رافق ظهور التقنيات الرقمية وبداية انتشار استخدامها في صناعة الأفلام السينمائية ردود فعل متباينة ما بين متحمس لها يرى فيها أموراً إيجابية ويتنبأ لها بان تصبح مستقبل السينما، وبين رافض لها باعتبار أن هذه التقنيات لم تكن في تلك المرحلة من تطورها ترقى من حيث الجودة تحديداً إلى المستوى الذي بلغته صناعة الأفلام وتصويرها على أشرطة السليلويد التقليدية خصوصاً من مقاس 35 ملم . ميزة التقنيات الرقمية أنها تتطور وتحسّن أداءها بصورة متسارعة، الأمر الذي أدى إلى تكريسها خلال زمن قصير نسبياً ليس كتقنية تحقق شرعية وجودها في الحاضر وحسب، بل وتقنية المستقبل فعلاً، خاصة أنها صارت في الفترة الأخيرة تضاهي من حيث الجودة التقنية المستوى الذي بلغته صناعة السينما التقليدية وليس ذلك وحسب، بل إنها تعد بتجاوزها نحو الأفضل بالتوازي مع كل تطور جديد في مجال استكشاف المزيد من التقنيات الرقمية .
لكن، بغض النظر عن الإنجازات التقنية تظل هناك بعض الملاحظات حول الظواهر الإيجابية أو السلبية، المحيطة والمرافقة لتكريس هيمنة هذه التقنيات الرقمية على صناعة الأفلام السينمائية عموماً .
تتمثل أبرز أوجه الإيجابيات في ما يمكن اعتباره دمقرطة عملية إنتاج الأفلام، بمعنى إتاحة إنتاجها لعموم الهواة الراغبين في صنع الأفلام، وليس المحترفين وحسب، بكلف زهيدة مقدور عليها، وهذه الإيجابية لا تتعلق بإنتاج الأفلام القصيرة بكافة أنواعها، بل تشمل أيضاً إنتاج الأفلام الروائية والتسجيلية الطويلة . ينتج عن هذه الدمقرطة إمكانية أن تصبح صناعة الفيلم نوعاً من الكتابة الذاتية تشبه ما يعرف في السينما التقليدية بسينما المؤلف التي يستخدم المخرج فيها الكاميرا كما يستخدم الكاتب القلم للتعبير عن رؤيته للحياة من الناحيتين الفكرية والجمالية .
تضع التقنيات الرقمية أمام الراغبين في صنع الأفلام الذاتية كافة أنواع الأجهزة المتاحة للعموم ومنها كاميرات الهواة الصغيرة الحجم لكن الكبيرة الفاعلية وكاميرات الهواتف النقالة مفسحة المجال بذلك أمام اندماج المزيد من الهواة في عملية إنتاج الأفلام .
الإيجابية الثانية تتمثل في أن البرامج الرقمية تفتح المجال واسعاً أمام تجسيد ما تجود به المخيلة من رؤى في صميم عملية الإبداع الفني فلا يكتفي صانع الفيلم بالتعبير عن الواقع بصور الواقع، بل يضيف إلى ذلك التعبير عن الواقع بالخيال أو حتى الاكتفاء بالتعبير عن الخيال، وهو لا يحتاج في سبيل تنفيذ ذلك إلى أكثر من إتقان استخدام البرامج الرقمية الخاصة بكافة أنواع المؤثرات البصرية كافة، والتي يسهل تعلم استخدامها حتى من قبل غير المختصين بالعلم الرقمي .
تتسبب هذه الإمكانية المتاحة للجمع بين الواقعي والخيالي في فتح آفاق جديدة أمام طرق السرد الفيلمي والتعبير الأسلوبي ومعالجة مواضيع غير مسبوقة في السينما من قبل، من ناحية، ومن ناحية أخرى، تتسبب في تطوير ذائقة الاستقبال الفني عند عموم الناس بما يقرب هذه الذائقة من طبيعة العصر الحديث المتسم بهيمنة الوسائط السمعبصرية على الذوق الفني .
هذه بعض إيجابيات عصر السينما الرقمية تضاف إلى إيجابيات عامة أخرى منها على سبيل المثال ما يتعلق بتسهيل وتبسيط شروط قيام صناعة سينمائية على مستوى الدولة وليس فقط الاكتفاء بدعم إنتاج بعض الأفلام . غير أن هذه الإيجابيات وغيرها مما لم يذكر هنا ليست الوجه الوحيد للتقنيات الرقمية في مجال السينما، إذ إن الوجه الآخر لهذه الإيجابيات يشي بوجود بعض السلبيات المقابلة ذات الصفة العامة أيضاً .
من هذه السلبيات ما يشكل النقيض لتطور التقنيات ذاتها، إذ قد يتسبب، وهذا حاصل فعلا، هذا التطور في إعطاء الأولوية في الفيلم السينمائي لتقنية المؤثرات البصرية وإرجاع الموضوع إلى المرتبة الثانية أو حتى الثالثة بحيث تتحقق هيمنة التقنية على الهدف من وراء إنتاج الفيلم فينجرّ صانع الفيلم وراء سحر التقنية مفرغاً فيلمه من المضمون . أما الناحية الأخرى من السلبيات فهي ذات طابع منهجي فلسفي يرتبط بالنتائج الأهم والأخطر المرتبطة بهيمنة التقنيات الرقمية على السينما (مع أنها لم تصل بعد إلى درجة الكمال)، وهي التقنيات المتعلقة بقدرات الفيديو الرقمي على خلق ما بات يصطلح عالمياً على تسميته بالواقع الافتراضي . هذه التقنيات، في حال وصولها إلى درجة الكمال وتحولها إلى ممارسة عادية تستبدل بالصورة المصممة رقمياً وغير الموجودة في الواقع أصلاً، أي الصورة الافتراضية، صورة الواقع الحي الذي كانت الصورة السينمائية التقليدية لا تتحقق من دونه لأن صورة السينما لا تتجسد إلا باعتبارها تسجيلاً لصورة موجودة في الواقع، وتجعل الوصف الذي كان يطلق على السينما من حيث كونها تخلق وهما بالحركة وبالواقع ينطبق على سينما الفيديو الرقمي التي تكون قد تجاوزت الوهم السينمائي في هذا المجال، أي وهم صورة السينما بالواقع وبالحركة، لتجعل من الواقع الخارجي المادي بذاته وهما .
يمكن قول الشيء ذاته في ما يخص ما قد تتسبب به سهولة استخدام التقنيات الرقمية خاصة من قبل الهواة الذين لا يمتلكون ثقافة سينمائية بل ينطلقون في عملهم في صنع الأفلام خاصة منهم المتأثرين بخبرة صناعة البرامج التلفزيونية، المتخلفة من النواحي الفنية والإبداعية عن السينما بنوعيها الوثائقي والروائي، من تعميم أفلام لا توجد فيها أية قيمة فنية إبداعية، بل ولا يوجد فيها أي نظام للسرد، وإضفاء الشرعية على هذا النوع من الأفلام الركيكة والتي يحاول صانعوها التغطية على عيوبها متذرعين بأنهم يقدمون عملاً غير تقليدي أو عملاً ينتمي إلى السينما التجريبية أو ما بعد الحداثية .