محمد حماد

الإمام العلم، أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه.
هو سعيد بن المسيب بن حزن، من بني مخزوم من قريش، وزوجته هي أم حبيب الدوسية بنت أبي هريرة، ولد بالمدينة لسنتين مضتا من خلافة عمر - رضي الله عنه - وقيل: لأربع مضين منها، وصار من كبار أهل العلم في الحديث والفقه والتفسير القرآني.

جمع سعيد بين الحديث والفقه والزهد والورع، إلى جانب أنه كان رجلاً وقوراً عفيفاً معتزاً بنفسه لا يقوم لأحد من أصحاب السلطان، ولا يقبل عطاياهم، ولا هداياهم، وكان يعيش من عائد تجارته في الزيت.

روى عنه كثير من كبار العلماء وكان واسع العلم حتى قيل عنه: فقيه الفقهاء، ومن أبرز من تلقى العلم عنه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، حتى قال عنه: «جالسته سبع حجج، وأنا لا أظن عند أحد علماً غيره»، وقد لفت تميزه في العلم والفقه نظر بعض الصحابة والتابعين حتى إن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وجد رجلاً سأله عن مسألة فقال له: «إيت هذا فسله - يعني سعيداً - ثم ارجع إليَّ فأخبرني»، ففعل ذلك وأخبره، فقال ابن عمر لمن حوله لما أخبر بإجابة سعيد معبراً عن إعجابه بعلمه: «ألم أخبركم أنه أحد العلماء»، وقال لأصحابه عن سعيد: «لو رأى هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسره»، وكان يرسل إليه يسأله عن قضايا عمر وأحكامه.

وكان اشتهار سعيد بالعلم وتقدمه فيه قد شاع على ألسنة الناس، وكان الرجل يأتي إلى المدينة المنورة فيسأل عن أفقه أهلها وأعلمهم فيوجه إلى سعيد.

سعيد وعبد الملك

كانت علاقته بالخليفة عبدالملك بن مروان متوترة بعدما رفض سعيد مبايعة ابني عبدالملك بن مروان بحسبان أنها كانت بيعتين لابني الخليفة، فكتب والي المدينة إلى عبدالملك بن مروان أن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب، فكتب إليه الخليفة أن أعرضه عن السيف فإن مضى وإلا فاجلده خمسين جلدة وطف به أسواق المدينة.

كان الخليفة عبدالملك يريد ألا يشجع التهاون مع سعيد غيره من الناس على الامتناع عن المبايعة، وقد يضاف إلى ذلك أن عبدالملك كان في نفسه شيء من سعيد لأنه رفض أن يزوج ابنته لابنه الوليد بن عبدالملك.
ولما قدم كتاب الخليفة على الوالي أطلع عليه الفقهاء فتوجه عروة بن الزبير، وسالم بن عبدالله، وسليمان بن يسار، إلى منزل سعيد بن المسيب، فقالوا: «إنا قد جئناك في أمر، قد قدم فيك كتاب من عبدالملك بن مروان، إن لم تبايع ضربت عنقك» ورفض أن يسمع كلامهم بأن لا يقول لا ولا يقول نعم إذا عرض عليه كتاب البيعة، ثم رفض أن يمتنع عن الخروج إلى المسجد، ثم رفض أن ينتقل من مجلسه إلى غيره، فإذا أرسل الوالي إليه فلم يجده أمسك عنه، فخرجوا عنه وخرج إلى الصلاة، وكانت صلاة الظهر، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه، فلما صلى الوالي بعث إليه فأتى به، فقال: «إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك»، قال سعيد: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين، فلما رآه لا يجيب أخرج إلى السدة، فمدت عنقه وسلت عليه السيوف، فلما رآه قد مضى «ولم يتراجع» أمر به، فجرد من ثيابه فضرب خمسين سوطاً، ثم أمر بأن يطاف به في أسواق المدينة، فلما رده، والناس منصرفون من صلاة العصر قال: «إن هذه الوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة»، وذلك لأنه تعود أن يكون في المسجد قبل الأذان ينتظر الصلاة، وكان مكانه دائما في الصف الأول.

زواج بثلاثة دراهم

وكان لسعيد بن المسيب ابنة أراد الخليفة عبدالملك أن يزوجها لابنه الوليد ولي العهد فرفض سعيد، وعرض ابنته هذه على طالب فقير من طلابه لا يملك أكثر من ثلاثة دراهم في قصة مثيرة، ويقول الزوج كثير بن أبي وداعة تلميذ سعيد: كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا. فشهدناها؟ قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثت امرأة، فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني، وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: أنا، فقلت: أوتفعل؟ قال: نعم، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجني على درهمين أو ثلاثة».

قال: فقمت ولا أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن أستدين فصليت المغرب، ورجعت إلى منزلي وكنت وحدي صائماً، فقدمت عشائي أفطر، وكان خبزاً وزيتاً، فإذا بابي يقرع، فقلت: من هذا؟، قال: سعيد، ففكرت في كل من اسمه سعيد إلا ابن المسيب، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فخرجت، فإذا سعيد فظننت أنه قد بدا له (يعني غير رأيه)، فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إليّ فآتيك؟، قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، إنك كنت رجلاً عزباً، فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها، فدفعها في الباب، ثم رد الباب، فسقطت المرأة من الحياء.

يقول: فمكثت شهراً لا آتي سعيد بن المسيب، ثم أتيته، وهو في حلقته، فسلمت، فرد عليّ السلام، ولم يكلمني حتى تقوض المجلس. فلما لم يبق غيري. قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خيراً يا أبا محمد، على ما يحب الصديق، ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا. فانصرفت إلى منزلي، فوجه إليّ بعشرين ألف درهم.
عاش سعيد حياة طويلة امتدت حتى بلغ الثمانين، وكانت حياته مليئة بالمتاعب والمشاحنات، وجرت عليه الكثير من الآلام، فقد تعرض للسجن، والجلد والمقاطعة، وتعرض للقتل، وقد ضعف بصره في أخريات أيامه، ولما عرض عليه أن يخرج إلى وادي العقيق ليتداوى اعتذر لأن خروجه سيحرمه من حضور الجماعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واختلف في سنة وفاته والأرجح أنها كانت في عام ٩٤ للهجرة، وكان يُقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها.