جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق من ربه قرآنا يتلى وسنة تبينه، فتجعل الحياة مشرقة بنور ربها وهيأ الله لها أشخاصاً ما أن يستمعوا إلى حرف منه حتى يضيء هذا الحرف فيصير شمسا تنشر النور على العالمين، فضمنوا بذلك أن أسماءهم قد كتبها الله في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فصاروا قدوة لمن يأتي بعدهم وقد تجمعت قلوبهم وتآلفت ليس لأي أغراض شخصية أو أسباب دنيوية أو من أجل حسب أو نسب أو جاه أو سلطان وإنما من أجل الله فصاروا بذلك خير أمة أخرجت للناس، ومن هؤلاء اسم يخفى على البعض منا إلا أن التاريخ حفظ له مواقفه وسجلها بأحرف من نور هو سالم بن عبيد الله ربيعة أبو عبد الله مولى أبي حذيفة هاشم بن عتبة .

أسلما معا في يوم واحد وكان سالم عبدا لامرأته بثينة فأعتقه لوجه الله وتبناه أبو حذيفة قبل أن يحرم الإسلام التبني، وزوجه بنت أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة وكانت من القانتات العابدات الصالحات المهاجرات كما أورد ذلك ابن سعد في طبقاته وابن حجر في الإصابة .

تزكية نبوية

هاجر سالم من مكة إلى المدينة بعد شدة الإيذاء والتعذيب وكان من المهاجرين الأولين، إماما لهم من حسن حلاوة صوته وحفظه للقرآن . وأما عن حلاوة صوته فيروي الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله سمعت قراءة رجل في المسجد ما سمعت مثله قط فقام الرسول صلى الله عليه وسلم واستمع فعرف صاحب الصوت فقال لها أما تدرين من هو ؟ قالت لا، قال لها: هو سالم مولى أبي حذيفة ثم قال الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا ثم يزكيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمته فيجعله أحد أربعة ترجع إليهم الأمة في وقتها لتلقي القرآن فقال: خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب ولقد شهد سالم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع الغزوات والمعارك الحربية لا يخشى في الله لومة لائم، وكان صلى الله عليه وسلم يرسله في بعض السرايا قائدا أو جنديا فكان في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أينما يوجهه ذهب .

معركة اليمامة

فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة فإذا بالفتن تبدأ وتطل برؤوسها على الإسلام ورجاله فارتدت كثير من قبائل العرب عن دينها فمنهم من ارتد عن الزكاة ومنهم من ارتد عن الصلاة والصوم واجتمعوا كل على إمامه في الكفر والطغيان ، كالأسود العنسى ومسيلمة الكذاب الذي عاقبه الله وأهلكه في معركة اليمامة وقتل شر قتلة وباء بإثمه وإثم من معه في النار وبئس المصير، وفي هذه المعركة معركة اليمامة تظهر معادن البطولة والرجولة فهؤلاء الصحابة رجال كما وصفهم الله من المؤمنين رجال . . وسالم من هؤلاء الرجال فكان لسالم رضي الله عنه في هذه المعركة جهد كبير أجبر به التاريخ على أن يسجله في أنصع صفحاته، وقد كان اللواء بيده كما يقول ابن سعد في طبقاته وابن حجر في الإصابة وهو يصول ويجول في معركة غير متكافئة وكان وهو يقاتل يحث المسلمين على القتال بصوت مرتفع يسمعه القاصي والداني والقريب والبعيد من أصحابه الكرام والعظام الطيبين الطاهرين وكان يقول يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم ولا تكونوا من الذين قال الله فيهم، يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (سورة الصف الآيتان الثانية والثالثة) .

وهكذا حتى غلبه الجهد والتعب فقال له أحد الصحابة: حينما رآه مجهداً تعباً: لو أعطيت اللواء غيرك فإنا نخشى عليه معك فغضب سالم: بئس حامل القرآن أنا إذن وكأنه يضرب لنا الأمثال ويضع أمامنا القدوة بأن حامل القرآن يجب أن يكون صابراً تقياً، ويمضي سالم في جهاده فيضرب بسيفه هنا وهناك حتى قطعت يمناه فعز عليه أن يقع اللواء من يده وتناول اللواء بيسراه وقاتل حتى قطعت فاعتنق اللواء بين ذراعيه، ومضى يجاهد وهو يردد قول الله تعالى: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين . وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين . وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين . فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين آل عمران 144-147 ثم سقط البطل شهيدا بعد أن أخلص لله في جهاده، وضمن بتلك الشهادة مكانا في أعلى عليين في مقعد صدق عند مليك مقتدر فرضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين .