زيد بن حارثة.. حب رسول الله

قصة آية
02:21 صباحا
قراءة 5 دقائق
محمد حماد

‬«..فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً» (‬الأحزاب: 37).«مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ»، (الأحزاب: 40).
هو الوحيد الذي‮ ‬ذكره الله -تعالى- باسمه في‮ ‬القرآن الكريم من بين صحابة النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم-،‮ ‬تبناه رسول الله صغيراً،‮ ‬وظل‮ ‬يدعى حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى مات،‮ ‬وكان أول من أسلم من الموالي،‮ وقد آخى -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه-،‮ ‬وولاه إمارة المدينة المنورة مرتين،‮ ‬حيث استخلفه رسول الله عليها في‮ ‬السنة الثانية الهجرية،‮ ‬واستخلفه عليها مجدداً في‮ ‬السنة الخامسة.

خص النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة وابنه أسامة -رضي الله عنهما- بحب عظيم،‮ ‬حتى قالت أم المؤمنين عائشة‮-رضي الله عنها-: ‬لو أن زيداً كان حياً لاستخلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم‮.‬

وكانت خيل من بني‮ ‬القين بن جسر أغاروا على أبيات من بني‮ ‬معن من طيء،‮ ‬وكانت أم زيد وهي‮ ‬سعدى بنت ثعلبة من بني‮ ‬معن خرجت به إلى قومها تزورهم فسبقته الخيل المغيرة وباعوه في‮ ‬سوق حباشة بناحية مكة،‮ ‬فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد،‮ ‬قبل أن‮ ‬يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬فلما تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهبت خديجة -رضي‮ ‬الله عنها- زيداً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم،‮ (‬وزيد‮ ‬يومئذ ابن ثماني‮ ‬سنين‮)‬،‮ ‬وذلك قبل البعثة،‮ ‬فحج ناس من كلب،‮ ‬فرأوا زيداً بمكة،‮ ‬فعرفوه وعرفهم،‮ ‬فأعلموا أباه،‮ ‬ووصفوا موضعه،‮ ‬وعند من هو،‮ ‬فخرج أبوه حارثة وعمه كعب لفدائه فدخلا مكة، وسألا عن محمد بن عبد الله،‮ ‬فقيل لهما‮: ‬إنه في‮ ‬الكعبة،‮ ‬وكان النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم- لم‮ ‬يبعث بعد،‮ ‬فدخلا عليه فقالا‮: ‬يا ابن عبد المطلب،‮ ‬يا ابن سيد قومه،‮ ‬أنتم أهل حرم الله وجيرانه،‮ ‬تفكون العاني،‮ ‬وتطعمون الأسير،‮ ‬جئناك في‮ ‬ولدنا،‮ ‬فامنن علينا،‮ ‬وأحسن في‮ ‬فدائه‮.‬

مفاجأة مذهلة

ورغم حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لزيد،‮ ‬إلا أنه ترك له حرية الاختيار،‮ ‬فقال لهما‮: ‬ادعوا زيداً،‮ ‬خيراه،‮ ‬فإن اختاركما،‮ ‬فهو لكما،‮ ‬بغير فداء،‮ ‬وإن اختارني‮ ‬فوالله ما أنا بالذي‮ ‬أختار على من اختارني‮ ‬فداء،‮ ‬ففرح حارثة أبو زيد،‮ ‬وقال للنبي‮: ‬لقد أنصفتنا،‮ ‬وزدتنا،‮ ‬وأحسنت إلينا‮.‬
ولما جاء زيد كانت معه مفاجأة لم‮ ‬يتوقعاها، بل لم تدر بخلدهما،‮ ‬فقد سأله النبي‮: ‬أتعرف هذين؟،‮ ‬قال زيد‮: ‬نعم‮، ‬هذا أبي،‮ ‬وهذا عمي،‮ ‬فقال -صلى الله عليه وسلم- لزيد‮: ‬فأنا من قد علمت،‮ ‬ورأيت صحبتي‮ ‬لك،‮ ‬فاخترني‮ ‬أو اخترهما،‮ ‬فقال زيد‮: ‬ما أنا بالذي‮ ‬أختار عليك أحداً،‮ ‬أنت مني‮ ‬مكان الأب والعم،‮ ‬ولنا أن نتوقع حجم الدهشة التي‮ ‬أصابت الأب والعم اللذين جاءا‮ ‬يردان ابنهما ويفديانه بمالهما،‮ ‬ولكنه‮ ‬يأبى أن‮ ‬يلحق بهما،‮ ‬يأبى الحرية التي‮ ‬أراداها له،‮ ‬يأبى أن‮ ‬يختار أحداً على محمد بن عبد الله،‮ ‬ولو كان أباه وعمه وكل أهله،‮ ‬قال أبوه وعمه‮: ‬ويحك‮ ‬يا زيد،‮ ‬أتختار العبودية على الحرية؟،‮ ‬وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟،‮ ‬فقال زيد وقلبه مطمئن لقراره الذي‮ ‬استقر عليه،‮: ‬نعم،‮ ‬قد رأيت من هذا الرجل شيئاً،‮ ‬ما أنا بالذي‮ ‬أختار عليه أحداً أبداً‮.‬

