السترة في الصلاة: هي ما يتخذه المصلي ليكون حائلا بينه وبين من يمر أمامه، ومع ازدحام المساجد وعدم مبالاة البعض بما يفعل أو عدم تنبهه لمروره بين يدي المصلي، أو جهله بإثم المار بين يدي غيره وهو في الصلاة، فإن مما ينبغي العلم به أن ثمة إثما عظيما في هذا المرور، فقد روي عن أبي جهيم الأنصاري أن رسول الله قال: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه، قال أبو النضر أحد رواة الحديث: لا أدري قال: أربعين يوما أو شهرا أو سنة، ودرءاً لهذا المرور وما يترتب عليه اختلف الفقهاء في حكم اتخاذ المصلي سترة لتكون حائلا بينه وبين المار أمامه، فيرى الحنفية والمالكية أن السترة في الفرض أو النفل مندوبة للإمام والمنفرد، إن خشيا مرور أحد بين يديهما في محل سجودهما فقط، وأما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ لأن رسول الله صلى ببطحاء مكة إلى عَنَزة عمود أطول من العصا وأقصر من الرمح)، ولم يكن للقوم سترة، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي جحيفة عن أبيه أن النبي صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عنزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها، ولا بأس بترك السترة إذا أمن المصلي المرور، ولم يواجه الطريق، فالمستحب لمن صلى بالصحراء أن ينصب بين يديه عوداً أو يضع شيئاً، ويعتبر غرز السترة دون إلقائها أو خط الخط على الأرض؛ لأن المقصود وهو الحيلولة بين المصلي وبين المار لا يحصل بالإلقاء والخط، ويرى الشافعية والحنابلة أنه يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة، سواء أكان في مسجد أم بيت، فيصلي إلى حائط أو عمود، فإن كان في فضاء، صلى إلى شيء شاخص بين يديه: كعصا مغروزة أو حربة، أو عرض البعير أو رحله عند الحنابلة، فإن لم يجد خط خطاً قبالته، أو بسط مصلّى كسجادة كما ذكر الشافعية، ودليلهم حديث أبي جحيفة: أن النبي ركزت له العَنَزة، فتقدم وصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع، وحديث طلحة بن عبيد الله أن رسول الله قال: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤَخرة الرحل، فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك، وسترة الإمام سترة لمن خلفه بالاتفاق؛ لأن النبي صلى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، كما ذكر في رأي المالكية والحنفية، وروي عن ابن عباس قال: أقبلت راكباً على حمار أتان، والنبي يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر علي أحد، وذكر الحنابلة: أنه لا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة، فقد روي عن النبي أنه صلى ثَم، ليس بينه وبين الطواف سترة، أي كأن مكة مخصوصة، وللفقهاء آراء متقاربة في مقدار السترة وصفتها: فيرى الحنفية: أن أدنى السترة طول ذراع فصاعداً وغلظ أصبع، لقوله: إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل، فلا يضرك من مر بين يديك، وقدرت العنزة التي كان يصلي إليها النبي صلى الله عليه وسلم في الصحراء بذراع طولاً، ويجوز عند الحنفية الاستتار بظهر آدمي جالس أو قائم، أو بدابة لا إلى مصحف أو سيف، وحيلة الراكب: أن ينزل فيجعل الدابة بينه وبين المصلي، فتصير سترة، فيمر، ومن احتاج إلى المرور بين يدي المصلي، ألقى شيئاً بين يدي المصلي، ثم يمر من ورائه، ويرى المالكية أن أقل السترة طول الذراع في غلظ الرمح، بشرط أن تكون بشيء ثابت طاهر، ولذا فلا يستر بصبي لا يثبت، ولا بامرأة، ولا إلى حلقة المتكلمين، ولا بسوط وحبل ومنديل ودابة غير مربوطة، ويجوز الاستتار بالإبل والبقر والغنم المربوطة؛ لأنها عندهم طاهرة الفضلة، ولا يجوز الاستتار بخط في الأرض ولا حفرة. بدليل ما روي عن ابن عمر: أن رسول الله كان إذا خرج يوم العيد، يأمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها الناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، ويكره عندهم الاستتار بظهر امرأة أجنبية أو كافر، ويجوز من غير كراهة الاستتار برجل غير كافر، أو بامرأة محرم على الراجح، ومذهب الشافعية أنه يستحب أن يصلي المرء إلى شاخص قدر ثلثي ذراع طولاً وإن لم يكن له عرض: كسهم، لخبر: استتروا في صلاتكم ولو بسهم، ولا يستتر بدابة، ومذهب الحنابلة كالحنفية والمالكية: وأن طول السترة ذراع أو نحوه، وأما قدرها في الغلظ والدقة فلا حد له عندهم، فيجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي كان يستتر بالعنزة، واستدل الشافعية والحنابلة على إجزاء السترة بالخط على الأرض بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينْصِب عصاً، فإن لم يكن معه عصاً، فليخط خطاً، ولا يضره ما مر بين يديه، وصفة الخط عند الشافعية: أنه مستقيم طولاً، وعند الحنابلة: أنه مثل الهلال عرضاً كالقنطرة، وقال بعض الحنابلة: كيفما خطه أجزأه، إن شاء معترضاً وإن شاء طولاً، وإن كان معه عصا، فلم يمكنه نصبها، ألقاها عرضا عند الجمهور؛ لأن هذا في معنى الخط، فيقوم مقامه، ويرى المالكية أنه لا بد من وضعها منصوبة، وأجاز الحنابلة أن يستتر ببعير أو حيوان أو إنسان، وفعله ابن عمر وأنس، وقد روي عن ابن عمر: أن النبي صلى إلى بعير، وفي رواية أخرى: كان رسول الله يعرض راحلته، ويصلي إليها، فإذا ذهب الركاب؟، يعرض الرحل، ويصلي إلى آخرته، وروي عن نافع قال: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد، قال: ولّني ظهرك، وروي عن حميد بن هلال قال: رأى عمر بن الخطاب رجلاً يصلي والناس يمرون بين يديه فولاه ظهره، وقال بثوبه هكذا، وبسط يديه هكذا، وقال: صل ولا تعجل.