يحكى أن رجلاً من أهل سدير كان فقيراً معدماً لا يملك قوت يومه وكان له ولد واحد اسمه سعد وكان سريع البديهة وله بنات، فلما ازداد عليه الفقر غادر سدير هو وابنه سعد فلما ابتعدا قال له ابنه سعد يا أبتي اذهب بي إلى الكويت وبعني هناك على أني عبدك وارجع إلى الأهل بقيمتي، وأنا إن شاء الله سوف ألحق بكم في أقرب وقت، فرفض أبوه كلام ولده، ولكن الولد حاول مع ابيه إلى أن اقنعه فوافق الأب، فذهبا إلى الكويت، وفي السوق باع الأب ولده فذهب وعاد الأب إلى أهله بسدير، أما الذين اشتروه فقط كانوا أهدوه إلى شيخ قبيلة وقام الشيخ بجعله راعياً عند الغنم ولم ينفع، وعند الإبل ولم ينفع، وصبياً في البيت لكي يقضي حوائجهم فلم ينفع، بعد ذلك قال له الشيخ: إنك لم تنفع في أي شيء ما هو العمل الذي تجيده؟ فقال الصبي: اسمع كلامي وخذ مشورتي، فوافق الشيخ فبنى له خيمة بجواره وجعله قريباً منه وجاء قوم إلى الشيخ ليبيعوه صقراً للصيد، فعرضوه على الشيخ فأعجبه، ونادى سعداً ليريه الصقر، فلما رآه قال: إنه صقر حر طيب، ولكن فيه علة وخلل، حيث عاش وتربى بين الدجاج، فسأل الشيخ القوم فقالوا صدق فعندما كان صغيراً عاش مع دجاج فلم يشتره الشيخ، وأعطى سعداً خبزة، وبعد أيام جاء قوم ومعهم فرس إلى الشيخ لكي يبيعوه الفرس، فلما رآها الشيخ أعجب بها، ونادى سعداً فلما رآها قال إنها خيل عربية أصيلة ولكن فيها خلل، لأنها تربت مع بقر، فسأل الشيخ راعي الفرس، فقال: صدق إنها ربيت في حظيرة بقر، وأعطى الشيخ سعداً خبزتين فلما غادروا، نادى الشيخ سعداً فقال له: إنك حرمتني الصقر والفرس وأسألك كيف عرفت؟ فقال له: عرفت الصقر يوم رأيته يدنق ويدني رأسه إلى أسفل وأصل الصقر ألا يدني رأسه، وأما الفرس فعرفتها عندما لحست أنفها عرفت أنها تربت مع بقر، فأعجب الشيخ بقوة ملاحظته وسرعة بديهته، فقال: ما رأيك بي؟ فقال سعد: أعذرني فقال الشيخ: أطلبها منك فقال سعد: تعطيني الأمان ولا تزعل؟ فقال الشيخ: موافق فقال سعد: يا شيخ أنت ولد خباز فغضب الشيخ، فقال سعد: أنت أعطيتني الأمان فذهب الشيخ إلى أمه العجوز، فسألها إن كان ولد خباز، فأخبرته انه ولد خباز وأنها خافت أن تذهب المشيخة عن أبيه الشيخ لأنه لا ينجب أولاداً، فمكنت الخباز منها، فأتت به وبعد ذلك ذهب الشيخ إلى سعد فقال: كيف عرفت أني ولد خباز، قال: كلما علمتك وساعدتك تعطيني خبزة، وما يعطي الخبز إلا ولد خباز، فقال له الشيخ: خذ مائة من الحلال ولا تعلم أحداص وارحل عنا، فذهب سعد إلى أهله في سدير ومعه مائة من الحلال فرزقهم الله بعد الفقر بفضل سرعة البديهة ولولا سرعة البديعة لعاش سعد عبداً طوال حياته ولما عاد إلى أهله محملاً بالمال.

لقد أردت من سرد هذه القصة أن الإنسان لا يعيش كما تسيره الناس ولا الظروف وبإمكانه استغلال الفرص من خلال تفكيره وأقصد بالفرص الحسنة وليست الخبيثة ليمضي حياته بسعادة ومن دون مشقة، وسرعة البديهة عند الإنسان تجنبه كثيراً من الإحراج، وهي تعتبر أيضاً فناً من فنون المخاطبة، وأكثر ما تتجلى هذه الموهبة عندما يستفز الشخص أو حين تغالطه الحقائق، فيأتيه الجواب الذي يلقمه حجراً كما تقول العرب وهي خير من السكوت لأنها تلقن السفيه درساً.

وسرعة البديهة قيمتها في سرعتها وفوريتها وأذكر أمثلة تدل على كيفية الخروج من المأزق بلا متاعب ولا مشكلات مثال رد برنارد شو حين قال له كاتب مغرور: أنا أفضل منك، فإنك تكتب بحثاً عن المال، وأنا أكتب بحثاً عن الشرف فقال له برنارد شو على الفور: صدقت كل منا يبحث عما ينقصه وسأل ثقيل بشار بن برد قائلاً: ما أعمى الله رجلاً إلا عوضه فبما عوضك؟ فقال بشار: بألا أرى أمثالك وما أضحكني حينها إلا مثال رجل أعمى تزوج امرأة فقالت: لو رأيت بياضي وحسني لعجبتك فقال: لو كنت كما تقولين لما تركك المبصرون لي.

هذه الردود ربما القارئ يجدها مضحكة ولكنها عند القائل تحتاج إلى عقل وتفكير حتى يخرج من المأزق وتحتاج إلى سياسة حتى لا تخرج عن مبتغاها إلى معركة لا نهاية فيها.

[email protected]