أبدع المستشرقون الشرق بأجزائه كافة: تلك هي الأطروحة التي دافع عنها إدوارد سعيد . إن التأكيد على تفوق الغرب على الشرق الساكن، هو عين الخطاب الاستشراقي، ويعتبر كتاب الاستشراق، المنشور في عام ،1978 أحد المراجع الكبرى في دراسات ما بعد الكولونيالية، وقد ظل عملاً كثير الجدال .
منذ عام ،1950 بشّر الاثنولوجي ميشال ليريز بجيل من الكتاب المتحدرين من العالم الكولونيالي القديم الذي بدأ يكتب محل الغزاة . بالضبط، هو ذا الدور الذي قام به إدوارد سعيد، هذا الفلسطيني الذي أصبح بروفيسوراً للأدب المقارن في جامعة كولومبيا (الولايات المتحدة)، في عام ،1978 حينما نشر الاستشراق (الترجمة الفرنسية : الاستشراق . الشرق أبدعه الغرب، سوي، 2005) . في هذا العمل، الذي يوسم انطلاقة الدراسات ما بعد الكولونيالية، اقترح جينيالوجيا لجسد المعرفة والسرد الضخم الذي أنتجه الغرب عن الشرق، والذي خمدت حضاراته منذ قرون، وينتظر أن تدب الحياة في أجزائه .
يتمثل الحدث في أن حقل معارف تأسس بدءاً من القرن الثامن عشر متضمناً أقطاراً شديدة التباين مثل شمال إفريقيا، فلسطين، الهند أو اليابان، يشبه إلى حد ما الصدمة القوية . ومن الممكن أن نفهم ما جرى بصورة مثلى إذا رددنا هذه الكتابات في التاريخ الطويل للصورة الغربية عن الشرق . في الجغرافيا الخيالية للشعوب الأوروبية، كما لاحظ ادوارد سعيد، يمثل الشرق الما وراء، هذه الأرض التي ليست ملكنا وإنما ملكهم . الشرقي هو هذا الآخر مقارنة بالأوروبي . لفترة طويلة انتمى الشرقي إلى نبتة غريبة، هرطوقية لا محالة . لا تبحث صور الشرق عن وصف الحقيقة، كما رأى ادوارد سعيد : تنمو على خشبة مسرحية حيث الجمهور، المدير والممثلون حاضرون هنا (لأجل) أوروبا .
هل يتغير الشيء على اعتبار أن العقل العلمي يستثمر تطبيقات المعرفة؟ ليس بالضبط . بالتأكيد، يرتكن المستشرق منذ الآن فصاعداً على الملاحظات والنصوص التي جمعها المستكشفين .
مقتفياً أثر شعب الله المختار، وصل الفرنسي ابراهام آنكتيل إلى الهند وجمع الأوبانشيد، النصوص المقدسة المكتوبة بالسنسكريتية، والتي انتهى من ترجمتها في عام 1786 . لم يكن الشرق أرض المصادر الكتابية للغرب، وانما تربة العديد من اللغات والحضارات، التي كانت مجهولة لدى الأوروبيين حتى ذاك الوقت . في عام ،1783 بلغ البريطاني ويليام جونز الهند، يسكنه طموح معرفة الهند بصورة مثلى عن أي أوروبي آخر قبله . أحصى كل ما يمكن معرفته عن الحضارتين الهندوسية والإسلامية، وعاين العلاقات القائمة بين اللغات الأوروبية والسنسكريتية .
ولكن بعد و . جونز، تبنى الاستشراق وضعاً مقارناً جريئاً، وثبت أن المقارنة، كما كتب ا . سعيد، مناقضة للشرق . في منتصف القرن التاسع عشر، عرض الفيلولوجي الفرنسي ارنست رينان (1823-1892) تصنيفاً للغات . تم النظر إلى اللغات الهندو أوروبية على اعتبار أنها حية، عضوية . بالمقارنة، اللغات السامية، العربية في المقام الأول، والتي ظهرت له كلغة غير عضوية، متحجرة . رفض، بالتالي، توفر خاصة التجدد لدى اللغات السامية، مع تذكر أنها لم تتخلص مثل ابداعات الوعي الإنساني الأخرى من ضرورة التغير والتبدلات المتلاحقة، كما كتب . لم تتطور اللغات السامية، وبالتبعية حضاراتها . معتبراً الفيلولوجيا ملكة العلوم الإنسانية، طمح ارنست رينان في استنساخ منهجها على مناهج العلوم الطبيعية، وبالتالي أكد ثانية أحد الأشياء المبتذلة في الاستشراق : هذه الحضارات لا تعرف التغيير، الشرق خالد وساكن .
كأساس معرفتهم، تبنى المستشرقون ممارسة خاصة للغاية، كما رأى السوسيولوجي إيمانويل فالريشتاين . لا يبحثون عن اعادة بناء المعلومات التعاقبية التطورية، كما في التاريخ الأوروبي، بما أن التاريخ الذي يثير شغفهم لا يعتبر متطوراً . الأجدر، من اللازم فهم وتثمين مجموعة القيم والممارسات التي تسمح بابداع الحضارات التي تم النظر اليها على اعتبار أنها كبيرة، وتم تصورها على أنها ساكنة . . . . وهكذا أكد ا . فالرشتاين: تقاوم الدراسات الشرقية في مجملها الحداثة ولا تفهم، بالضرورة، من خلال العقل العلمي .
أثار سكون الشرق الجاذبية العذبة والفتانة . أيضاً، استدعى الاحتلال الأوروبي الذي استطاع، بمفرده، أن يهب الحياة في الكنوز المطمورة لهذه الحضارات الساكنة، لآسيا أسرارها، لأوروبا أطباؤها، كما كتب ا . سعيد . وعلى هؤلاء الأخيرين أن يخترقوا أسرار الشرق . في الخطاب الاستشراقي، الشرق يحلم بالقسمات الأنثوية . توافق التصوير مع العقل . جارية مستسلمة، ممنوحة للحمية الذكورية، أي لعقل الغرب الغازي .
بالنسبة إلى سعيد، لا يمكن للمرء أن يفهم الشرق، على الأقل في شكله الحديث، الذي يتطور منذ نهاية القرن الثامن عشر، اذا لم يضعه، بدقة، في علاقة مع المغامرة الكولونيالية . لا يكفي أن يقال إن هذه الأخيرة شجعت انطلاق الدراسات الشرقية، بمضاعفة العلاقات مع الأراضي المحتلة وكنوزها الثقافية . فضلاً عن انحرافه، أصبح الاستشراق جزءاً دائماً من الاحتلال الكولونيالي . مقتفياً وجهة نظر ميشال فوكو، رأى ا . سعيد أن المعارف الاستشراقية لتقنية السلطات توطد، بل وتتحكم في نفوذ الغزاة .
يتمثل المثال المباشر في غزو نابوليون لمصر . ليس لأنه حدد استراتيجيته مستلهماً بدقة وصايا الفيكونت كوسطنطين-فرانسوا فولني ورحلته إلى مصر وسوريا فقط، ولكنه أحاط نفسه بفريق من المستشرقين المكلفين بتملق الحكومات المحلية . بينما نجح كورتيز في فك رموز أجزاء الإمبراطورية الآوتيكية، قبل مئتي وخمسين عاماً تقريباً، بفضل خيانة الأميرة الهندية لا مالينش، نجد أن نابوليون اعتمد على خبراء أوروبيين وعلى المعالم الأولى للأرشيف الاستشراقي . كانت الحملة الفرنسية فرصة لإثراء هذا الأرشيف، حتى تتم دراسة الشرق، وسبر أغواره، عملاً على تجزأته وحكمه .
بالربط الدقيق بين انطلاق الاستشراق والمغامرة الكولونيالية، أثار ا . سعيد حنق بعض المتخصصين البارزين في العالم العربي . من اللازم أن نقول إنه يمدد بجرأة جينيالوجيته عن علاقات المعرفة - السلطة حتى يستدعي العلاقات الحميمية التي أقامها بعض المستشرقين خصوصاً مع بعض الإدارات الأمريكية . برنارد لويس، المستعرب العربي المعروف، مؤلف أحد المقالات الحادة عن كتاب إدوارد سعيد . باختصار، انتقده على أساس ضعف الصرامة العلمية والمعرفة التقريبية للدراسات الاستشراقية . اختار ا . سعيد منها الأعمال والأقوال التي تدعم بصورة فضلى أطروحته . ركز جهده على الاستشراق الإنجليزي والفرنسي، وقد نحى إلى جانب المساهمة الألمانية، المعقدة خلال القرن العشرين . فعلى العكس من بريطانيا العظمى وفرنسا، لم تكن لألمانيا إمبراطورية كولونيالية . فهل نستطيع منذ ذاك عرض الاستشراق على اعتبار أنه تقنية السلطة الكولونيالية؟
وضّح ا . فالرشتاين بفصاحة الطريقة التي انتهجتها الدول القومية للإسهام في بناء الحقول العلمية، مؤثرين بالأخص على توجيه الأبحاث . أقر بلا حساب أن التاريخ وجد نفسه، رغماً عنه إلى حد ما، ملتزماً بعلاقته بالأمم على حساب دراسة مناطقها الغامضة أحياناً . لماذا رأى أن حقل معرفة مثل الاستشراق أنتج نهجاً آخر مادام موضوع دراسته أصبح أساسياً لدى القوى الإمبريالية؟ مع ذلك، هذا لا يعني أن الاستشراق الألماني ارتضى بمطالب اجتماعية واضحة، مثل إرادة تأسيس هوية الأمة الألمانية بإيجاد جذورها (الآرية) في حضارات الشرق ولغاته المفقودة . أشار ا . سعيد إلى الفيلولوجي الألماني فريدريش فون شليجل الذي عبّر عن إعجابه بهذه الثقافات القديمة، وعلى الرغم من ذلك لم يفرق بين لا مبالاته تجاه شعوب الشرق المعاصر ولا علاقتها بالساميين، أي بهؤلاء الشرقيين من الدرجة الثانية .
على هدى النظرية الفرنسية، من ميشال فوكو إلى رولان بارت مروراً بجاك ديريدا، حلل ا . سعيد الاستشراق كخطاب . رأى أن السلطات التي عرفها المستشرقون، وكافة المؤسسات مثل مختلف معاهد الدراسات الشرقية، فرضت نفسها على جميع من غامروا بالمعنى الحقيقي أو صوروا أرض الشرق، في فهمهم وتأويلاتهم . يؤسس كل خطاب نوعاً من الطرس، نص مكتوب على آخر يصبح واضحاً بكل شفافية . الشرقي يحيا في الشرق، يعرف حياة شرقية رغدة، في وضع يبلوره الطغيان والحسية الشرقية، ويلقحه الشعور بالقدرية الشرقية، كما ذكر ا . سعيد . لم تتسرب العقول النقدية ولا العقول الغريبة منه . حينما رثى كارل ماركس الثمن الإنساني لاستعمار الهند من لدن بريطانيا العظمى، وهذا لكي يذكر مباشرة أن الشرق الذي عاش فترات طغيان سوداء طويلة، سيكون نفع وقوعه في الرأسمالية أكبر من ضرره، بتجهيز ظروف التحرر المستقبلي . وحينما ارتحل كتاب مثل فلوبير وجيرار دو نرفال إلى الشرق، هل قاموا بشيء آخر سوى نسخ ما كتبه شاتوبريان قبلهما؟
ومع ذلك، كما لاحظ الانتروبولوجي الأمريكي جيمس كليفور، عمل ا . سعيد على أن يراجع الأفق الإنساني بفكرة التعيين الضيق للإنتاج الثقافي من خلال الأرشيف الاستشراقي . إذا كانت مصورة خداعة تتوسط الناس، تزيف إدراكهم، فهذا لأنها تعود إلى النص أكثر من تعرضها لخطر المقابلة الحقيقة . يزور المستشرق الشرق، مثل سائح يبحث عن غايته الغرائبية، مع دليل في اليد، يتمنى أن يجد أمامه ما قرأه . بيد أن ا . سعيد أكد إمكانية أن يبتعد الناس عن النص، أن يتنزهوا عن تدويناتهم الثقافية حتى يقيموا امكانية المبادلة . نحن جميعا ساميون، هكذا كتب المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون (1883-1962)، الذي دعا إلى التقارب بين المسلمين والمسيحيين .
ينبني الالتزام السياسي لإدوارد سعيد على النقد، العنيف، لنصوص الاستشراق وبالتعميم الموشور الثقافي الذي اختزل الآخر في سلسلة من القوالب النمطية . ومع ذلك، هل عانى تحليله من نفس الجوهرية التي انتقدها في الفكر الاستشراقي؟ وألم يصبح هذا الفكر، على مدى صفحات الكتاب، شيئاً من نموذج مختزل عن الغرب؟ بالنظر إلى الاستشراق كسلسلة من الايضاحات الثابتة، المتحققة من جيل إلى آخر، ألم يرَ ا . سعيد في الغرب ثقافة متجانسة ومتحجرة؟ النقد وثيق الصلة بالموضوع . فالكاتب، في أكثر من استعادة، ذكر معارضته لفكرة الغرب المتجانس مقارنة بالشرق .
لهذا نستطيع أن نجد في نتاج ا . سعيد ترياقاً ضد الرؤية القابلة للنقد عن صدام الحضارات . إذ يقترح كتاب ا . سعيد، مثلما لاحظ ج . كليفورد، نقداً راديكالياً لمفهوم الثقافة . الفكرة التي نستطيع تعيينها عن الفضاءات الجغرافية كما عن السكان الوطنيين المختلفة راديكالياً من الممكن أن يتم تعريفها على أساس الدين، الثقافة أو الفضاء العرقي الخاص بهذه الفضاءات الجغرافية هي فكرة قابلة للنقاش بوضوح، كما كتب ا . سعيد . لا نستطيع أن نحدد مفهوم الثقافة - لدى الكتاب الذين اقتفوا أثره وعرفوا ضمن تيار الدراسات ما بعد كولونيالية - إلا بصورة علائقية، تحققت في إطار التشابكات اللانهائية للكوكبية .