يطلقون عليها عاصمة العاصمة وأم الميادين والساحات العامة الدمشقية والمكان الذي يجمع التناقضات من العمارة القديمة والحديثة إلى مختلف طبقات المجتمع الدمشقي، من الفقير إلى الثري ومن المتسول حتى البائع البسيط وأصحاب المحلات الكبيرة مروراً بتجار العملة وسماسرة الفنادق.. إنها ساحة المرجة أقدم وأول ساحة عرفتها دمشق المعاصرة مع بدايات القرن العشرين. وساحة المرجة بتاريخها الحافل وتناقضاتها العجيبة وموقعها الاستراتيجي المميز وسط دمشق مع الأسواق المتفرعة عنها، جعلها مكاناً يجمع الخيال مع الواقع ويقدم قراءة لمفردات الحياة الدمشقية، لتأتي الساحة متفردة بكل شيء ومتميزة عن كل ساحات وميادين دمشق.
ففي المرجة يوجد العمود الشهير الذي بُني مع تأسيس الساحة قبل مائة عام، وشيد على هذا العمود مجسم لجامع هو الأصغر في العالم، وجاء هذا العمود والمجسم تذكاراً لتدشين الاتصالات بين دمشق والمدينة المنورة في أواخر العهد العثماني ومتزامناً مع إطلاق الخط الحديدي الحجازي ومحطة القطارات المجاورة لساحة المرجة، وقد أقيم العمود والنصب التذكاري سنة ،1907 أيام الوالي العثماني حسين ناظم باشا ولا يزال إلى اليوم. وقد صمم هذا النصب فنان إيطالي وقام بتنفيذه من معدن البرونز، كما أقام فوقه نموذجاً دقيقاً لجامع يلدز في العاصمة اسطنبول.
كما شهدت المرجة أحداثاً سياسية مهمة وكوارث طبيعية، فبعد سنوات من تأسيسها شهدت قيام جمال باشا السفاح بإعدام رجالات سوريا ولبنان في 6 مايو (أيار) من عام ،1916 وقد أطلق على المرجة في ما بعد اسم ساحة الشهداء، كما شهدت إعدام أبطال الثورة السورية الكبرى (1925 1927)، الذين كانت فرنسا تلقي بجثثهم في ساحة المرجة بغية نشر الرعب في النفوس كما يقول المؤرخ الراحل الدكتور قتيبة الشهابي.
ومن الكوارث الطبيعية التي شهدتها الساحة طوفان نهر بردى المتكرر الذي كان يسمى الزورة أو الفيضان، إثر الأمطار الغزيرة، حيث تغمر الساحة والأسواق المجاورة. وقد كان نهر بردى في بدايات القرن التاسع عشر يتفرع في هذه الساحة إلى فرعين يحتضنان جزيرة صغيرة غنية بالأشجار، كان يطلق عليها البعض اسم الجزيرة أو بين النهرين، ومن ثم أطلقوا عليها المرجة، بسبب غناها بالأشجار وحالياً وبعد جفاف نهر بردى لم يبق من الساحة سوى ممر النهر الذي قامت محافظة المدينة بتزيينه بالبورسلان وأنشأت حديقة صغيرة غرست فيها الأزهار والورود الشامية وزينت بنوافير المياه تحيط بالعمود التذكاري، كما أنشأت في وسطها جسراً للمتنزهين وطوقت الساحة بسوار حجري مزخرف جميل.
وكون المرجة تشكل قلب دمشق، ظلت لعقود في القرن الماضي المكان الرئيسي لانطلاق حافلات النقل الجماعي إلى المدن السورية وإلى حارات وريف دمشق، حتى إن الساحة تؤرخ عبر ما مر عليها من آليات ووسائل نقل حركة النقل الداخلي والخارجي في دمشق. وقد انتهى دور المرجة بشكل نهائي كمرآب رئيسي مع سبعينات القرن الماضي عندما تأسست مراكز انطلاق حديثة في ساحة العباسيين والقابون ومن ثم حرستا، لكن بقيت العديد من محلاتها تذكر بدور الساحة كمرآب من خلال تحولها لمكاتب سياحة وسفر.
وعن الجانب العمراني بالساحة، فإن المرجة تضم عشرات الأبنية المختلطة ما بين العمارة القديمة والحديثة، العمارة الشرقية والأوروبية، فالمرجة شهدت تأسيس فنادق دمشق الحديثة أوائل القرن الماضي بعد انتهاء دور الخانات المعروفة كأماكن لنوم زوار دمشق، كما عرفت المرجة أول دور السينما في دمشق، حيث تأسست فيها سينما زهرة دمشق (سينما باتيه) عام ،1918 وأغلقت سنة ،1928 ومن ثم تأسست سينما الإصلاح خانة عام ،1921 وسينما الكوزموغراف ومن بعده صارت سينما غازي وسنترال وفاروق والنصر. وانتشرت فيها ولا تزال المقاهي، ومن أقدمها مقهى الكمال وعلي باشا والورد، وشهدت ولادة المسارح الدمشقية، ومنها مسرح زهرة دمشق والنصر ومسرح القوتلي الذي أسس في بدايات القرن العشرين وانتهى بحريق سنة 1928.
ويشاهد في المرجة أبنية ذات طرز متعددة كدار البلدية والسرايا الجديدة والصيدلية ومبنى العابد الذي ما زال قائماً حتى الآن، حيث تلاحظ أنماط العمارة كالباروك والروكوكو، وانتشار أبنية خليط ما بين الطراز الأوروبي المتأثر بالفن اليوناني أو الأوروبي مع بعض اللمسات العثمانية كمبنى العدلية والبريد والبرق.
والمرجة التي مازالت مترسخة في تراث الدمشقيين، وأغانيهم خاصة الأغنية الشعبية التي تتردد باستمرار في المسلسلات التلفزيونية والتي تقول: (لاقونا عاالمرجة والمرجة لينا.. شامنا فرجة وهي مزينة).. فالمرجة ملتقى جميع الدمشقيين والسوريين حتى الآن وهي حالياً خليط غريب تجمع محلاتها كل أنواع المهن، خاصة تلك التي تعرف بها المرجة حالياً ومنها محلات بيع الحلويات الدمشقية الفاخرة ومحلات بيع المكسرات، خاصة الفستق الحلبي، حيث تباع أجود المكسرات في هذه الساحة وهناك المطاعم والمقاهي الشعبية ولعل أشهر الأطباق التي تقدمها هي أطباق التسقية فتة الحمص الشامية الشهيرة، التي تقدمه مطاعم المرجة صباحاً ومساء، كذلك تخصصت المرجة باحتضانها لمكاتب المترجمين المحلفين الذين يقومون بتحضير المعاملات القانونية لمن يطلبها والمراد استخدامها في الخارج وترجمتها لكل لغات العالم الحية، كما تنتشر في المرجة محلات بيع الشرقيات والتحف والمصنوعات اليدوية الدمشقية والآلات الموسيقية وغيرها.. ولعل المرجة حالياً المكان الوحيد في دمشق الذي لا ينام، حيث تنتشر فيها الفنادق الشعبية والفخمة وعلى أرصفتها يظل الباعة مستيقظين ليلاً ونهاراً كما لم يتأخر بائعو أجهزة النقال من الاستفادة من شهرة ساحة المرجة فوضعوا بسطاتهم على أرصفتها يبيعون ويشترون الأجهزة المستعملة.
_