نشأت "هناء" في كنف أسرة فقيرة يبحث فيها والدها العامل البسيط عن الرزق بصعوبة بالغة من أجل إطعام أبنائه، حصلت على دبلوم الثانوي التجاري بعد سنوات عدة من الرسوب، نظراً لأنها لم تشعر يوماً بحاجتها إلى التعليم بالرغم من الفقر المدقع الذي تعيش فيه أسرتها، فجمالها لا تخطئه عين وقوامها تحسدها عليه كل البنات، ومنذ أن تفتحت عيناها على الحياة وهي تشعر بأنوثتها بقوة، ولا تمل من النظر في المرآة والاهتمام بملابسها، رغم بساطتها وتتفنن في اختيار الألوان التي تتناسب مع بشرتها بعناية بالغة، ومع مرور الوقت أصبحت متمردة على أسرتها وتميل إلى الاستقلال بقرارها، وعبثا حاول والدها التقرب منها وإسداء النصيحة إليها بشكل غير مباشر في جلسات ود وصفاء، لتقويمها بالحسنى، لكن كانت تطلعاتها التي تفوق قدراتها بكثير، ويستحيل تحقيقها بالطرق المشروعة تجعلها تستمع إلى حديث والدها من إحدى أذنيها وتخرجه مباشرة من الأذن الأخرى من دون أن تحاول مجرد استيعابه أو التفكير فيه، خاصة وأن أمها كانت تؤكد لها بصفة مستمرة أنها تستحق عريساً ثرياً يستطيع بأمواله أن يصون هذا الجمال الذي تتمتع به . وقبل حصولها على الدبلوم كان طابور طويل من العرسان يتهافتون عليها يطلبون يدها لكنها ترفض وتتدلل، فقد كانت مقتنعة أنها تستحق زوجاً ثرياً له منزل واسع ويستطيع أن يشتري لها الفساتين الفاخرة التي تظهر جمالها وتبرزه، وبعد حصولها على الدبلوم، وباعتبارها أكبر أخواتها، كان لزاماً عليها البحث عن عمل لمساعدة والدها في تحمل نفقات الأسرة، قرأت إعلاناً في إحدى الصحف عن شركة تطلب سكرتيرة تجيد الكتابة على الكمبيوتر، فأسرعت إلى الشركة وحصلت على الوظيفة وكان جمالها هو جواز المرور، بعد نحو عام تزوجت سكرتيرة صاحب الشركة وتقدمت باستقالتها فبحث عن بديلة لها ضمن موظفاته واختار "هناء" للعمل معه، في البداية حلمت بما ستتقاضاه من حوافز ومكافآت، لذلك أخرجت كل مدخراتها واشترت ملابس جديدة تليق بموقعها الجديد فازدادت جمالاً وجاذبية، وكان أول المنجذبين إليها "هاشم" صاحب الشركة الذي تجاوز الخمسين من عمره وبدأ يغازلها بنظراته، كان "هاشم" رجلاً عصامياً بنى نفسه بنفسه وحقق ثروة طائلة، وأصبح واحداً من كبار رجال الأعمال وبقدر سعادته بتحقيق الثراء، فقد كان يشعر بالتعاسة في حياته الخاصة، فقد كانت زوجته مشغولة عنه باستمرار، كأن كلاً منهما كان يبحث عن الآخر، ولم تصده "هناء"، وبقدر ما طمع هو في جمالها وشبابها، طمعت هي في ثروته وبدأت تحلم بالزواج منه، رغم أنها تعرف أنه متزوج ولديه طفلان من زوجته، ولن يستطيع تطليقها، ومع الوقت أخذ يشكو لها من الجدب الذي يعانيه في حياته فانتهزت الفرصة لتؤجج نار الشوق والرغبة لديه حتى شعر بأنه لا يستطيع الاستغناء عنها، وأن الساعات القليلة التي يلتقي فيها معها غير كافية، فعرض عليها الزواج ووعدها بشراء شقة تمليك باسمها مجهزة تجهيزاً كاملاً، إضافة إلى مبلغ كبير في البنك باسمها فكادت "هناء" تطير من شدة الفرحة، وأخبرت والدها بالعريس الذي يطلب يدها لكن والدها ثار واتهمها بالجنون على سوء اختيارها، فالعريس غير مناسب بكل المقاييس فهو أكبر منها بسنوات طويلة إلى جانب أنه متزوج ولديه طفلان، والمؤكد أنه سوف يعود إلى بيته الأول بعد أن يشبع منها، وبكل بساطة هددته أنها يمكن أن تتزوج من دون علمه فخشي والدها من تنفيذها لتهديدها، واضطر إلى الموافقة على مضض وأخبرها أنه سوف يقاطعها هو وجميع أفراد الأسرة فلم تهتم، تم الزواج سريعاً بعد أن أودع "هاشم" المبلغ الكبير المتفق عليه في البنك وجهز الشقة الفاخرة التي وعدها بها، وسافرا إلى "إيطاليا" لقضاء شهر العسل وبعد عودتهما سارت بهما الحياة كأنشودة هادئة، كلها سعادة، فكل منهما يتبارى في إسعاد شريك حياته بعد أن تم تنظيم الأوقات التي يزورها فيها بحيث لا تتعارض مع عمله أو أوقات وجوده