كانت تلك بصيرة زيد بن حارثة -رضي الله عنه،‮ ‬وكان ذلك حظه الذي‮ ‬شاء له أن‮ ‬ينال شرف الانتساب إلى نبيه،‮ ‬وشرف الوجود في‮ ‬كنفه،‮ ‬وفرح النبي -صلى الله عليه وسلم- فرحاً شديداً،‮ ‬ودمعت عيناه،‮ ‬وأخذ زيداً وخرج إلى حجر الكعبة، حيث قريش مجتمعة،‮ ‬ونادى‮: ‬يا من حضر،‮ ‬اشهدوا أن زيداً ابني،‮ ‬يرثني‮ ‬وأرثه،‮ ‬فلما رأى أبوه وعمه ذلك طابت نفساهما،‮ ‬ومن‮ ‬يومها صار زيد لا‮ ‬يعرف في‮ ‬مكة كلها إلا بزيد بن محمد‮.‬

في رعاية الرسول
ولما جاء الإسلام أسلم زيد،‮ ‬وكان ثاني‮ ‬المسلمين،‮ ‬وظل زيد‮ ‬يدعى ب زيد بن محمد حتى نزل القرآن‮ ‬يبطل التبني‮، ‬بقوله تعالى‮: «‬وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ» (‬الأحزاب‮:4)،‮ ‬فسمي‮ ‬زيد بن حارثة،‮ ‬قال القرطبي‮: ‬قال السهيلي‮: ‬كان‮ ‬يقال له زيد بن محمد فلما نزع عنه هذا الشرف حين نزل‮: «‬ادعوهم لآبائهم‮»، (‬الأحزاب‮:‬5‮)‬،‮ ‬وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم‮ ‬يكن‮ ‬يخص بها أحداً من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وهي‮ ‬أنه سماه في‮ ‬القرآن،‮ ‬ومن بعد صار‮ ‬يدعى‮: ‬حب رسول الله‮.‬

وظل زيد في‮ ‬رعاية رسول الله -صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وزوجه النبي‮ ‬مولاته أم أيمن،‮ ‬فأنجبت له أسامة،‮ ‬وطلقها،‮ ‬ثم زوجه ابنة عمته زينب بنت جحش فبقيت عنده سنين،‮ ‬ولم تلد له،‮ ‬ولم تطب الحياة بينهما،‮ ‬وكانت تدل عليه بما هي‮ ‬عليه من شرف النسب، وبما كان عليه من الولاية،‮ ‬فلما تكرر ذلك عزم زيد على أن‮ ‬يطلقها،‮ ‬وذهب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم‮- ‬يشكوها،‮ فطالبه النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم- بأن‮ ‬يمسك عليه زوجه،‮ ‬ويصبر عليها،‮ ‬ولكن الله -سبحانه- أمر رسوله بأن‮ ‬يطلق زينب من زيد،‮ ‬ويتزوجها هو،‮ ‬لإبطال عادة التبني‮ ‬التي‮ ‬كانت منتشرة في‮ ‬الجاهلية،‮ ‬وكان الابن بالتبني‮ ‬يعامل معاملة الابن من الصلب‮.‬

وكان زيد بن حارثة شجاعاً،‮ ‬ومن أحسن الرماة،‮ ‬اشترك في‮ ‬غزوة بدر،‮ ‬وبايع النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم- على الموت في‮ ‬أحد،‮ ‬وحضر الخندق،‮ ‬وصلح الحديبية،‮ ‬وفتح خيبر،‮ ‬وغزوة حنين،‮ ‬وجعله النبي‮ ‬-صلى الله عليه وسلم- أميراً على سبع سرايا،‮ ‬منها‮: ‬الجموع والطرف والعيص وحسمى،‮ ‬وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي‮ ‬الله عنه‮ا: ‬ما بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في‮ ‬جيش قط،‮ ‬إلا أمره عليهم‮.‬

غزوة مؤتة

وحين تعددت‮ ‬غارات الروم على الحدود الإسلامية،‮ ‬وكانوا قد اتخذوا من الشام نقطة انطلاق لهم،‮ ‬سير الرسول -صلى الله عليه وسلم- جيشاً إلى أرض البلقاء بالشام،‮ ‬سمي‮ ‬بجيش الأمراء،‮ ‬ووقف -صلى الله عليه وسلم‮- ‬يودعهم، فقال‮: ‬عليكم زيد بن حارثة،‮ ‬فإن أصيب زيد فجعفر،‮ ‬فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة،‮ ‬فوثب جعفر فقال‮: ‬بأبي‮ ‬أنت وأمي‮ ‬يا رسول الله،‮ ‬ما كنت أرغب أن تستعمل عليّ‮ ‬زيداً،‮ ‬فقال‮: ‬امض فإنك لا تدري‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬ذلك خير،‮ ‬فانطلقوا في‮ ‬جمادى الأولى من العام الثامن الهجري،‮ ‬حتى نزل الجيش بجوار بلدة تسمى مؤتة التي‮ ‬سميت الغزوة باسمها،‮ ‬وتقابل جيش المسلمين مع جيش الروم الذي‮ ‬كان عدده‮ ‬يزيد على مئتي‮ ‬ألف مقاتل،‮ ‬ودارت الحرب،‮ ‬واندفع زيد في‮ ‬صفوف الأعداء،‮ ‬لا‮ ‬يبالي‮ ‬بعددهم ولا بعدتهم،‮ ‬ضارباً بسيفه‮ ‬يميناً ويساراً،‮ ‬حاملاً الراية بيده الأخرى،‮ ‬فلما رأى الأعداء شجاعته طعنوه من الخلف،‮ ‬فظل زيد حاملاً الراية حتى استشهد،‮ ‬وأخذها من بعده جعفر ثم عبد الله بن رواحة على الترتيب الذي‮ ‬وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم‮.‬

ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صعد المنبر، وأمر بأن‮ ‬ينادى‮: ‬الصلاة جامعة،‮ ‬فقال‮: ‬ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ ‬انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيداً،‮ ‬استغفروا له،‮ ‬فاستغفر له الناس،‮ ‬ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي‮ ‬طالب فشد على القوم حتى قتل شهيداً،‮ ‬استغفروا له،‮ ‬ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فثبتت قدماه حتى قتل شهيداً،‮ ‬استغفروا له،‮ ‬ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد،‮ ‬ولم‮ ‬يكن من الأمراء،‮ ‬هو أمر نفسه،‮ ‬ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال‮: ‬اللهم هو سيف من سيوفك انتصر به،‮ ‬فمن‮ ‬يومئذ سمي‮ ‬خالد بن الوليد -رضي‮ ‬الله عنه- سيف الله‮.‬
وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزل زيد‮ ‬يواسي‮ ‬أهله،‮ و‬لقيته بنت زيد فأجهشت بالبكاء فلما رآها الرسول عليه الصلاة والسلام بكى،‮ ‬فقال له سعد بن عبادة‮: ‬ما هذا‮ ‬يا رسول الله؟،‮ ‬قال صلى الله عليه وسلم‮: (‬شوق الحبيب إلى حبيبه‮).

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"