضية بهذا القرار فأنا أدرك جيداً الفرق في التكوين النفسي للطفل الذي يكبر في حضن أمه والطفل الذي تظلمه الظروف ليحرم من حنانها، ولكن بالرغم من هذا لم تكن التجربة سهلة بالنسبة إلي، خصوصاً أن فترة انقطاعي عن العمل كانت طويلة كوني أنجبت ابنتي بعد عامين تقريباً لأبقى بعيدة عن العمل ما يقارب خمسة أعوام حتى الآن، وتوضح أنها الآن بعد أن اطمأنت على أبنائها وبعدما لازمتهم هذه الفترة الطويلة وأًصبح ابنها في المدرسة وابنتها أصبحت مستعدة للذهاب إلى الحضانة من دون خوف عليها، مستعدة للذهاب إلى العمل، وهي الآن تبحث عن عمل تتناسب أوقاته مع دوام أبنائها في المدرسة حتى لا تجعل هذا العمل يؤثر فيهم .

للتضحية درجات

ربما لا تكون التضحية في ترك العمل نهائياً، فغالباً تحدد الأم خياراتها وتفاضل بينها لتنتقي الأنسب لأبنائها، فبعد أن كانت رولا ألدن مديرة لأحد المحلات الكبيرة قررت التنازل عن عملها الذي كانت تنتظر ترقية فيه بسبب تميزها والتزامها - لأن الوقت والاهتمام الذي تعطيه للعمل أصبح يؤثر في أبنائها وأصبحوا ثلاثة لهذا قررت ترك العمل بدوام كامل لتعمل في شركة أخرى بدوام جزئي، تقول: "حتى هذه الساعات القليلة التي كنت أغيب فيها عن أبنائي لم أكن أستطيع الشعور براحة البال فيها، فمن الصعب على المربية إجادة التعامل مع ثلاثة أولاد، لهذا فكرت وقررت أن أفضل حل هو العمل في المنزل، وبالفعل وجدت شريكة لي وبدأت بمشروعي الخاص، وتضيف أنها تشعر بالأمان وراحة البال قرب أبنائها، وبأن هذه كانت أهم خطوة قامت بها في حياتها حيث استطاعت تحقيق النجاح في عملها الجديد الذي تحبه من دون الابتعاد عن أبنائها أو تدعهم يدفعون الثمن .

بعضهم يعتبرها مدرسة الإبداع
اهتمام الأم يثمر تفوق الأبناء

تربيهم كل شبر بندر وكل خطوة بحلم، فلكل إشراقة في حياة الأبناء لمسة حنون تزرعها الأم لتنمو تفوقاً وتميزاً وإبداعاً، وهنا نستعرض حكايات الأمهات حول مسيرة التفوق والتميز التي رافقن أبناءهن فيها .
لم تعط ابنتها السمك بل علمتها الصيد، تنبهت وفاء مبارك "موظفة في جهة حكومية" أن للثقة بالنفس والاعتماد على الذات قيمة كبيرة في حياة الإنسان ولهذا اختارت أن تبني لابنتها تلك العادات التي تدفعها نحو النجاح، تقول: دعمت ابني الأكبر كثيراً فاعتاد أن يعتمد علي، لهذا قررت ألا أكرر نفس الخطأ مع ابنتي مهرة التي تدرس في مدرسة الأصايل الإعدادية، فقررت مساعدتها من بعيد ومراقبتها تعتمد على نفسها، وبالفعل استطاعت أن تحقق الكثير وحدها، فهي معتادة على التفوق في دراستها منذ الصغر، كما أنها تنمي موهبتها في الرسم وتصميم الأزياء باستمرار، دعمتها وقمت بتسجيل دورة في التصميم لي ولها، لكي نستمتع سوية بممارسة الهواية التي نحب، كما أنها تهوى التصوير وتبدع في التقاط الصور المميزة .
