تحقيق: عبدالعليم حريص
الإنسان لديه ممارسات يومية يصعب تفاديها ومن ضمن هذه الممارسات سلوكات خطأ تؤثر ضمنياً في البيئة المحيطة به، وفي هذا السياق أجرينا لقاءات مع بعض المهتمين بالشؤون البيئية نسترشد بفكرهم ونقوّم أنفسنا أين نقف نحن من هذه السلوكات المهددة لمستقبلنا والآثار المترتبة على هذه التجاوزات التي ربما لا تكون مقصودة، ونظراً لأن تغيير المصير لن يتأتى إلا بتغيير الطباع وقبلها العادات، ومن ثم السلوك الذي يسبقه الاعتقاد وأخيراً الفكر، فبتغيير الفكر والاعتقاد سيكون المصير هو الأفضل في رعاية البيئة المحيطة بنا، إذاً فنحن بحاجة ماسة لتطوير السلوك والإدراك الإيجابي لدينا .
المخلفات البلاستيكية تهدد الحياة البحرية حسب علي صقر السويدي رئيس مجموعة الإمارات للبيئة البحرية، لافتاً إلى أن "المخلفات اليومية التي تلقى في المياه قنبلة موقوتة، تهدد مستقبل البيئة البحرية يتقدمها الخشب والبلاستيك، حيث سجلنا العام الماضي نفوق 8 سلاحف بحرية بسبب أكياس البلاستيك لأنها تشبه الأعشاب البحرية فتلتهمها السلاحف مما يؤدي لنفوقها، لذا ننصح أصحاب القوارب واليخوت بعدم إلقاء المخلفات في المياه" .
وأوضح أن "مجموعة الإمارات للبيئة البحرية، تدرس حالياً مشروعاً سيتم تعميمه على مستوى محطات الوقود في الدولة، بحيث ينظر الموظف في عداد السرعة الخاص بالسيارة وبعملية حسابية بسيطة يعرف مقدار ما نتج من ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي يقسّم على 5 هو ما يمتصه شجر القرم، ويسدد مبلغاً مالياً ويتسلم إيصالاً بأنه زرع عدد كذا من الأشجار مقابل عادم سيارته، ونحن طبقنا ذلك على أنفسنا من خلال الرحلات التي تصل إلى المحمية فيلتزم الفريق بزراعة عدد من أشجار القرم التي تمتص ما خلفنا من ثاني أكسيد الكربون في الجو، أطمح أن تنال هذه المبادرة استحسان الجميع ليشاركونا في بيئة خالية من الملوثات الضارة، فمنذ تأسيس المجموعة من عام 1995 ونحن نساهم في التصدي لكل مظاهر التلوث البيئي والبحري، لدينا دراسات في جزيرة بني ياس وبالشارقة" .
أما المهندس حميد المعلا مدير إدارة الصحة العامة والبيئة ببلدية عجمان فيقول "إن جوهر المشاكل البيئية يكمن في الإسراف لأنه أهم أسباب التلوث البيئي، والذي بدوره يهدد مستقبل البيئة الآمنة التي نعمل على إيجادها، أنا لا أحتاج إلا إلى كيس خبز فلماذا أشتري اثنين؟ خرجت من الغرفة فلمَ أترك الإضاءة؟ خذ على قدر احتياجك من مصادر الطاقة، سيارتي أنا خارجها فلمَ أتركها تعمل وتستهلك الوقود وتخرج العادم؟ خذ من كل شيء حاجتك فقط، لأن كل ما لا تحتاجه سيكون مصيره في سلة المهملات وعلى الأرصفة وتتكدس الفضلات المؤذية للبيئة" .
وعن إيجاد حلول ملموسة أوضح المعلا: "إننا توجهنا لطلبة المدارس لأن غرس حب البيئة عندهم يساعدنا على مواجهة الملوثات البيئية والقضاء عليها، وهذه المبادرات مستمرة" .
د . يسري الشرقاوي استشاري بيئي وأمن غذائي الرئيس التنفيذي لبيت الخبرة الاستشارية بدبي، يقول "الحديث عن البيئة المحيطة يأخذنا ضمنياً إلى البيئة الداخلية للجسم البشري، فكمية الدهون التي تدخل أجسامنا يومياً جراء ممارسات الغذاء غير السليمة تؤثر سلباً في مستقبل الصحة العامة للفرد داخل المجتمع، باعتباره نقطة الارتكاز الأولى في بناء المجتمع، فجهل بعضنا بالتعامل مع هذه الدهون يؤدي إلى مخاطر بيئية وصحية وخاصة الإفراط في تناول ما يسمى "الوجبات السريعة" في أعمار محددة والتي تؤذي الجهاز الهضمي وترفع نسبة الكلسترول مما يهدد بتلف البيئة الداخلية للإنسان" .
