لم تكن قصة حب هي التي جمعت بينهما، لكن بعد حصول «سالم» على دبلوم فني متوسط في مجال المكيفات وبعد أن انتهى من أداء الخدمة العسكرية وفق في الحصول على عمل في مجال تخصصه في إحدى الشركات، دعاه صديقه في أحد الأعياد لزيارته في قريته وتناول الغداء معه وتصادف وجود «زهرة» ابنة خالة صديقه التي حضرت لتساعد خالتها في إعداد الطعام، فانبهر بجمالها وفتح قلبه لصديقه وأخبره بمدى إعجابه بابنة خالته وأمنيته في أن تكون شريكة حياته، فأبدى صديقه موافقته ورحب بأن يكون واحداً من العائلة، وبعد أيام قليلة حدد له موعدا لخطبتها وحصل على الموافقة من والدها على الفور، ولم تستطع «زهرة» الرفض واستسلمت لمصيرها رغم أن العريس كان يخلو من جميع المواصفات الشكلية التي تمنتها، كما أنها لم تكن تعرفه من قبل.
تم الزواج بعد ثلاثة شهور فقط من الخطوبة ولم يلتقيا سوى مرات قليلة نظراً لبعد المكان، وانتقلت «زهرة» لتقيم مع زوجها في شقته المتواضعة في إحدى المناطق الشعبية التي كان قد جهزها وأعدها للزواج، وتركت قريتها بتقاليدها القاسية وعاداتها المتزمتة، لتقيم في العاصمة التي كانت تحلم بأن تطأها قدماها.
في البداية ولمدة 3 سنوات تقريبا كانت «زهرة»الزوجة التي توقعها «سالم» تطيعه وتسعى لتلبية رغباته وتنفيذ أوامره حتى كان يحسد نفسه عليها، ولم تشعره أبدا بأنها ينقصها أي شيء، ولا تتردد في إظهار حبها بوضوح أمام أقاربه وأصدقائه الذين يزورونه بالمنزل، حتى إنهم كانوا يحسدونه عليها، فشعر بالراحة وبأنه أحسن الاختيار، خاصة عند اكتشافه أنها تتمتع بذكاء أنثوي شديد ومدركة لكل شيء حولها، وكلل الله سعادتهما بأن رزقهما بولد يدعى «عبد الله» وبنت اسمها «لبنى»، لكن دوام الحال من المحال.
تعرفت «زهرة» إلى جارتها بالشقة المقابلة، وبدأت تتحدث معها وانبهرت بما تسمعه، فهي تخرج بمفردها للتسوق وشراء مستلزمات المنزل من دون أن يرافقها أحد، كما كانت تخرج لزيارة صديقاتها أو قريباتها بمفردها، وتدريجياً بدأت تأخذ زهرة معها لتعرفها الطريق وبعض البائعين، لكن سالم رفض خروج زوجته دون إذنه، وفي الحقيقة كان رافضا لاختلاطها بجاراتها خشية من اختلاف العادات والتقاليد، وكلما طلبت منه الخروج مع إحدى جاراتها يرفض ويتعلل بأنهما سوف يخرجان سوياً يوم إجازته، ولأن ذلك لم يحدث إلا نادراً فقد كانت زهرة تخرج بمفردها، وما أثار غضبه أنها بدأت تطلب منه بعض المبالغ المالية وتشتري ملابس ومستحضرات تجميل وتتزين وتخرج دون إذنه رغم أنه حذرها أكثر من مرة بعدم مغادرة المنزل دون استئذانه، وعندما يحاول الاستفسار منها عن أسباب خروجها من المنزل لا تقول له شيئا مقنعا يشفي غليله، كما لاحظ أنها تتحدث في الهاتف ساعات طويلة بصوت هامس وعندما يسألها تقول إنها تتحدث مع إحدى صديقاتها، كما بدأت في اختلاق المشاكل والتظاهر بالغضب بسبب أو من دون سبب حتى تترك له حجرة النوم لينام بمفرده.
حاول في البداية تكذيب ظنونه وتمنى ألا يفقد الثقة في زوجته، لكن خروجها المستمر دون إذنه ورفضها الإفصاح عن الأماكن التي تذهب إليها جعل شكوكه تزداد، لكنه لم يستطع أن يتناقش معها في ظنونه، فقد تكون هذه الظنون كاذبة وساعتها إما أن تسكت وقد تمارس ما اتهمها به وهي بريئة، وقد تدافع عن نفسها وتكون فضيحة يكون هو أول ضحاياها عندما يتهمه الجميع بعدم الثقة في زوجته وفي رجولته.خنق ظنونه داخله وحاول مراقبتها للتأكد من شكوكه لكن بلا جدوى، فقرر أن يقطع الشك باليقين واشترى جهازا لتسجيل المحادثات الهاتفية وغافلها وقام بتوصيله بهاتف المنزل وها هو يستمع إلى تسجيل لمحادثتها وهو لا يصدق ما يسمعه، إنها تتحدث مع رجل مجهول وتؤكد لذلك الرجل أنها ضاقت بحياتها الكئيبة مع زوجها وتذكره بعلاقتهما الآثمة والساعات الجميلة التي عاشتها معه في شقته.أغلق «سالم» جهاز التسجيل وهو لا يعرف كيف يتصرف في الكارثة التي حلت عليه، هل يقوم بتطليقها بهدوء درءاً للفضيحة وحرصاً على طفليه أم يواجهها بما عرفه عنها؟
أخيراً استقر رأيه على إبلاغ الشرطة للقبض عليها وعلى عشيقها وفي هذه الحالة سيقوم بتطليقها من دون أن تحصل على أي مستحقات منه، كما أنها لن تستطيع أن تطالبه بحضانة الطفلين نظراً لسوء سلوكها.توجه إلى قسم الشرطة التابع له وحرر محضرا اتهم فيه زوجته بالزنى وبأنها تلتقي مع عشيقها في شقته التي لا يعرف مكانها على وجه التحديد، وطلب وضع هاتفه تحت المراقبة بصورة رسمية لتسجيل ما يدور بينهما من محادثات.
تم الحصول على إذن من القاضي الجزئي لوضع الهاتف تحت المراقبة وتسجيل المحادثات التي تدور به، وأكدت التسجيلات وجود مكالمات هاتفية بين الزوجة وشخص آخر وتضمنت المحادثات بينهما مواعيد للمقابلة في أماكن مختلفة.
أمرت النيابة بالقبض على الزوجة وعشيقها، وبمواجهتهما باتهامات الزوج اعترفت الزوجة بعلاقتها بالمتهم، لكنها أنكرت واقعة الزنى وأكدت أن علاقتهما مجرد صداقة بريئة.أحيل المتهمان إلى محكمة الجنح التي أصدرت حكمها بالبراءة استناداً إلى أن الأوراق قد خلت من أي دليل قاطع على حدوث الجريمة.
استأنفت النيابة العامة الحكم الابتدائي الصادر بالبراءة، وأصدرت محكمة الجنح المستأنفة حكمها وبإجماع الآراء بحبس الزوجة وشريكها سنة مع الشغل لكل منهما استنادا إلى الاعتراف الصادر منهما خلال المحادثات الهاتفية التي تم تسجيلها بعد استئذان القاضي الجزئي، وباعتبار أن تسجيل هذه المحادثات عمل من أعمال التحقيق الذي تقوم به النيابة، وأن المحكمة لها أن تأخذ باعتراف المتهم في أي طور من أطوار التحقيق ولو عدل عنه في مرحلة تالية، وأن الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي بناء على الأدلة المطروحة عليه، وله أن يكوِّن عقيدته من أي دليل أو قرينة يرتاح إليها إلا إذا قيده القانون بدليل معين.