ومثلها تعتمد أمل مصلح القحطاني "موظفة إدارية في مستشفى الشيخ خليفة" على ثقافتها ووعيها بأهمية عاملي الثقة والمسؤولية في تكوين شخصية الطفل وصقلها، استطاعت زرع بذرة التفوق في ابنتها من خلال توضيح الرسالة التي تربي أبناءها عليها، تقول: "أخبر أبنائي دوماً بأنهم سفراء الإمارات بتفوقهم، وأحاول تنمية مشاعر المسؤولية والانتماء فيهم، فأوضح لهم أن بلادنا لم تقصر معنا ومنحتنا كل ما نحتاج إليه لنكون مميزين بعلمنا وأخلاقنا، وعلينا رد الجميل ببذل كل ما في وسعنا لنقدم شيئاً لهذا الوطن الجميل، وعن طريقتها في التعامل مع ابنتها فاطمة "طالبة في الصف الثالث الابتدائي - مدرسة خليفة" فتوضح أنها تتعمد الاعتماد عليها ببعض المهام منذ الصغر كالإشراف على دراسة إخوتها الأصغر سناً لتنمي لديها حس المسؤولية القيادة، وتراقبها عن بعد لتتدخل عند الضرورة .
ولاشك أن لتنظيم الوقت دوراً كبيراً في الوصول إلى النجاح، وهذا ما أدركته وردة سعيد اليافعي "ربة منزل" لتعلم ابنها أهمية هذه العادة، حتى استطاع أن يحقق التميز في مختلف المجالات، فهو طالب متفوق في مدرسته، كما أنه يستمتع بممارسة هواياته التي يبرع فيها مثل السباحة وكرة القدم، وعن أسلوبها في رعاية أبنائها ودفعهم إلى التفوق، تقول: "ليست هناك طريقة خاصة، كل ما في الأمر أني أضع أبنائي على رأس قائمة الأولويات في حياتي ككل الأمهات، وألغي كل ما يؤثر في تقدمهم ونجاحهم، وأهتم بتنظيم وقتهم والتزامهم بمذاكرة دروسهم وحل واجباتهم كل يوم بيومه ولا أسمح بالتأجيل، وتضيف بأن للمدرسة دوراً كبيراً في تربية التفوق لدى الأبناء أيضاً .
ولعل شهادة الثانوية العامة تعتبر من أصعب التحديات الدراسية التي تواجه الطلبة، والتي استطاعت سارة أن تتغلب عليها بمساعدة والدتها أنعام قطيش "مدرسة لغة إنجليزية - مدرسة الجويزة للبنين" وعن طريقتها في دفع ابنتها لهذا التفوق، تقول: "كنت أهتم بأدق التفاصيل التي تخص ابنتي، وحرصت منذ كانت صغيرة على تربيتها لتكون متفوقة ومميزة، فاعتدت استخدام الكلمات التي تشعرها بالثقة وأبتعد عن انتقادها بكلمات تلصق بها صفة الفشل، أو تصيبها بالإحباط، فزرع الثقة في الأبناء من أهم واجبات الأهل، كما أن كسب ثقة الأبناء أمر ضروري لشعورهم بالاستقرار والاطمئنان للتوجيهات التي يتلقونها من ذويهم، وتوضح بأن ابنتها كانت تثق بتوجيهاتها وتطيعها حتى وإن كان ما تقوله يتعارض مع رغباتها، وكانت على يقين أن أمها أكثر خبرة ودراية في الحياة وأنها تختار لها الأفضل، وتخبرنا أنها خططت مع ابنتها الوصول إلى هذا التفوق منذ دخلت ابنتها المرحلة الثانوية، فبدأت بالتحضير للوصول إلى هذا الهدف بتنظيم نفسها ووقتها وأخيراً تضيف بأنها فخورة بأنها كانت قدوة لابنتها كونها كانت من الأوائل في دراستها هي أيضاً .
ومن أجمل التجارب التي نتعرف إليها لأمهات استطعن دفع أبنائهن إلى التميز والنجاح تلك القصة التي تخبرنا بها علياء بوشكاش "أم الطفلة خولة سعيد راشد الرايحي أول عازفة كمان محترفة في الإمارات" وتقول: "اكتشفت موهبة ابنتي في العزف على الكمان في سن مبكرة، كانت في السادسة من عمرها عندما بدأت ألحظ ميلها للموسيقى وللكمان تحديداً، فبدأت البحث عن مدرس ينمي لها هذه الموهبة وكنت أراقبها وهي تتعلم لأتعلم أنا أيضاً حتى أتمكن من متابعة تمرينها والتأكد من أنها تسير على المنحى الصحيح، وكنت أسجل المقطوعات التي يعزفها المدرس حتى أتمكن من تحديد الأخطاء التي تقع بها أثناء التمرين فأصححها لها وأجعلها تعيد العزف حتى وصلت إلى المستوى الاحترافي الذي أهلها لإثبات جدارتها واحتراف العزف وهي طفلة، وعن دراسة ابنتها توضح أن تنظيم الوقت لا يتيح فرصة للتشتت .