وأضاف "لدينا في المجتمعات العربية سلوكات بيئية خاطئة كثيرة منها عدم غسل اليدين قبل الأكل أو قبل تناول الأدوية فوفق دراسات منظمة الصحة العالمية، فإن ارتفاع نسبة التوعية بأهمية غسل اليدين سيخفض ميزانيات العلاج السريري بنسبة 30%، وكذلك تناول الأدوية والمضادات الحيوية من دون وصفات طبية، فإن الدراسات الحديثة أثبتت أن هذه الممارسات الخاطئة في الاستهلاك تؤدي إلى توالد أجيال من البكتريا مقاومة للمادة الفعالة لهذه المضادات، ناهيك بالبيئة السلبية التي تتكون داخل الجسم" .
ونبه إلى "أن استخدام الميكروويف يحتاج إلى ضبط لأن الاعتماد عليه داخل البيت يؤثر في فقد القيمة الغذائية لبعض الأطعمة وعدم الاستفادة منها، إلى جانب أن الحرارة المنبعثة من بعض الأواني وحافظات الطعام ستترك أثراً سلبياً في الفرد والأسرة" .
ويوضح الشرقاوي أن معظم هذه السلوكات تؤدي إلى خفض المنظومة البيئة للفرد كالإفراط في تناول السكريات والتدخين والضوء واستخدام المياه في أماكن الإعاشة، بشكل لا يتناسب مع مربع المساحة التي يعيش عليها الأفراد، وخاصة في المجتمعات الجديدة . فمن الملاحظ أنه عندما يسمح بسكن أكثر من 4 أو 5 أفراد في مساحة 100 متر مربع بكافة مرافقها، فإن استخدام المياه والضوء والمكيف حتماً سيحدث أثراً بيئياً سيئاً .
أما على المستوى الشخصي فيبين الشرقاوي أننا نفرط في استخدام وسائل الاتصال الحديثة من هاتف وإنترنت، نظرا لما تتطلبه طبيعة العمل وهذا سلوك بيئي خاطئ في كافة المجتمعات العربية مما يحدث إرباكاً داخل المنظومة البيئية للفرد، وينعكس ذلك على تعاملاته مع الآخرين بشكل ملاحظ كالعصبية وحدة المزاج، وللأسف فإن بعض المؤسسات دخلت هذه الدائرة بشكل خاطئ كاستخدام الرسائل والمعلومات طوال الوقت، والإسراف في استخدامات الأحبار والأوراق وماكينات التصوير، مما يؤثر في الموازنة أولاً ومن ثم ميزانية الإنفاق العام .
"السلوكات البيئية الخطأ متداخلة في حيثياتها كما أنها متفاوتة في مستويات مخاطرها"، إلى ذلك ذهب د . شبر إبراهيم الوداعي الباحث والخبير البيئي، مضيفاً "السلوكات الاجتماعية والفردية محدودة المخاطر على الأمن البيئي للإنسان لكنها تترك أثرها في صحته ومن ذلك الممارسات غير الرشيدة في العلاقة مع المعالم البيئية وتتمثل في إلقاء المخلفات في الأماكن العامة وفي المياه البحرية وعلى الشواطئ وفي المناطق البرية والعبث بمكونات نظم البيئات الطبيعية وتتمثل في الأنشطة المخالفة حيث اقتطاع الأشجار وحرقها وقتل الحيوانات البرية بغرض التسلية واقتلاع الأعشاب المرجانية وإلقاء وحرق النفايات في غير الأماكن المخصصة لها والعديد من الأنشطة غير الرشيدة، والمخالفات القانونية وترتقي هذه الأنشطة في بعض حيثياتها إلى مستوى الجنحة وفق ما تحدد قواعد التشريع البيئي والتي منها على سبيل المثال ما منصوص عليه في المادة (76) و(77) و(79) و(81) و(82) و(83) و(84) من القانون الاتحادي رقم (24) لسنة 1999 في شأن الحماية البيئية وتنميتها في الإمارات، إلى جانب السلوكات المخلة بقواعد النظافة العامة للمحيط البيئي للإنسان وتفرض على من يمارسها مخالفات مادية وفق قواعد قوانين النظافة .
