تقع مدينة سامراء على الضفة الشرقية لنهر دجلة، وتبعد نحو 118 كم إلى الشمال من العاصمة بغداد. تحدها من الشمال تكريت، ومن الجنوب بغداد، ومن الغرب الرمادي، ومن الشمال الغربي الموصل، ومن الجنوب الشرقي ديالى، وهي واحدة من أهم المدن العراقية القديمة، وما زالت تزخر بالآثار الإسلامية، وتذكّر بتاريخها حينما كانت مركزاً للحضارة، والعلوم، والفنون.
وعندما أراد الخليفة المعتصم العباسي، أن يبني عاصمة جديدة لتكون مقراً لخلافته، وأثناء بحثه وجد في هذا المكان ديراً للعراقيين المسيحيين، فأقام فيه ثلاثة أيام ليتأكد من ملاءمته. فاستحسنه، واستطاب هواءه، واشترى أرض الدير بأربعة آلاف دينار، في سنة (221ه 835م)، وعندما تم بناؤها انتقل مع عسكره إليها، ولم يمضِ إلا زمن قليل حتى قصدها الناس، وشيدوا فيها مباني شاهقة، وسميت بالعسكر. وأعيد بناء هذه المدينة بشكل جديد، وأطلق عليها اسم (سُرّ من رأى)، اشتقاقاً من اسمها القديم كما يبدو في تحليل اسمها، أو لأن بانيها أرادها أن تكون كذلك، بسبب جمال، واتساع بنائها الذي أراده أن يسر الناظرين، فجُعل لها الاسم حين بُنيت من جديد. ثم أمست (ساء من رأى) بعدما تهدمت، وتقوضت عمارتها.
شهدت المدينة تولي سبعة خلفاء عباسيين الحكم، هم المنتصر، والمستعين، والمعتز، والمهتدي، والمعتمد، إضافة إلى المعتصم، والمتوكل، وظلت مقراً للخلافة العباسية فترة تقرب من 58 عاماً، تمتد من سنة (220 ه 834م) إلى سنة (279 ه 892م). وفي سنة (223 ه) وصل الأفشين (القائد العسكري للمعتصم) مدينة سامراء، ومعه بابك الخرمي، وأخوه أسيرين. وفي سنة (247 ه 887م) اغتيل المتوكل وتولى الحكم من بعده المنتصر، فانتقل إلى سامراء، وأمر الناس جميعاً بالانتقال إلى الماحوزة، وأن يهدموا المنازل ويحملوا النقض إلى سامراء، وخربت قصور الجعفري، ومنازله، ومساكنه وأسواقه سنة (254 ه 868م). وبنى المتوكل لنفسه مدينة المتوكلية، واتخذها موقعاً له ولأتباعه حتى كادت سامراء تخلو من أهلها. وفي سنة (279 ه892م) ترك المعتمد المدينة ليتخذ من بغداد مستقراً له، قبل ستة أشهر من وفاته. وبعد أن اتخذ الخلفاء العباسيون بغداد عاصمة لهم، هجرت مدينة سامراء، وأذن ذلك بخرابها. ووقعت سنة (445 ه 1053م) حرب البساسيري والسلجوقيين في المدينة.


موقع أثري


تم تخطيط المدينة لتكون محاذية لنهر دجلة، وبعمق بسيط، ويخترقها شارع رئيسي يبلغ نطاقه مئة متر تقريباً. ويقال إن المدينة توسعت لتتربع على مساحة تبلغ سبعين كيلومتراً على امتداد النهر، ما ساعد في انتقال الناس، والتموين بين أجزائها. ولذلك فالموقع الأثري اليوم يعتبر من أكبر المواقع الحفرية في العالم. ومن الجدير ذكره أن الكثير من مدن وسط العراق بنيت من أنقاض سامراء التاريخية، حيث ساعد عاملان على تقويضها، وفقدان معالمها، هما سهولة تفكيك ونقل الآجر الذي يشكل الخامة الرئيسية في البناء، وكذلك وجود النهر المتاخم الذي جعل من نقل الآجر، وتسويقه، وإعادة البناء به عملية يسيرة. والعامل الآخر توافر الخشب من أجل صنع (الكلك) للنقل.
وكان يحيط بالمدينة سور مضلع على شكل يميل إلى الاستدارة، يبلغ طول محيطه كيلومترين، ولا يتجاوز قطره 680 م، ومبني بالجص والآجر، ويصل ارتفاعه إلى 7 أمتار، وكان له 19 برجاً، وأربعة أبواب، هي باب القاطول، وباب الناصرية، وباب الملطوش، وباب بغداد، وظل هذا السور ماثلاً للعيان حتى سنة (1356ه / 1936 م). وكانت تنتشر في أرجاء المدينة الحدائق العامة، والخاصة، وفتح فيها في العقود الأخيرة متحف، وضعت فيه المخطوطات، والمصورات المهمة عن آثارها، وفي مدخل المدينة يقع مشروع الثرثار الذي يقي بغداد من الغرق، ومن معالمها الأثرية المئذنة الملوية، النافورة، قصر بلكوارا (شيده المعتز سنة 247ه)، قصر العاشق والمعشوق (شيده المعتمد العباسي سنة 264ه)، قصر المعتصم (الجوسق الخاقاني)، قصر المختار، القصر الوزيري، قصر العروس، القصر الجعفري، مدينة المتوكلية (على بعد 15 كم شمالي مدينة سامراء)، قصر الجص، بركة السباع، القبة الصليبية، دار العامة، تل الصوان، وسور سامراء. الجهة الشمالية لقصر العاشق الذي أصبح خرابة متروكة.
أما محالّها وأحياؤها فهي العابد، البوجول، البوبدري، البونيسان، والمحلة الغربية، القاطول، القلعة، والمحلة الشرقية، وبدأ اتساع المدينة في العصر الحديث ليشمل أحياء سكنية عدة، من ضمنها حي الضباط، وحي الجبيرية، وحي العرموشية، وحي القادسية، وحي المعلمين، ومازال اتساع رقعة البناء قائماً إلى يومنا هذا. ومن أهم شوارعها شارع الخليج، وشارع السريحة (يعرف بشارع الأعظم)، وشارع الحير الأول، وشارع أبي أحمد بن الرشيد، وشارع برغمش التركي..
كما يوجد فيها العديد من المساجد الأثرية، مثل جامع سامراء الكبير الذي شيده المعتصم عند بداية بناء المدينة سنة (221ه). والمسجد الجامع لمدينة المتوكلية سنة 245 ه، الذي بناه الحاكم العباسي المتوكل، وشيد ومئذنته الشهيرة (الملوية) الكبرى. وجامع أبي دلف بملويته الثانية الذي يبعد نحو 15 كم عن شمال المدينة، وكلا الجامعين يعد من الآثار العباسية المهمة في المدينة. وجامع القلعة، ومساجد حسن باشا، وحميد الحسون، وسيد درويش، والبورحمان، وعلي بن أبي طالب، والحاج صالح الرحماني، والأرقم، وأولاد الحسن، وجامع الفاروق.