يعتبر الفنان الراحل سعد أردش واحداً من رموز النهضة المسرحية في حقبة الستينات من القرن الماضي، ينتمي إلى جيل أحمد عبدالحليم وجلال الشرقاوي، ويعتبر مسرحه سياسياً واجتماعياً بامتياز. تعاون مع أبرز كتاب المسرح في تلك المرحلة ومنهم لقمان عاشور وسعد الدين وهبة والفريد فرج وميخائيل رومان ويوسف إدريس وغيرهم. ومن أشهر أعماله سكة السلامة والذباب

وانتيجون وبير السلم والسبنسة ويا طالع الشجرة والأرض، ومن أبرز أعماله في السنوات الأخيرة مسرحية الشبكة التي ناقشت فكرة العولمة عبر إبراز العلاقات الرأسمالية المتوحشة وتأثيرها في البسطاء وهمومهم اليومية المعاشة.

تأثر أردش بالمشروع النهضوي لثورة يوليو/ تموز عام 1952 وعاش أحلامها وتطلعاتها خاصة أن الثورة أولت اهتماماً خاصاً بالثقافة والفنون حيث أوفدت بعثات للخارج شملت المسرحيين وغيرهم وبعد عودته من إيطاليا عام 1961 عمل أردش على إخراج المسرحيات الوطنية والسياسية ومنها النار والزيتون لألفريد فرج والأرض المأخوذة عن رواية بنفس الاسم لعبدالرحمن الشرقاوي. وأسهم أردش وجيله بإنعاش مسرح الطليعة، كما لعب دوراً مهماً في تأسيس المسرح الحر وكان رئيساً له لفترة طويلة وفي عام 1970 شهد المجتمع المصري جملة من التحولات، وكان أردش حينها مديراً للمسرح القومي طلب منه تغيير برنامج المسرح ليستوعب الأعمال الترفيهية إلا أنه رفض تقديم المسرح الاستهلاكي، الأمر الذي دفعه إلى الرحيل إلى الجزائر عام 1971 ومنها إلى الكويت في عام 1975 حيث أسهم من خلال عمله في النهضة المسرحية التي شهدتها منطقة الخليج لاحقاً.

وحصل الراحل سعد أردش على جوائز وأوسمة عدة منها جائزة الدولة التقديرية في مصر وجائزة أيام الشارقة المسرحية التي قال عنها إنها أغلى وسام على صدره، كما كرمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في يوم المسرح العالمي في فرنسا. وفي هذا التحقيق تقترب الخليج أكثر من حياة وإسهامات الراحل المسرحي الكبير عبر آراء عدد من الفنانين المسرحيين الإماراتيين:

الفنان الممثل حميد سمبيح أحد تلاميذ الراحل سعد أردش فقد درس على يديه في السنة الرابعة في أكاديمية الفنون المسرحية في القاهرة، يقول: سمبيح: علمني في السنة النهائية من دراستي المسرحية، وكان أكثر المدرسين التزاماً وانضباطاً وحرصاً على تطوير أدوات الفنان الممثل، كما كان ملتزماً باللغة العربية ونطقها السليم، وكثيراً ما كان يحذر من الانجراف نحو المسرح التجاري.

ويضيف سمبيح: أعماله المسرحية كانت خالدة فقد قدم انتيجونا لسوفكيس والأرض لعبدالرحمن الشرقاوي ويا طالع الشجرة لتوفيق الحكيم، كما قدم لبرغييت وغيره من كبار كتاب المسرح العرب والأجانب، ومن حسن حظي أنني اشتغلت معه الآلهة الجهنمية للكاتب جان كوكتو والخال فانيا لأنطون تشيخوف، إضافة لمشاركتي في التحضيرات لعمل قام ببطولته نور الشريف، وقد أسهم في إعدادنا وتأهيلنا من خلال إصراره أيضاً على حضورنا كطلاب عرب، ويوضح لنا أهمية امتلاكنا لأدواتنا الفنية والفكرية معاً. ورحيله يعتبر خسارة كبيرة للمسرح العربي عموماً، ولا عزاء لنا إلا أن هؤلاء الرواد قد أسسوا للمسرح العربي الحديث، ورفدوا الحركة المسرحية بأجيال متتالية ممن تخرجوا وتعلموا من تجاربهم المسرحية.

واعتقد أن المسرح العربي يواجه أصعب مراحله، ففي الوقت الذي يعاني هذا المسرح من تدهور فني وفكري على كافة الصعد إن كان في مجال التأليف أو الإخراج أو التمثيل إلا في حالات خاصة ومتميزة هنا وهناك، أقول إنه إلى جانب ذلك، بدأ يفقد كبار رجالاته من الرواد الذين أسسوا الحركة المسرحية العربية والذين كانوا حتى الآن ورغم كل هذا السوء بمثابة الضمانة الحقيقية لاستمرارية المسرح.

أما المخرج والممثل حبيب غلوم فيقول: أعتقد أن الراحل الكبير أفضل أستاذ مسرحي مر على معهد الفنون سواء في الكويت أو في مصر. ولقد درست على يديه في البلدين ولاحظت أنه يمتاز بقدرة فائقة على توصيل المعلومة من خلال تبسيطها فضلاً عن قوة ذاكرته كنا كطلاب نحسده عليها واتذكر أنه كان يقف بجوار الطلبة ويتدخل بمكانته الفنية والاكاديمية لحل مشاكلهم الادارية. واتصور أننا اذا أجرينا استطلاعاً بين الفنانين العرب الذين درسوا المسرح خلال النصف الثاني من القرن العشرين لحصل سعد أردش على لقب أفضل أستاذ مسرحي.

وعن قدرات أردش الفنية يستطرد غلوم: لقد استطاع سعد أردش ان يحقق المعادلة الصعبة في مجال المسرح ويظهر ذلك في قدراته الاستثنائية على التفوق في كافة مجالاته، فهو مخرج متميز وممثل قدير ومدرس ناجح بخلاف اسماء عدة تخرجت في مجال ما ولم يصادفها التوفيق في حقل آخر، ومما يحسب للساحة المسرحية في الامارات استفادتها من مواهب وخبرات سعد أردش عندما جاء اليها حيث اسهم في تطور المسرح الاماراتي ولذلك لم يكن غريباً على الاطلاق أن يكرمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في اليوم العالمي للمسرح في فرنسا.

ويعتبر الفنان أحمد الجسمي أن سعد أردش علامة بارزة في تاريخ المسرح العربي حيث كان المسرح من وجهة نظره جزءاً حيوياً من المجتمع، يتأثر به ويتفاعل معه بالإضافة إلى إيمانه الراسخ بأنه لا يوجد فن بلا قضية فيجب على الفنان أن يلتزم بقضايا مجتمعه وأن يعبر عنها بالأسلوب الذي يراه مناسباً. وجميع من تتلمذوا على يديه في الكويت يعرفون هذا التوجه وأعتقد أنه نابع من أفكار ورؤى سادت المرحلة القومية التي نعتز بها جميعاً وتذكرنا أيضاً بجيل مسرحي تربى على الأسس الفنية الصحيحة واستطاع عبر التراكم أن يكون خبرته وثقافته والتي نقلها إلى الأجيال اللاحقة. لقد عملت مع سعد أردش في ثلاثة مسلسلات تلفزيونية وأدركت عبر الاقتراب منه قامته الفنية المديدة ومواهبه المتعددة واحترامه لفنه وتلاميذه وجمهوره.

لقد خسر المسرح العربي بوفاة سعد أردش قامة كبيرة أسهمت في تطوير المسرح في الوطن العربي، هكذا يبدأ الفنان إسماعيل عبدالله حديثه عن الراحل، ويضيف: نشعر كمسرحيين بحزن بالغ على رحيل أردش والذي أسهمت جهوده في تأسيس مسرح عربي معاصر ومغاير للسائد حيث استطاع أن يكون مدرسة مسرحية تجاوزت المسرح الكلاسيكي الموجود في مصر والعالم العربي آنذاك، استفادت منها أجيال متلاحقة من المسرحيين كما لا ننسى إضافة الراحل في المسرح الخليجي حيث أسهم في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت وتتلمذ على يديه خيرة المبدعين المسرحيين في الخليج العربي وظل حتى النهاية باحثاً عن الجديد ومتواصلاً مع الأجيال الشابة.

إن أبرز ما يميز أردش وفق إسماعيل عبدالله إخلاصه للمسرح وقدرته على التعبير عن قضايا أمته عبر الفن المسرحي حيث يستطرد عبدالله: للأسف لم تربطني بالراحل علاقة عمل وأشعر بالحزن لأنني لم أتتلمذ على يديه ولكن من خلال المهرجانات وورش العمل وغيرها من الفعاليات التي التقيته خلالها لاحظت حرص هذا الرجل على تعليم شباب المسرحيين وصدقه في التوجيه والإرشاد وإيمانه الحقيقي برسالة المسرح كفن يستطيع الإسهام بدرجة كبيرة في تطوير وتقدم الوطن العربي.