سعاد محمد واحدة من قلائل الفنانين الذين يُلحظون قبل رحيلهم . ويوم توفيت في الرابع من يوليو/تموز الماضي، كثيرون استغربوا أنها كانت لا تزال حية حتى تاريخه .

عرفت بمطربة الزمن الجميل، واعتبرت أنها ضاهت كبار فناني أواسط القرن العشرين، لكن أغلبية من يقيّمون فنها يعتبرونها مظلومة بسبب عدم توافر الظروف التي كان يمكن أن تضعها في مصاف الكبار شهرة وإنتاجاً وانتشاراً . وهي التي غنت مظلومة واشتهرت بها . وفي السطور التالية يتحدث بعض من عرف سعاد محمد وتاريخها الفني وظروف حياتها، ساردين سيرتها وأهم محطاتها .

من العناصر التي وضعت سعاد محمد في الكواليس الفنية فقدانها للبيئة الاجتماعية التي أحيطت بسواها . ويعتقد الشاعر والإعلامي زاهي وهبي الذي استضاف سعاد محمد في إحدى حلقاته خليك بالبيت، أن عدم توفر ماكينة ثقافية إعلامية شبيهة بالتي توفرت لأم كلثوم في مصر أو لفيروز في لبنان، جعلها أقل حظاً، ولكنها بالتأكيد لم تكن أقل موهبة .

ويصف وهبي صوتها بأنه صوت استثنائي، وموهبة عالية لو توفرت لها ظروف مختلفة لكانت بين كبار المطربات في زمنها، ورغم كل الظروف التي أحاطت بمسيرتها، يقال إنها هزت عرش أم كلثوم حين ذهبت إلى مصر .

ويتوافق وهبي مع عبد الرحمن سلام، الناقد الفني وشقيق الفنانة نجاح سلام، وتربطه بسعاد محمد صلات قربى، على أن انشغال سعاد العائلي أخذ الكثير من وقتها على حساب تفرغها للفن .

ويعلق سلام على ذلك: الإنجاب والتربية أخذا من وقتها الكثير . كان عندها عشرة أولاد، وكنت أمازحها وأقول لها إن فريق كرة القدم اكتمل . لافتاً إلى نشأتها وسط بيئة مدقعة الفقر في لبنان، خصها والده محي الدين سلام -مسؤول في الإذاعة اللبنانية أواخر الثلاثينات- بركن فني، ومن خلال عملها في الإذاعة اللبنانية، سمع صوتها مسؤولون في الإذاعة السورية، وكان ذلك عام 1943-،1944 فلفتت انتباه الملحن السوري الكبير محمد محسن، فتعهدها وبدأ يختار لها الكلام المناسب، ثم تعرفت إلى الشاعر والصحفي محمد علي فتوح، فوضع لها مجموعة أغان بنت صيتها، وما لبث أن تزوج بها رغم أنه كان يكبرها بخمس عشرة سنة .

من أشهر الأغاني التي وضعت في ذلك الزمان لسعاد محمد: دمعة على خد الزمن ومظلومة، وهما اللتان أطلقتاها في الوطن العربي، ومن خلالهما بدأ اسمها يعرف خارج نطاق لبنان وسوريا، وصولاً إلى مصر، حيث سافرت بدعوة من المنتجة السينمائية عزيزة أمير . كان ذلك عام ،1947 وخصصت لها بطولة فيلم، اسمه فتاة من فلسطين، وغنت فيه عدداً من الأغنيات لحنها مجموعة من كبار الملحنين في مصر مثل رياض السنباطي ومحمد القصبجي وزكريا أحمد، وأشهرها تلك الأغنيات فتح الهوا الشباك .

ويتابع سلام: استقرت سعاد في القاهرة لفترة من الزمن لعلها تنجح في إثبات وجودها، لكن مشكلتها أنها كانت تعيش على أغاني أم كلثوم، ولم تستطع في هذه المرحلة أن تبني لنفسها شخصية غنائية مميزة، حتى لو غنت أغان خاصة، كان لغنائها شيء من التقمص لأسلوب أم كلثوم، ما أثر في انطلاقتها، إلى أن استطاعت بعد سنوات أن تكون حصيلة غنائية خاصة بها لملحنين كبار مثل الملحن أحمد صدقي، وعبد العظيم محمد، وعبد العظيم عبد الحق، ومن لبنان توفيق الباشا الذي أعطاها نوعاً من الموشحات والأندلسيات، ولم يعطها أغان خاصة يمكن أن تنتشر على الصعيد الشعبي . وإلى جانب هذا الغناء، كانت في الحفلات تؤدي أغانيها، وتختتم بأغنية لأم كلثوم، وهذا ما أسهم في عدم تطور أسلوبها في الغناء، وبعد سنوات لم تعد مقبولة من الجمهور إلا بهذا الثوب .

ويقول سلام إن زواج سعاد بمحمد علي فتوح لم يستمر إلا عشر أو 11 سنة، وحصل الطلاق بينهما، فتزوجت من شخص آخر لا علاقة له بالفن، كان يصغرها سناً، هو محمد بيبرس، مواطن مصري، من عائلة فلاحية ثرية ومحافظة، فأحبا بعضهما بعضاً . وقد حررها زواجها من سيطرة شقيقها مصطفى الذي كان يدير ما تدخله من أموال على كيفه ولا يعطيها منه إلا القليل .

ويرى سلام أن سعاد كانت ميالة لأن تكون ست بيت، أكثر من ميلها للتفرغ للعمل الفني، وكانت منتهى سعادتها أن تطبخ بيدها لأولادها، وتلبسهم كأم، وربما يرجع ذلك للنشأة، ما زاد من عاطفتها تجاه الأولاد، على حساب فنها وتفرغها له . وقد أنجبت ستة أولاد من زواجها الأول (فتوح) وأربعة من الثاني (بيبرس) .

حملت سعاد الجنسية المصرية بعد زواجها من مصري وإنجابها لأولاد مصريين، وكانت طوال إقامتها في مصر تتعامل مع فنانين مصريين، من شعراء وملحنين وموزعين، وعندما توفيت دفنت في مصر .

ويعلق سلام أنه لو أن محمد علي فتوح، الذي استمر زواجها منه 11 سنة، ووضع لها أغنيتين كل عام، لكان رصيدها منه 22 أغنية، كفيلة بتشكيل ذخيرة انطلاق .

غنت سعاد من كلمات محمد علي فتوح مظلومة، ودمعة على خد الزمن، ومين السبب في الحب القلب ولا العين، وهي 3 أغان من المرحلة السورية لمحمد محسن، بينما في فيلم فتاة من فلسطين، خصّها رياض السنباطي، بلحن أغنية يا مجاهد في سبيل الله كلمات بيرم التونسي، ثم أغنية وحشتني وهي من أواخر أغانيها 1975 .

وفي انعكاس فن ما بعد ال 1975 على سعاد محمد، يعلق سلام أن الغناء في العالم شهد انعطافة في زمن التلفزيون والفيديو كليب، ولم يعد له المكانة السابقة . سعاد في هذا العصر لم تكن وجهاً تلفزيونياً، لذلك كانت في الظل، علماً أن آخر ظهور لها كان قبل وفاتها بأربعة أشهر بدار الأوبرا المصرية، وغنت أغانيها من التراث القديم .

ويختزل سلام الموقف بقوله: كان لسعاد في مصر مكانة عالية، ولكن ليس عند عامة الناس، إنما عند ذواقة الفن الحقيقي .

أما وهبي فيختم بقوله إنه رغم ما أحيط بها من معوقات وأقدار صعبة، تبقى سعاد محمد اسماً فنياً كبيراً في الوطن العربي وموهبة استثنائية.