أوضح الوداعي "أن النوع الثاني من السلوكات والأنشطة التي تتسبب في إحداث أضرار شاملة للبيئة والأمن والسلامة البيئية للإنسان والإخلال بالأمن البيئي لكوكب الأرض وتحكمها قواعد القانون الدولي البيئي والإنساني، وكذلك الأنشطة السلبية التي تتسبب في إحداث الخطر الشامل للمجتمعات المحلية والسكان في البلد، كرمي أو إغراق أو طمر النفايات الخطرة في أراضي ومياه الدولة أو ممارسة الأنشطة الصناعية والإنتاجية غير الملتزمة بمعايير الأمن والسلامة وترتقي هذه الأنشطة إلى مستوى الجريمة تركن العديد من القوانين المحلية إلى اعتبارها جريمة خطرة وتفرض على مرتكبها جزاءات صارمة كالإعدام والسجن المؤبد والغرامات المادية الكبيرة وذلك ما أخذ به المشرع الإماراتي وقرره في المادة (73) من القانون الاتحادي رقم (24) لسنة 1999 في شأن حماية البيئة .
وأشار الوداعي مستشهداً بتجارب عالمية واسعة قائلاً: "بعض الدول خطت خطوات متقدمة في إنتاج البرامج المؤسسة والممنهجة في مجالات التوعية والتربية والتعليم والإعلام البيئي، كما جرى توقيع منظومة شاملة ومتخصصة الاتجاهات والموضوعات في الشأن البيئي، إضافة إلى ما عملت عليه الدول في إصدار تشريعاتها البيئية وبناء هياكلها التنظيمية والإدارية وإعداد استراتيجيتها الوطنية في الشأن البيئي والإمارات خير مثال على ذلك" .
ويؤكد الوداعي أن مستقبل البيئة من القضايا التي شغلت حيزاً كبيراً من الاهتمام العالمي والوطني وصارت المعايير البيئية والالتزام بأهداف التنمية المستدامة المتمثلة في حماية البيئة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المعيار الأهم للخطط الاستراتيجية للتنمية والمؤشر الرئيس للتقدم الحضاري للدول لذلك على الرغم من المخاطر المتصاعدة وآثارها السلبية وتفاوت اهتمام الدول في اعتماد المعايير البيئية في خططها ومشاريعها التنموية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن التوجه البيئي يؤكد حضوره في المشاريع المهمة للتنمية في معظم البلدان إلى جانب تزايد وعي المجتمعات بمخاطر الممارسات غير الرشيدة على أمنها ومعيشته، إضافة إلى تصاعد مجموعات الضغط البيئي العالمية المتمثلة في المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني الناشطة في المجال، وذلك يشكل مؤشراً مهماً من الطبيعي أن يفضي إلى تحسن مستدام في قضايا العلاقة مع النظم البيئية وصون معالمها الرئيسية ذات الأهمية الحيوية للحياة على كوكب الأرض .
ويتساءل الوداعي "كيف يمكننا الحد من تصاعد مستوى السلوكات الخطأ واتساع رقعتها الاجتماعية ومخاطرها على البيئة والإنسان حيث يتطلب ذلك منا اعتماد منظومة من الإجراءات المتداخلة في تشكيلتها التربوية والتعليمية والتربوية الإدارية والقانونية والتي يشترك في إنجاز مهمتها طيف من المكون الاجتماعي والمؤسسي الحكومي والخاص والمجتمع المدني، ويدخل ضمن هذا الطيف المعلم والتربوي والإعلامي والكاتب والأديب والمسرحي ورجل الدين والموظف والمسؤول في المؤسسة والمشرع وصناع القرار، لذلك نحن في حاجة إلى صناعة قرار ومنهج تعليمي وتربوي وتوعوي يشترك في إنجازه كامل هذه العناصر لبناء السلوك البيئي السليم، بيد أنه لإنجاز ذلك لا بد لنا من إقرار قواعد قانونية مؤسسة في منهجياتها الردعية والتي تشمل بمراجعة قواعد كافة الحالات وتستبعد الاستثنائية غير الطارئة في حالاتها الإنسانية، وتحظى بدعم مباشر من سلم الهرم في القيادة السياسية في الدولة والتي يمكن أن تسهم في قمع هذه الممارسات والأنشطة، إلى جانب بناء نظام إداري مؤسس وفاعل في مجال الرقابة البيئية وإعطائه صلاحيات واسعة لتمكينه من فرض القانون، ونرى أن الوقت قد حان لاعتماد "محكمة مختصة بالنظر في قضايا الجرائم البيئية" بمختلف مستوياتها .

هنا السويدي: نواكب الحدث محلياً ودولياً

تقول هنا السويدي رئيسة هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة "الهيئة تحرص على المشاركة السنوية في اليوم العالمي للبيئة، بتنظيم مجموعة من الفعاليات البيئية المتنوعة، مثل الورش والمحاضرات التوعوية البيئية والمعارض في مراكز منتزه الصحراء وهي متحف التاريخ الطبيعي والنباتي ومركز حيوانات شبه الجزيرة العربية ومزرعة الأطفال والحديقة الإسلامية بالإضافة إلى مركز كلباء للطيور الجارحة .
وأضافت "ليس الهدف تنظم الهيئة الفعاليات والمناشط بل إيصال الرسالة البيئية التوعوية إلى كافة شرائح المجتمع، من خلال مواكبتنا أي حدث بيئي سواء كان محلياً أو دولياً، حيث تعد تلك المناسبات جزءاً لا يتجزأ من منهجياتنا التي تولي اهتماماً كبيراً وواضحاً في شتى المجالات البيئية من خلال دعم وتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في وضع الخطط البيئية والتشريعات للتمكين من المساهمة الفعلية في صون الموارد الطبيعية والتنوع الحيوي والحفاظ على جودة المحيط البيئي للإنسان والارتقاء بمستوى الوعي البيئي وتحقيق الانسجام بين عملية التنمية وحماية البيئة" .
كما أشارت السويدي إلى أن "عملية التوعية البيئة مستمرة طوال العام مثل الحملة البرية لمرتادي المناطق البرية والمشاركة في حملات التنظيف والتشجير التي تساهم في توفير بيئة إيجابية بأفراد المجتمع وتغير السلوكات والمفاهيم باتجاه الحفاظ على البيئة وتعزيز حب البيئة والحفاظ على سلامتها لدى الأفراد من العبث البشري، وزرع روح المبادرة في الحفاظ على نظافة المكان والعمل التطوعي في مجال البيئة وضرورة احترام القوانين والسنن التي سنها الله في الكون، لأن محاولة محوها أو تحريفها تضرّ بالبيئة الطبيعية وبعيش الإنسان" .

ارفع صوتك

عام 1972 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 5 يونيو/ حزيران يوماً عالمياً للبيئة، وذلك في ذكرى افتتاح مؤتمر "استكهولم" عن البيئة الإنسانية، كما صدقت الجمعية العامة في اليوم ذاته على قرار تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة .
وهو يشكل إحدى الوسائل الرئيسية لشحذ الوعي البيئي، وتعزيز الاهتمام والعمل السياسيين على نطاق عالمي، وعادة ما يشارك في احتفالات يوم البيئة العالمي القيادات السياسية من رؤساء الدول ورؤساء الوزراء ووزراء البيئة، حيث يقومون بتوجيه كلمات تحث على العمل من أجل الحفاظ على كوكب الأرض وتؤكد إيمانهم بقضايا البيئة، وتأخذ هذه الاحتفالات أوجهاً أكثر فاعلية من خلال تأسيس هيئات أو برامج حكومية تعمل في مجالات الإدارة والتخطيط البيئي واقتصاديات البيئة، كما يمثل يوم البيئة فرصة مواتية للحكومات من أجل التصديق على الاتفاقات الدولية الخاصة بالبيئة،
ويأخذ الاحتفال أشكالاً شتى، ومنها المواكب الشعبية ومهرجانات الدراجات وإحياء حفلات موسيقية خضراء، ومسابقات لكتابة المقالات وتصميم الملصقات تنظمها المدارس، وغرس الأشجار، والقيام بحملات إعادة التدوير، وحملات التنظيف وغيرها من الأنشطة، وتنتهز هذه المناسبة السنوية في بلدان كثيرة، لتعزيز الاهتمام والعمل على المستوى السياسي .
شعار يوم البيئة العالمي لهذا العام 2014 "ارفع صوتك . . لمستوى سطح البحر" . اختارت الأمم المتحدة عام 2014 سنة دولية للدول الجزرية الصغيرة النامية، وسوف يتركز موضوع يوم البيئة العالمي هذا العام على الدول الجزرية الصغيرة النامية وما تواجه من تحديات نتيجة لتغير المناخ والكوارث الطبيعية، الهدف هو المساعدة في بناء الزخم نحو مؤتمر الأمم المتحدة الدولي الثالث المعني بالدول الجزرية الصغيرة النامية، والذي سيعقد في سبتمبر/ أيلول في أبيا، ساموا، ويهدف إلى رفع الوعي والفهم بأهمية الدول الجزرية الصغيرة النامية، والحاجة الملحة للمساعدة في حمايتها في مواجهة تزايد المخاطر ومواطن الضعف، لا سيما نتيجة لتغير المناخ، وسيكون يوم البيئة العالمي 2014 فرصة ممتازة لرفع دعوة للتضامن مع الجزر .