لا تزال رسومات الطفولة المبكرة على مقاعد الروضة مخبأة كأسرار جميلة في منزل الأم لطيفة سالم "مدرسة لغة عربية" حيث كانت تراقب هذه الموهبة الرائعة التي ورثتها ابنتها عن والدها، وتتأمل الإبداع وهو ينمو بداخلها يوماً بعد يوم، وتقول: "ابنتي ميرا كانت مميزة منذ الصغر، موهوبة في الرسم والكتابة ولقيت الدعم من كل من هم حولها، من المدرسة ومن والدها وعمتها ومني ، والحمدلله لم يؤثر شغفها بالرسم في دراستها يوماً، فهي تتطور يوماً بعد يوم، أراقبها وهي تبدع لوحاتها لتشارك في المعارض مرة تلو الأخرى، وتوضح أنها تحرص دوماً على إبقاء بيتها منظماً وأخذت ابنتها هذا الجانب منها، وتضيف أن الأبناء يتعلمون من تصرفات أهاليهم قبل الكلام والنصائح التي يقدمونها فقط" .
وكثيراً ما يرث الأبناء مواهب آبائهم ليتفوقوا عليهم، وما يجعل سميحة عبدالرحمن الزرعوني "ربة منزل" مغمورة بالسعادة، حيث تشعر بالفخر حين تراقب تميز ابنتها الصغيرة فاطمة الزرعوني في الرسم وفي تصميم الأزياء لتتوقع لها مستقبلاً رائعاً في هذا المجال، تقول: "كنت موهوبة في الرسم في الصغر، لكن ابنتي تجاوزتني بكثير، وكم أشعر بالسعادة عندما أراقب تطور موهبتها وأتابعها مع مدرساتها، لأشعر بسعادة لا توصف عندما يخبرنني أنها تمتلك موهبة رائعة"، وعن خطتها لدعم ابنتها توضح أنها تتابعها دوماً وهي تستخدم التكنولوجيا لتطور موهبتها، كما أنها تتبع أخبار دورات التصميم والرسم لتسجل فيها، وتشجعها على الاستمرار في القيام بما تحب .
وتعتمد تربية التفوق على مكونين أساسيين حسب د . جاسم المرزوقي "مستشار نفسي" أولهما قدرات الطفل، وثانيهما المهارة والمعرفة اللازمة لدى الأم لرعاية هذا التفوق، فالأمر يتوقف على تفاعل هذين المكونين مع بعضهما ليؤديا إلى تحقيق التفوق، ويقول: "الأم التي تسعى لأن يحظى أبناؤها بالتفوق تتعب في تطوير نفسها من أجلها أكثر مما يتعبون هم في السعي للحصول على هذا التفوق، فهي تلتزم في تطوير ذاتها ومعارفها وخبراتها، وفي متابعة الأبناء وإلحاقهم بالأنشطة التي تدعم تفوقهم، ويؤكد أن هناك الكثير من الأطفال الذين يمتلكون القدرات، ولكنهم يفتقدون الحافز الذي تزرعه التربية القائمة على الالتزام والانضباط والتشجيع وهذا ما تقوم به الأم أولاً"

هدايا الصغار عزف على وتر البراءة

في خزائن القلب تخبأ تلك الذكريات، حيث عطر طفولتهم يحتفي بأمومتها ويذكرها مع كل عبير بذاك الحب والامتنان الذي تكنه قلوبهم الصغيرة لها، ليكبروا وتكبر هداياهم وتظل تردد بفخر ممزوج بالرضا "تذكروني وأحضروا لي الهدايا"، إنها الأم ذاك القلب الكبير الذي لاينسى أي تفصيل لهم، والذي لا ينتظر منهم أي مقابل سوى أن تبقى حاضرة في خواطرهم ليتذكروها .