مع أسرته، وبالطبع كانت لا تتعدى الساعات القليلة ومع ذلك لم تشعره "هناء" في البداية أبداً بأنها الزوجة الثانية بل ظلت الحبيبة التي يشتاق إليها حبيبها، كما أنها لا تتحدث معه عن زوجته الأولى أو تبدي غيرتها منها، مما جعل "هاشم" يزداد حباً بها، خاصة أن زوجته الأولى "سميرة" عندما عرفت بزواجه، وحاولت أن تضيق عليه الخناق هددها بأنها يمكن أن تدمر بيتها وتشرد طفليها فتراجعت وتركته يفعل ما يشاء، لكن بعد أشهر قليلة من الزواج بدأت المشكلات تطل برأسها وأصبحت "هناء" في حالة حزن واكتئاب دائمين وأرجع "هاشم" ذلك إلى ما تسمعه من أمها، وكانت الوحيدة التي تزورها من دون علم والدها فكانت تؤكد أن غضبها هو بسبب تركها وحدها، بينما زوجته الأولى لديها طفلاها، وتطور الأمر عندما لاحظ "هاشم" أنها كثيرة الخروج من دون الحصول على إذنه وتتعلل بأسباب مختلفة وعندما واجهها فوجئ بها تعلنه بصوت مرتفع أنها ليست سجينة، ويكفي أنها تركت أهلها من أجله، وعليه أن يقدر هذا الجميل، لكنها اكتشفت أنه مثل كل الرجال لا يكاد يمتلك المرأة التي يحبها حتى يظن أنها ضمن ممتلكاته، أدرك "هاشم" أنها تغيرت ومع ذلك تمالك نفسه وأخذ يعاتبها ويعتذر لها ويؤكد أنه مقدر لما فعلته لكن عليها أيضاً أن تقدر تضحياته ببيته وأولاده، ولولا حبه لها ما اهتم بخروجها أو غيابها، كما أنه يكافح في العمل طوال اليوم، ويتم الصلح لأيام معدودة ثم تعود المشكلات وتزداد الأمور سوءاً حتى فوجئ بها في إحدى المعارك التي أصبحت شبه يومية تطلب منه تطليقها إن كان يشك فيها . ومع تكرار المشاجرات أصبحت كلمة "الطلاق" على لسانها في كل معركة حتى لو كانت تافهة، ومعنى ذلك أن تحصل على مؤخر الصداق الكبير الذي وافق عليه اعتقاداً منه أنه لمجرد التظاهر أمام الأهل والجيران كما أقنعته، علاوة على نفقة المتعة، وأيضاً تفوز بالشقة والمبلغ الذي وضعه في البنك باسمها ويكون هو الوحيد الخسران، وعلاوة على الخسارة المادية فسوف يكون مطعوناً في قلبه طعنة دامية، وبالطبع لن يسمح بذلك مهما كانت الظروف أو المشكلات التي تثيرها لإرغامه على تطليقها ومن دون مقدمات لمعت في رأسه فكرة أن كثرة المعارك التي تفتعلها قد يكون وراءها ظهور رجل آخر في حياتها، فشعر نحوها بالكراهية، وإن كان لم يستطع مواجهتها حتى فوجئ يوماً بأنها غيرت "كالون الباب" وأخبره الجيران بأنها ذهبت إلى بيت أهلها فأسقط في يده، فقرر الانتقام منها وحرمانها بالطرق كافة من تحقيق حلمها في الطلاق، والفوز بأمواله، ثم الزواج من غيره، وأخذ يسير في الشوارع من دون هدف حتى وجد نفسه بالقرب من بيت أهلها فصعد وأخذ يسترضيها وهو يبكي حتى وافقت على العودة إلى عش الزوجية، وبعد تناول الطعام كان العتاب والصلح، لكنها في المساء عندما وجدته يرتدي ملابسه ويستعد للخروج للعودة إلى عمله، كما قال، طلبت منه عدم الخروج فقد اعتقدت أنه سيذهب إلى زوجته الأولى لكنه أصر على الخروج بحجة أن لديه أعمالاً مهمة فكذبته وأخذت تسبه بأبشع الألفاظ فانهال عليها بالضرب فأسرعت إلى المطبخ وأحضرت سكيناً تهدده بها فضربها بقدمه في بطنها فسقطت السكين من قبضتها وأمسكت ببطنها وهي تصرخ فالتقط السكين وانهال عليها بالطعنات حتى سقطت على الأرض جثة هامدة، بعد قليل أفاق "هاشم" وتوجه إلى الحمام واغتسل ووضع ملابسه الملوثة بالدماء في حقيبة وتسلل من الشقة بهدوء حتى لا يشعر به الجيران وبعد قليل كان في طريقه إلى خارج البلاد، بعد ثلاثة أيام شمَّ الجيران رائحة الجثة فأبلغوا الشرطة وتم العثور على الجثة، وكشفت التحريات عن الخلافات المحتدمة بين القتيلة وزوجها رجل الأعمال، وأنه سافر إلى الخارج في وقت معاصر لارتكاب الجريمة، وفور عودته ألقي القبض عليه ولم يجد أمامه سوى الاعتراف تفصيلياً وأمرت النيابة بحبسه على ذمة التحقيق بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار .