يواجه كثير من الشباب المغترب صعوبات كبيرة في العثور على الزوجة المناسبة بحثاً عن الاستقرار الأسري والاجتماعي في خضم حياة مملوءة بالعمل بعيداً عن الأهل والوطن، وتتعد وسائل البحث لديهم من أجل تحقيق ذلك، فمنهم من يفضل الزواج على طريقة الارتباط العاطفي، وآخرون ينتظرون ما تسفر عنه ترشيحات الأقارب والأصدقاء . . وفي هذا التحقيق نسلط الضوء على التحديات والصعوبات التي تواجه زواج المغتربين .
البحث عن شريكة حياة بعيداً عن الوطن مسألة معقدة، هذا ما عبر عنه محمد شتات الشاب العشريني الذي يعمل موظفاً في بنك قائلاً: كون كل وقتي لعملي، بعيداً عن أهلي وأصدقائي، كنت أواجه صعوبة في العثور على الزوجة المناسبة حتى كدت أعتقد أنني لن أتزوج نهائياً وأعيش بمفردي طوال حياتي، لكني وفقت أخيراً في الارتباط بزميلتي في العمل وتمت خطبتي بعد رحلة عناء من البحث .
ويضيف: كثير من الشباب يواجهون صعوبة في مسألة الزواج نظراً لما ساد لديهم من تقاليد وعادات بضرورة الزواج من فتيات عائلته أو وطنه، وهو ما جعل كثيرين منهم يعلقون الارتباط لفترات طويلة وحصر عملية البحث عن الفتاة بسفره إلى مسقط رأسه خلال فترة الإجازة السنوية التي لا تزيد على شهر .
وتتحسر الموظفة هالة على اختيارها وزواجها من مغترب بعيداً عن أهلها بالقول: تعرفت إلى أحد زملائي في العمل وظل يتودد إلي، وكأي فتاة كنت أحلم ببناء البيت والزواج والحياة الكريمة وتخاف من فوات الأوان والوصول إلى مرحلة العنوسة، لكن بعد الزفاف حدثت مشكلات كثيرة، حينها كان الطفل الأول في الطريق فكنت أسأل نفسي هل أستمر، أم ماذا؟ توقفت عن الكلام لبرهة وانهمرت الدموع من عينيها، ثم تابعت القول: احتكمت لعقلي وقبلت استكمال مشوار الحياة مع زوجي لأنني بعيدة عن عائلتي الكبيرة، وكلي أمل بأن تتحسن الأحوال بيننا، لكن الأمور تعقدت وحصلت على الطلاق بعد عامين من الزواج، فقررت أن أتولى تربية طفلي وهذا أجمل ما خرجت به من الدنيا .
أما خبير التقنية ياسر مصطفى فله تجربة مختلفة يقول عنها: تزوجت بإحدى بنات بلادي وكانت مغتربة مثلي، ولكن اختلاف الطباع أدى إلى تباين في التوجهات والطموح ومنهج الحياة اليومي، ما أدى إلى الوقوف عند كثير من مفترقات الطرق بشكل متتابع، وهذا ما جعل الحياة بمنظور واحد للمستقبل معاً أمر مستحيل، وعندما أنظر إلى الماضي لا أحبذ أن أرتبط مرة أخرى بنفس الجنسية، لأن الكثير ممن تربوا في الغربة امتزجت ثقافتهم بالثقافة الغربية فأصبحت هجيناً، لا هي عربية ولا غربية، وأصبحوا يفتقرون إلى الثقافة العربية الأصيلة التي تربوا عليها، فصار من الصعب أن أجد شريكة حياتي خلال اغترابي .
بينما تتذكر المحامية أسماء عبدالسلام قصة زواجها بعد أن أتت إلى دبي مع أهلها وكانت تعمل بإحدى الشركات العقارية ولم يكن لديها الكثير من المعارف والأصدقاء، فكانت تقضي يوم إجازتها في النادي الاجتماعي المصري، وتعلق: كنت أشارك في فعاليات النادي، وكان زوجي قد حضر إحداها، وأبدى لي إعجابه وحاول أن يتعرف إلى أسرتي وأن يعطيهم معلومات عنه حتى يسألوا عنه في عمله، وبالفعل تم الزواج ونعيش حياة سعيدة رغم القليل من المشكلات التي كنا نعانيها في البداية .
وتؤكد أن الزواج عن طريق تعارف الأسر هو الطريق السليم نحو زواج ناجح، إذ يتيح لكل طرف أن يتعرف إلى حياة الآخر وتقاليده وعاداته وغيرها من الأمور التي يجب أن تكون واضحة قبل اتخاذ خطوة الارتباط .
غير أن سفيان الشاب الثلاثيني، موظف، الذي قضى سنوات طويلة من عمره ولم يرتبط يشكو من قلة الفتيات من بنات جنسيته داخل الدولة، وهو ما يمثل له سبباً رئيساً في تأخر زواجه حتى الآن، ويقول: لم أخطط يوماً لأن أرتبط بفتاة من جنسية أخرى وقمت بمحاولات كثيرة أثناء إجازاتي السنوية المتتالية في البحث عن عروس مناسبة، لكن قلة وقت الإجازة حال دون ذلك، وفضلت الابتعاد إلى أن أوفق في العثور على الفتاة التي تكمل معي بقية مشوار حياتي .
ولا يجد سامح سالم، موظف، مشكلة في الارتباط بفتاة لم يرها قبل ذلك، ويسرد قصته بالقول تركت الاختيار للعائلة التي أخذت على عاتقها رحلة البحث عن عروس، وأخيراً وجدوا العروس المنتظرة وكانت المشكلة الكبرى هي عدم معرفتي بها إلا عن طريق الصور التي أرسلت إليّ عبر البريد الإلكتروني، وبدأت رحلة التعارف بها عن طريق مواقع الدردشة التي عمقت وسهلت عملية معرفتي بشريكة حياتي . ويتابع سامح: كان مستحلياً من دون هذه الوسائل الإلكترونية الحديثة التعارف، وها نحن نتفق على تفاصيل حفل الزفاف وترتيب البيت ونوع ولون الأثاث عبر الإنترنت .
ضيق الوقت لدى البعض قد يكون حجر عثرة أمام الارتباط، هكذا عبر محمد علي عبدالشافي (27 سنة) عن صعوبة الزواج، ويقول: حاولت أن أرتبط خلال فترة إجازتي السنوية ولكني لم أوفق لضيق الوقت، وأحلم بأن أرجع إلى بلدي وأختار العروس التي أتمنى أن أكمل حياتي معها ولن أعتمد على أسرتي في اختيارها، كون الأسرة ترى بمنظور محدود .
ويستعرض محمد أحمد مطاوع قصة ارتباطه بزوجته عاطفياً قبل أن يغترب وينظر إلى ابنه وزوجته ويسترجع بذاكرته قصة تعرفه إليها قائلاً: لم أجد صعوبة في اختيار شريكة حياتي، حيث كانت تربطني بزوجتي علاقة عاطفية منذ أيام الدراسة، وأنا على يقين أنني وفقت في الاختيار قبل أن أغترب وأبتعد عن أسرتي وأصدقائي، وكأي زواج حديث كانت توجد مشكلات على عكس الاعتقاد السائد أنني أعرفها ودرسنا سوياً ولكن الصعوبات كانت في البداية فقط، ونحن الآن نعيش في تكامل وانسجام .
ويضيف: نجاحي في الارتباط قبل السفر كان أفضل قرار اتخذته في حياتي، حتى لا أتخبط بالاختيار كالعديد من أصدقائي الذين سافروا ولم يكن لديهم خيار غير المتاح، وهو ما يترتب عليه العديد من المشكلات الاجتماعية حيث يكون الاختيار للأهل من دون معرفته برفيقة الحياة التي قد ينسجم وقد لا ينسجم معها لسرعة الارتباط وعدم معرفتهم ببعضهم بعضاً، وهناك من استسهل وفضل الارتباط بأجنبية، ما أحدث شرخاً في حياته الاجتماعية والثقافية وبعده عن أهله ومجتمعه الثقافي، ومنهم من اختار ألا يرتبط خوفاً من الفشل وفضّل عدم خوض التجربة .
الارتباط بفتاة أجنبية أفضل من الانتظار طويلاً أو البحث عن عروس مناسبة في بلدي، هكذا قال أحمد عثمان الشاب العشريني، ويكمل: ارتبطت بفتاة أسيوية، ومن وجهة نظري لا أجد أن اختلاف الثقافة والتفكير سيكون عائقاً بيني وبينها، ولكن المشكلة الكبرى هي رفض عائلتي وعدم تقبلهم لهذا الارتباط الذي نادراً ما يحدث بين أبناء الريف الذين اعتادوا التزاوج من الأقارب والعائلات المعروفة من داخل القرية، وكانت الخطوة الأولى وهي تعريفها بالأسرة والحديث معها عن العادات والتقاليد العربية، والريف المصري بصفة خاصة، وأتمنى نجاح التجربة .
شروط تضمن النجاح
علق أحمد سليمان الحمادي، مستشار قائلاً: أسري والمدير العام لمراكز الناشئة بالشارقة، إن الزواج رباط اجتماعي لا تتغير ثوابته أينما كان، وقد يكون ناجحاً أو فاشلاً سواء كان لدى المغتربين أو غيرهم، فيكون ناجحاً عندما تتوافر فيه الشروط المطلوبة وأهمها القبول والرضا بين الطرفين ووجود الغاية النبيلة من ورائه، لا الزواج المؤقت الذي يسعى إليه بعض المغتربين .
وأضاف: الأصل في الزواج هو تحقيق الغاية منه وهي عمارة الأرض بإنجاب أبناء صالحين ليتحقق الاستقرار وتنعم المجتمعات بالأمان، وتبقى الغاية هي ما يحدد زواج المغترب، فإذا كان المقصد هو الزواج بأصوله ومفهومه الصحيح، فحتماً سيكون ناجحاً ولن يكون زواج صالونات كما يسميه البعض، وينعكس إيجاباً على المجتمعات التي يعيشون بها فتقل نسب الاعتداءات وفعل المحرمات وغيرها، ولكن إذا تحدثنا عن زواج الصالونات فحتماً إن تأثيراته سلبية لأن الغاية لحظية وبمجرد انتهائها تنتهي معها الحياة الزوجية التي ينجم عنها ارتفاع نسب الطلاق، وقد ينتج عن هذا الزواج السريع ذرية سيكون مصيرهم الحرمان والمعاناة التي قد تؤدي إلى نتائج سلبية ومشكلات محتملة .
ويوضح: هناك نماذج إيجابية لدى بعض زيجات المغتربين، لأن الغاية كانت واضحة والمنهج كان صحيحاً . ومن الواجب على المغترب أن يراعي ربه أولاً لأن الزواج له تبعات يجب أن يتحملها، كما أنه من الواجب عليه معرفة قوانين وأنظمة البلد التي يعيش فيها وكذلك قوانين بلده عندما يفكر بنقل زوجته وأبنائه حتى تتحقق الغاية من الزواج، فالزواج لم يوجد للحصول على جنسية بلد ما، أو قضاء نزوة طارئة وإنما وجد لتحقيق غاية نبيلة أرادها رب العالمين للبشرية .