ربما تكون أول هدية تتلقاها الأم في هذه المناسبة من الزوج نفسه، كما حصل مع شفيقة سيد عبدالعزيز "موظفة في قسم التموين في جمعية بيت الخير" فهي لاتنسى الهدية الأولى بمناسبة دخولها عالم الأمهات عندما أنجبت ابنها الأول عام 1983 وكانت سلسلة ذهبية تحمل قلب المحبة تقديراً لها من زوجها في عيد الأم، أما عن الهدية الأولى من أبنائها فكانت من ابنها الأكبر عندما كان في الصف الأول الابتدائي حين بدأ يدرك قيمة هذه المناسبة، وتقول: "هدايا أبنائي عندما كانوا صغاراً رمزية، ومازلت أذكر فرحتي بحجاب الصلاة الذي أحضره لي ابني البكر وكان هديته الأولى لي، وأذكر أنه اشتراه يومها بثمانية دراهم لكنه كان ذا قيمة عظيمة بالنسبة لي، أما ابني الثاني فكانت هديته الأولى لي ملاقط للشعر بأربعة دراهم فقط" . وبالطبع اختلفت الهدايا عندما كبر الأبناء وأصبحوا يعتمدون على أنفسهم ويعملون، فالفتيات يفضلن إهداءها القطع الذهبية بين الحين والآخر، والهواتف المتحركة، أما آخر هدية تلقتها من أبنائها فكانت قطعة أرض .
أول هدية قدمها لها ابنها من راتبه الشخصي كانت مفاجأة بالنسبة لسناء قطب أحمد "موظفة في هيئة آل مكتوم الخيرية" عندما أتى من بريطانيا حيث يعمل ليسعدها في عيد الأم ويهديها الأسهم التي اشتراها لها من إعمار، وتقول: "كنت أجمع له راتبه ليتزوج، وبعد ذلك قرر شراء أسهم في إعمار وكان يثق بي ويجمع راتبه عندي حتى اشترى عدداً من الأسهم في الشركة، ولم أكن أتوقع أنه يشتريها ليهديها لي" .
وفي منزل الأم زينب السيد أم سعيد كانت العطور الخيار المفضل لدى أبنائها عندما كانوا صغاراً، لكنهم حينما كبروا أصبحوا يدرسون هداياهم لها فيبحثون عن الأشياء التي تحتاجها، أو تلك التي تفرحها أكثر من غيرها، وتقول: "يحب الأبناء أن يريحوا أمهم عندما يكبرون فيبحثون عن أحدث الأجهزة التي تساعدها في المطبخ، ولدي الكثير من الأدوات الكهربائية من أبنائي"، أما عن الهدايا التي تحتفظ بها وتشعر بأن لها خصوصية عندها فتذكر طقماً من اللؤلؤ أحضرته لها ابنتها في عيد الأم أعجبها كثيراً .
وربما تكون الهدية التي تسعد الأم أبسط من أن تكلف الأبناء درهماً واحداً، فالمشاعر الصادقة والجميلة لا تحتاج إلى المال لتسعدنا كما تصفها ناجلة حمو "ربة منزل" وتقول: "تفاجأت كثيراً عندما وجدت ابنتي ذات الاثني عشر عاماً صممت بطاقة إلكترونية كتبت عليها كلمات ألفتها بنفسها لتضعها على صفحتي على الفيس بوك وتكتب لي فوقها "إلى أجمل أم في العالم"، وتكمل بأنها تأثرت كثيراً بهذه الهدية البسيطة والمعبرة وشعرت بسعادة عارمة لأن ابنتها كبرت وأصبحت تجيد التعبير عن مشاعرها التي لم تكن تنتظرها، فالأم تعطي ولا تنتظر مقابلاً، وتعتبر أي لفتة جميلة من أبنائها مكافأة كبيرة وفرحة لا تنسى .
ومثلها فاطمة أم سليمان "ربة منزل" لاتزال تذكر بكثير من الحب ذاك اليوم الذي أتت فيه ابنتها الكبرى ذات الأعوام السبعة وقد بذلت مجهوداً في تزيين علبة الحلويات وتغليفها بالقماش المخملي من الخارج والداخل لتبدو وكأنها صندوق مجوهرات، وتقول: "كنت متفاجئة ببراعة ابنتي الصغيرة في صناعة هذه العلبة الجميلة التي زينتها بالدانتيل ووضعت صورتي بداخلها وكتبت عليها من الخلف عبارة (أحبكِ أمي)، وتضيف أن ابنتها كانت مشاكسة على خلاف إخوتها ولم تكن تجيد توفير مصروفها، وأثر بها أن يشتروا لي الهدايا وتعجز هي عن شراء هدية لي مثلهم، لهذا بذلت مجهوداً لتصنع لي هذه العلبة التي أسعدتني لدرجة لا توصف، حتى أن عيوني أدمعت وأنا أحتضنها، وأعطيتها مبلغاً من المال لتشتري لي هدية حتى لا تشعر بأنها أقل من إخوتها" .
