تسبيح الكائنات لخالقها عز وجل لا يقف عند الكائنات الحية ذات القلوب النابضة، بل كل ما في الكون من إنسان وحيوان وطائر ونبات وجماد يسبح بحمد الله وينطق بعظمته ويؤكد قدرته .
الجبال التي نراها في كل مكان جامدة شامخة لا تنطق، ونعتقد أنها لا تتحرك، لها عالمها الخاص ونواميسها التي تنظم وظيفتها . وهي تنطق كل لحظة بعظمة الخالق كما تنطق الكائنات الحية تماماً .
والجبال كما يقول الدكتور أحمد فؤاد باشا النائب السابق لرئيس جامعة القاهرة آية من آيات القدرة الإلهية، تلفت الأنظار كل لحظة إلى دليل من أدلة التوحيد والإيمان الخالص بالخالق الواحد سبحانه، وقد ورد ذكر الجبال في القرآن الكريم بلفظها في نحو تسع وعشرين آية، وبوصفها رواسي في نحو تسع آيات منها قوله تعالى: وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم . . . ومن بين هذه الآيات ما يتعلق بحال الجبال ومصيرها يوم القيامة، مثل قوله تعالى: وتكون الجبال كالعهن المنفوش ومن آيات الجبال ما يتعلق بالقصص القرآني، مثل قوله تعالى: . . . وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين ومن آيات الجبال ما يشير إلى أنواعها واقترانها بذكر الأرض والسماء لبيان أهميتها، وما يدل على أسرار عملية في تكوينها وتركيبها وتشبيهها بالأوتاد والرواسي .
ومن أوجه الإعجاز العلمي في آيات الجبال كما يقول الدكتور باشا ما يتعلق بنشأتها وتكوينها وسبب اختلاف ألوانها الذي يعود إلى اختلاف المواد التي تكوّن صخورها، فالجبال البيضاء تتكون أساساً من الطباشير والحجر الجيري، والجبال السوداء يكثر فيها المنجنيز والفحم، والجبال الحمراء غنية بالحديد، وغير ذلك من الجبال النارية تتكون من الجرانيت والبازلت، وتحتوي على عروق الحديد والنحاس والذهب ومعادن أخرى تؤدي إلى تعدد ألوان الجبال وأنواعها .
ومن دلائل القدرة الإلهية هنا، التباين في أحوال الجبال وألوانها وأنواعها رغم أنها ترجع أصلاً إلى أرض واحدة كانت تكوّن مع الشمس والسماوات رتقاً واحداً، والحق سبحانه وتعالى يشير إلى هذا التباين الموجود أيضاً في الناس والدواب والثمار، ويحث العلماء على اكتشاف الحكمة من ورائه قال تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود . ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور .
تثبيت للقارات
تشبيه الجبال بالأوتاد في القرآن الكريم، في مثل قوله سبحانه وتعالى: ألم نجعل الأرض مهاداً . والجبال أوتاداً . . فيه إعجاز علمي رائع كما يقول د . باشا فالجبال في ما يتبادر إلى الذهن تشبه الأوتاد من ناحية البروز عن سطح الأرض ومن ناحية الرسوخ فيها، ولقد كشف العلم حديثاً أن للجبال جذوراً تمتد إلى الأغوار العميقة إلى عمق يصل إلى 75 كيلومتراً، وغرس الجبال على هذا النحو في الطبقة اللزجة التي تحت طبقة الصخور هو الذي يثبت القارات ويمنعها أن تطوف أثناء دوران الأرض، فهذه الأوتاد المغروسة في الطبقة اللزجة التي تحت القارات تعمل على تثبيت القارات، كما يثبت الوتد الخيمة إذا غرس في تراب الأرض . . كذلك يعمل بروز الجبال على استقرار سطح الأرض، حيث تبرز قشرة الأرض في موضع ما فتصبح جبالاً نتيجة ضغوط أثرت على أطراف طبقات أفقية من الصخور، ثم تستقر القشرة الأرضية على هذا الوضع .
ويشير الدكتور باشا إلى جانب إعجازي في تكوين الجبال والحكمة منها فيقول: العلم الحديث يكشف لنا كل يوم عن جوانب من حكمة الخالق وقدرته في تكوين الجبال، وهناك تفسير علمي يقول إن أول ما برد من الأرض أثناء تكوينها هو قشرتها الخارجية فتجمدت، وظل باطنها ساخناً شديد السخونة على هيئة سائل وغاز، وأثناء برودة القشرة تغضنت، فما ارتفع من أجزائها كون الجبال والهضاب، وما انخفض كون السهول والوديان وقيعان المحيطات، فلولا بروز الجبال لتشققت القشرة وظهرت بها فجوات وفتحات كثيرة ولثارت البراكين واضطربت الأرض اضطراباً عظيماً وزلزلت زلزالاً شديداً، فكأن الجبال حافظة لما تحتها مانعة له من الاضطراب والزلازل والثوران وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون .
تابعة لدوران الأرض
حركة الجبال على سطح الأرض كما رصدها علماء الأرض تؤكد عظمة الخالق وقدرته، حيث أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة العلمية منذ أربعة عشر قرناً، وذلك من خلال قول الحق سبحانه: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون .
فهذه الآية القرآنية الكريمة تشير إلى أحد النواميس والسنن والقوانين التي خلقها الله تعالى على أعلى درجة من الإتقان، وتلفت أنظار الناس إلى التفكر فيه والتأمل في صنعها وقدرة الله عليها، وتأمر بالنظر إلى الجبال كمعجزة من معجزات الخلق في كوكبنا الأرض، فحركتها ليست حركة ذاتية، وإنما هي حركة تابعة لحركة أكبر هي حركة الكوكب الأرضي كاملاً، فهي أبرز ما على سطح الأرض، وكما أن السحاب لا يتحرك بذاته، بل بحركة وقوة دفع الرياح له، فهكذا الجبال تتحرك بحركة الأرض .
لكن: كيف تسبّح الجبال وهي كتل صخرية لا تحس ولا تنطق؟
يقول الدكتور زغلول النجار أستاذ علوم الأرض وأحد رواد الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة: تسبيح الجبال لله حقيقة إيمانية لا يجوز التشكيك فيها، وقد ورد تسبيح الجبال في القرآن الكريم ضمنياً مع تسبيح كل شيء، ومع تسبيح ما في السماوات وما في الأرض، كما ورد محدداً في الآيتين التاليتين: وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين . . وإنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . . كما وردت الإشارة إلى خشوع الجبال في قوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون .
وتسبيح الجبال وخشوعها وسجودها لله، كتسبيح غيرها من الجمادات وخشوعها وسجودها للخالق سبحانه وتعالى، هو كما يقول د .النجار من الأمور التي غيبت عن الناس بصفة عامة رحمة بهم، والتي أوضحها ربنا تبارك لإيمانهم، وتثبيتاً لعقيدتهم في الله الواحد الخالق البارئ المصور الذي يسجد له ويسحبه كل ما في هذا الكون الكبير .
كمال القدرة الإلهية
تحدث كثير من المفسرين عن حقيقة تسبيح الجبال لله، والتي ورد النص عليها في الآيات السابقة، وقال بعضهم إن تسبيح الجمادات، ومنها الجبال، تسبيح صامت يستنتج من دلالتها الواضحة على الكمال المطلق للقدرة الإلهية التي أبدعت هذا الكون من أدق دقائقه، إلى أكبر وحداته، بهذه الصورة المبهرة المعجزة من الوحدة في البناء والدقة في التنظيم، والإحكام في الحركة، كما يستنتج من خضوع تلك الجمادات التام للسنن الكونية، فكأنها لدقة بنائها، وانضباط حركاتها ناطقة بتسبيح الله، وبخضوعها لسلطانه، وانقيادها لأوامره تعالى مسبحة بتعظيمه وتنزيهه عن كل نقص . . وذلك استنتاجاً إلى أن التسبيح الذي يعرفه الإنسان لا يصدر إلا من العاقل العارف بالله، لكن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة كما يقول الدكتور زغلول النجار تؤكد أن تسبيح كل الكائنات من الأحياء غير المكلفة والجمادات هو حقيقة واقعة، ولكنها حقيقة لا يدركها كل الناس، لأنها محجوبة عنهم رحمة بهم، ولأنها فوق مألوفهم، وفوق إدراكهم وإحساساتهم، ولأن من رحمة الله بالناس أن فرض تلك العزلة بين الإنسان وبين نطق ما حوله من الخلائق والكائنات بالتسبيح لله، وإلا لتوقفت الحياة، وفقدت الدنيا دورها كدار ابتلاء واختبار لكافة المخلوقات العاقلة والمكلفة والحاملة للأمانة، ولكن حين تشف الروح ويصفو القلب يستطيع الإنسان أن يدرك هذه الحقيقة الكونية المبهرة، فيسمع كل ما في الكون وهو يسبح لله، فيدرك من أسرار الوجود ما لا يدركه الغافلون، وهذه الحقيقة يؤكدها القرآن الكريم بقول الحق سبحانه وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .