يقول عنه الإمام ابن الجوزي في كتابه «صفة الصفوة»: «هو زيد بن ثابت بن الضحاك أبو سعيد وقيل أبو خارجة، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة وأجيز في الخندق وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. أمره أبو بكر رضي الله عنه أن يجمع القرآن وأمره عثمان رضي الله عنه أن يكمل مهمته فكتب المصحف وأبي بن كعب يملي عليه».
وأما الإمام الضبي البغدادي، الملقب ب«وكيع» فيقول عنه في كتابه «أخبار القضاة»: «من جلة أصحاب رسول الله وفقهائهم، وعلمائهم بالفرائض، وسائر العلم، يعظمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقال عنه سعد بن أبي وقاص عندما ذكر شيئاً من القضاء استشكل عليه: ما عرفناه حتى علمناه زيد بن ثابت».
وجاء في كتاب «طبقات الفقهاء» للشيرازي عن علي بن رباح عن أبيه قال: «خطب عمر بن الخطاب بالجابية فقال: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت». وقال سليمان بن يسار: «كان عمر وعثمان لا يقدمان على زيد بن ثابت أحداً في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة. وحينما كان يخرج عمر من المدينة لسفر أو لأمر ما كان يستخلفه».
وعن خارجة بن زيد، قال: «كان عمر بن الخطاب كثيراً ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى شيء من الأسفار، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيد بن ثابت حديقة من نخل». ولما تولى زيد بن ثابت القضاء من قبل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل له عمر أجراً على ذلك ليبين عمر أن من حق القاضي أن يأخذ أجراً على عمله يعينه على الحياة حتى يتفرغ لعمله لاسيما أنه بحاجة إلى البحث في المسائل التي لم يرد فيها نص صريح من القرآن والتي تحتاج إلى بحث ودراسة واجتهاد.
لقد أحسن أمير المؤمنين عمر حينما ولى زيداً على القضاء فإنه ذكر ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارحم أمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عز وجل عمر وأصدقها حياء عثمان وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت».
الفقيه الورع
لقد كانت شخصيته المسلمة المؤمنة تنمو نمواً سريعاً وباهراً، فهو لم يبرع كمجاهد فحسب، بل كمثقف متنوع المزايا أيضاً، فهو يتابع القرآن حفظاً، ويكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتفوق في العلم والحكمة، وحين يبدأ رسول الله في إبلاغ دعوته للعالم الخارجي كله، وإرسال كتبه لملوك الأرض وقياصرتها، يأمر زيداً بأن يتعلم بعض لغاتهم فيتعلمها في وقت وجيز..
ولقد أجمع الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين على فقه زيد وورعه وتقواه فها هو الشعبي يقول عنه: «ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب.. فقال له زيد: تنح يا ابن عم رسول الله.. فأجابه ابن عباس: لا، هكذا نصنع بعلمائنا».. ويقول قبيصة: «كان زيد رأساً بالمدينة في القضاء، والفتوى والقراءة، والفرائض».. ويقول ثابت بن عبيد: «ما رأيت رجلاً أفكه في بيته، ولا أوقر في مجلسه من زيد».
ويقول ابن عباس: «لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم»..
وعن أهم القضايا التي قضى فيها زيد رضي الله عنه ما ذكره الضبي في كتابه «أخبار القضاة» فيقول: عن سنان؛ قال: سمعت الشعبي يقول: كان بين عمر وأبي بن كعب خصومة، فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه، وقال له عمر: في بيته يؤتى الحكم.. والقصة يذكرها عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن الشعبي قال: «إن أبياً ادعى على عمر دعوى، فلم يعرفها، فجعلا بينهما زيد بن ثابت، فأتياه في منزله، فلما دخلا عليه قال له عمر: جئناك لتقضي بيننا، وفي بيته يؤتى الحكم؛ قال: فتنحى له زيد عن صدر فراشه، فقال: ها هنا يا أمير المؤمنين، فقال: جرت يا زيد في أول قضائك، ولكن أجلسني مع خصمي، فجلسا بين يديه، فادعى أبي، وأنكر عمر، فقال: زيد لأبي: أعف أمير المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره، قال: فحلف عمر».
جمع القرآن
وأما عن مهمة جمع القرآن ودور زيد بن ثابت فيها فيحدثنا عنها خالد محمد خالد في كتابه «رجال حول الرسول» فيقول: «لقد استخار الخليفة أبو بكر ربه.. وشاور صحبه.. ثم دعا زيد بن ثابت وقال له: «إنك شاب عاقل لا نتهمك».. وأمره أن يبدأ بجمع القرآن الكريم، مستعينا بذوي الخبرة في هذا الموضوع.. ونهض زيد بالعمل الذي توقف عليه مصير الإسلام كله كدين، وأبلى بلاء عظيماً في إنجاز أشق المهام وأعظمها، فمضى يجمع الآيات والسور من صدور الحفاظ، ومن مواطنها المكتوبة، ويقابل، ويعارض، ويتحرى، حتى جمع القرآن مرتباً ومنسقاً».
وقال زيد وهو يصور الصعوبة الكبرى التي شكلتها قداسة المهمة وجلالها: «والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه، لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن».
ويعلق خالد محمد خالد على كلام زيد قائلاً: «أجل.. فلأن يحمل زيد فوق كاهله جبلاً، أو جبالاً، أرضى لنفسه من أن يخطئ أدنى خطأ، في نقل آية أو إتمام سورة.. ولكن توفيق الله كان معه، كذلك وعده القائل: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». قال أبو هريرة عند وفاته: «اليوم مات حبر هذه الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً».