إذا كان الإنسان الأول قد وجد في إفريقيا منذ أكثر من مليون سنة، فإن قرية ستمرخو أعطت الدليل على أنها أقدم موقع أثري في قارتي آسيا وأوروبا أي خارج القارة الإفريقية، وعلى أنها شهدت أول تجمع بشري وأقدم نشاط إنساني . . وتتبع قرية ستمرخو ناحية قرى مركز منطقة اللاذقية حيث ترتفع 136 متراً عن سطح البحر وتبعد حوالي 15 كم عن مدينة اللاذقية .

في تصريح سابق للدكتور بسام جاموس المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا أكّد أن الكثير من الاكتشافات تؤكد على أن قرية ستمرخو أقدم مكان سكنه الإنسان بعد إفريقيا، ومن هذه الاكتشافات آثار أقدم إنسان عاقل في العالم خارج القارة الإفريقية وهذا الإنسان يدعى الهومو أرنتوس منتصب القامة قدم إلينا من إفريقيا منذ مليون عام واستوطن ضفاف الأنهار والبادية التدمرية، ويدلل على ذلك بالفؤوس الضخمة المكتشفة في قرية ستمرخو الساحلية، وهي أدوات حجرية مصنوعة من الصوان على شكل فأس له قبضة مستديرة وحدّان ورأس مدبب تعود إلى مليون سنة تقريباَ .

من هنا جاءت رغبتي في زيارة تلك القرية الهادئة وقراءة جمالها الطبيعي والتاريخي لكن عن كثب، وعلى الرغم من الطقس الماطر الذي رافق زيارتي لتلك القرية إلا أن الأمطار والبرد زادا من حماستي للتجوال والتقاط الكثير من الصور برفقة صديق يعشق السفر والتصوير الضوئي وكذلك البرد والطقس الجنوني للشتاء، وكان لا بد، قبل تحديد الخطوط العريضة للزيارة والتنقل، أن نستعلم أكثر عن أصل التسمية وبعد بحثنا في العديد من المراجع ومن أهمها كتاب معجم معاني أسماء المدن والقرى في محافظة اللاذقية للباحث محمد جميل الحطاب قرأنا:

وللقمر الهلال معنى التسمية سِتْ: هو إله الخصب عند المصريين، القوس . . والمَرْخ: شجر كثير الوَري سريعه من شجر النار . . مرخو: البعل خو، ومعناها: القوس البعل خو من شجر النار . .واليرخ: هو القمر يقابله في العدنانية أرخ ومنها أرخ، تاريخ والتأريخ مأخوذ عن القمر وتقلّب أوجهه فيكون المعنى: القمر القوس (المنحني) أي الهلال .

وشملت زيارتنا التجوال في المساحات الخضراء وخاصة الزراعية منها التي تبلغ 300 هكتار، وأروع ما في الزيارة مشاهدة أشجار الزيتون بمساحات واسعة حيث ينتج أهالي القرية الزيتون بالدرجة الأولى . وتؤلف كروم الزيتون المثمرة غابات تحيط القرية، وكذلك أشجار الليمون، وبما أننا علمنا بأن ستمرخو علاوة على شهرتها الأثرية تمتاز بشهرة واسعة بزراعة البامياء في أراضيها الجنوبية إذ إن إنتاجها منها يفوق إنتاج جميع القرى المجاورة، وذلك لصلاحية التربة وملاءمتها لهذا النوع من الخضر ولمهارة الفلاحين . من هنا جاء إصرارنا على المرور بقرب الأراضي الغنية بالبامياء، وكان لا بد من زيارة الأضرحة والمقامات الإسلامية المقدسة في القرية، وكذلك مشاهدة العديد من المباني التاريخية المتهدمة مثل قبو الزين ودار شريتح في ستمرخو، ومن أكثر المشاهد التي استوقفنا واستمتعنا بالتقاط العديد من الصور له الباطوس ولكل من لا يعلم ماهية الباطوس فهو حجر يشبه الرحى لكنه كبير الحجم كان يستخدم لطحن ثمار الزيتون لاستخراج الزيت منه، كما كان يستخدم لتقشير حبوب القمح الكاملة .

وخلال مرورنا بمجلس البلدية الذي استحدث بتاريخ 27/11/1973م التقينا المهندسة غادة اسماعيل الراهب والتي تترأس إدارة المجلس منذ العام 2009 مع العلم بأن خدمات المجلس تشمل: مشيرفة الساموك ومركز البلدية وقرية ستمرخو وحي الراهبية الجديد وعن القرية قالت: تقع قرية ستمرخو جنوبي قرية المشيرفة في حوض نهر الكبير الشمالي . مع العلم بأن قرية المشيرفة هي القرية التوأم لقرية ستمرخو حيث ترتفع قرية مشيرفة الساموك 140 متراً عن سطح البحر وهي تبعد 12 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة اللاذقية . وأصبح اسما مشيرفة الساموك وستمرخو من الأسماء المعروفة في العالم كله، لما لها من الأهمية الأثرية والتاريخية وذلك على ضوء الاكتشافات الأثرية التي حدثت فيها، كذلك غدا مصطلح الساموكيون والساموكية من المصطلحات الأثرية المتفق عليها عند جميع الأوساط العلمية . وقد عثر الباحثون على مخلفات الإنسان ضمن ترسبات السرير الأعلى لنهر الكبير الشمالي التي تعود إلى العصر الجيولوجي الرابع وكان من تلك المخلفات الأدوات التي صنعها واستخدمها إنسان ستمرخو، والتي تعود إلى حوالي مليون سنة خلت . كذلك تزخر ستمرخو بالكثير من الشواهد الأثرية الأخرى، إذ تنتشر القطع الصوانية بكثافة عالية فوق سطح الهضبة لا سيما في الأراضي القريبة من سرير النهر . كما تظهر في العديد من الأدوات الصوانية التي تبدو عليها آثار التصنيع الإنساني الواضحة ومنها الفؤوس والنصال والمكاشط والمناجل وغيرها، كذلك تشتهر القرية بكثرة المعاصر الحجرية والبقايا العمرانية المخربة فيها . ومن أشهر خرائب ستمرخو: الأنزوكية، أرض الجرف، الأبرشية، المعاصر، عين ضريفة الدولا، أرض العزولا وخربة أرض الزيتونة وغيرها، وتتناثر في هذه الخرائب الكسر الفخارية العائدة إلى العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وعثر في القرية على حجر كتب عليه بلغة قديمة لعلها الرومانية إضافة إلى العثور على مصنعات عاجية من سن الفيل فيها، لهذا ولغيره ليس غريباً أن تغدو ستمرخو قرية عالمية ذات أهمية أثرية وإنسانية عظيمة، وخاصة أن الإنسان سكن ستمرخو منذ مليون سنة قبل الميلاد وفيها شكل أول مستوطنة زراعية خارج القارة الإفريقية، وهي الدليل المادي الأول على سكنى سوريا واللاذقية تحديداً في عصور ما قبل التاريخ وتعاقبت تلك السكنى لتشمل العصور الأشولية والوسطى والحديثة وما بعدها .