ولاينسى الأبناء أيضاً الهدايا الأولى التي قدموها لأمهاتهم حتى وإن كانت بسيطة، فلاتزال رهف درويش "ربة منزل" تتذكر العقد الفيروزي الذي بقيت تمر أمام المحل الذي يعرضه يومياً لمدة أسبوعين وتؤكد على صاحب المحل ألا يبيعه أحداً لأنها كانت تجمع ثمنه لتشتريه لوالدتها، وتقول: "كنت في الصف الثاني الابتدائي، ولم أستطع جمع ثمنه كاملاً حينها، فذهبت إلى والدتي وطلبت منها أن تكمل لي المبلغ لأن والدي تأخر في العمل يومها، وأصدرت على ألا أخبرها ماذا سوف أفعل به، وكونها كانت تعلم لم تناقشني طويلاً، وكانت سعادتي لا توصف وأنا أشتري العقد أخيراً لأقدمه لها" .
وعن قيمة الهدية التي يحضرها الأبناء للأم يخبرنا د . نادر ياغي "أخصائي الطب النفسي والبرمجة اللغوية العصبية" إن هذه الهدية تحمل قيمة معنوية رائعة بالنسبة للأم، فرغم أن الأبناء في طفولتهم ربما يتقاضون ثمن هذه الهدايا من الأم نفسها قبل المناسبة بيوم، إلا أن الأم تحب أن تتفاجأ بهداياهم التي اختاروها لها، لتعرف إن اختار لها الأبناء أشياء تحبها، أو تلك التي يحبونها هم، ويقول: "بغض النظر عن القيمة المادية للهدية، سواء كان ابنها كبيراً أم صغيراً، الأم تنظر إلى هدية عيد الأم كنوع من المحبة والتقدير، ومن الملاحظ أن الأبناء والبنات أذكياء وقادرون على ملاحظة ماتحبه أمهم حتى وإن كانوا صغاراً وربما يحضرون لها أشياء تجعلها تبكي من شدة الفرح، وعن أكثر الأشياء التي يحضرها الأبناء للأم بحسب الدراسة التي قام بها مركز د . نادر ياغي للدراسات يشير إلى أن الأدوات المنزلية التي تستخدمها الأم تأتي بالدرجة الأولى وفي هذا دلالة على رغبة الأبناء في إراحة الأم من أعباء التنظيف والعمل المنزلي، ويكمل أن الدراسة بينت أن الرجال يفكرون بالأم من ناحية دينية فأغلب الهدايا تكون عبارة عن مصاحف إلكترونية أو تذاكر سفر لأداء فريضة الحج أو العمرة، أما البنات فيتجهن للأشياء الأكثر خصوصية ورومانسية، ويضيف أن الأمهات يحتفظن بهدايا أبنائهن منذ طفولتهم، وكثيراً ماتردد عبارة (ابني تذكرني وأحضر لي) ويتباهين أمام صديقاتهن بتذكر أبنائهن الذي يدل على محبتهم، ويبين أخيراً أن هواية الأم في جمع أغراض وهدايا أبنائها يختلف عن هوايات جميع الأشياء، فالأمهات يجمعن ذكرياتهن مع أبنائهن ويخبئنها بمشاعر مختلفة لاتشبهها أي مشاعر أخرى .

تذكارات في القلب

هدايا الأمهات لأبنائهن تظل لها خصوصيتها وقيمتها المعنوية العالية، خاصة تلك التي يحب الأبناء الاحتفاظ بها فمازالت بسمة أم سيف "مشرفة في هيئة الإمارات للهوية" تحتفظ بهدية أمها لها مذ كانت حاملاً بطفلها الأول، وكانت كتاباً يتحدث عن تربية الطفل والعناية به، وتقول: "هذا الكتاب له أثر خاص عندي، أولاً لأنه من أمي، وثانياً لأنني استفدت منه كثيراً" . من بين كل المجوهرات التي تحتفظ بها فاطمة الشيخ "ربة منزل" في صندوق مجوهراتها تعتبر العقد الذهبي الذي أهدته لها والدتها ليلة زفافها الأغلى والأقرب إلى قلبها، وتقول: يرتبط هذا العقد بكل تلك الذكريات التي تتزامن مع خروجي من منزل أهلي إلى منزل زوجي، ولا أنسى عيون أمي الدامعة وهي تبتسم عندما قدمته لي، حيث كنت الكبرى بين أخوتي ولم يكن الموقف سهلاً علي أو عليها، لهذا أعتقد أني إن فكرت في أغلى هدية أقدمها لابنتي يوم زفافها فلن أجد أغلى من عقد جدتها الغالي على قلبي .