بيروت: البير خوري
سلوى البنا الروائية العربية، الفلسطينية خصوصاً، ولادة وهوىً وأحلاماً، صاحبة «عروس خلف النهر»، و«حذاء صاحب السعادة»، و«إمرأة خارج الزمن»، إلى عناوين أخرى، آخرها في السلسلة «عشاق نجمة» الصادرة مؤخراً عن دار الآداب، لا تعرف أن تحلم، أو تكتب، أو تحب إلا بالفلسطينية. هي برواياتها تبذر الحرية وتنتقم للصمت الثقافي الطويل الذي عانته فلسطين والقضية العربية المقدسة منذ أعوام عدة، وتعانيه اليوم أمام جنون إرهاب «داعش» والنصرة.
في هذا الحوار، تتحدث سلوى عن أرض يراهن، كبار وصغار، على محو تاريخ بلادها، وعن الزمن، وعن الذاكرة، وعن أبطال زرعتهم حروفاً وعشاقاً ل«نجمة» تتوهج أكثر كلما استبدت «هيرودوسات» اليوم والغد.
* من تكون «نجمة»، ومن هم عشاقها؟ ألا ترين أن الترميز في رواياتك يفقد الموضوع وأبطاله الكثير من حقائقه وواقعهم؟
- أن تكون فلسطين هي النجمة. وزيتونتها هي تاريخها العريق، فهذا يعني تأكيداً على هويتها العربية، وعراقة جذورها ووجهها الحضاري. الزيتونة هنا ترمز للجذور الفلسطينية الضاربة عميقاً في الأرض والتاريخ. أما عشاقها، فهم هؤلاء الذين لا يزال وهجها يسكن عيونهم ويحتل وجدانهم وضمائرهم، ويؤمنون بحقهم التاريخي بها، وبالتالي العمل على استردادها وتحريرها. «عشاق نجمة» هم عشاق فلسطين.. القضية المركزية والأساس، تختزل بعدالتها طموحاتها وأهدافهم. من هنا لا أرى في الرواية ترميزاً سوى بالعنوان. شخصيات واضحة ومحددة، ولكل منهم عالمه الذي يحدد هويته وانتماءه وأحلامه وأهدافه. وإن كانوا في النهاية يلتقون على هدف واحد هو «نجمة» أو فلسطين. أنا مع الترميز في الحدود التي تضيف للعمل سحر الخيال ولمسة التشويق، مع الاحتفاظ بسلاسته وقربه من الواقع والحقيقة. تلك رمزية تستدعيها طبيعة العمل أحياناً. بهذا المعنى هي تغنيه، وليس العكس.

* تكتبين عن فلسطين، القضية والتاريخ والناس، متى نكاد نقرأ في عناوينك الكثيرة، أنك وفلسطين، وحدة يصعب فكاكها. ألا ترين أن آلام الأمة العربية في الظروف الراهنة، باتت تشكلك «فلسطينيات» بأسماء كثيرة؟

- نعم، أنا فلسطينية حتى النخاع، طالما فلسطين محتلة. ولكن هذا لا يلغي عروبتي التي تنطلق من عروبة فلسطين في الأساس. أكتب انطلاقاً من جرحها المفتوح والنازف. ولتبقى حاضرة في القلب والوجدان.

أما لماذا فلسطين وفي العالم العربي اليوم أكثر من فلسطين بأسماء كثيرة؟ فهذا لكونها أساساً مفتاح القضية وبوصلتها. منها يبدأ المشوار وفيها ينتهي، ولا خلاص لعالمنا العربي إلاّ بخلاصها. احتلال فلسطين كان أول خطوة في تفتيت عالمنا العربي وضياعه. وإعادة ترميمه يتطلب استحضار بوصلته وتصحيح مسارها. البوصلة فلسطين.. واستردادها يشكل أولى الخطوات لتصحيح المشهد.

*دائماً ودائماً رواياتك فلسطينية بامتياز، في حين أن فلسطين القضية والشعب والأرض، تكاد تكون خارج الاهتمامات الأدبية العربية. هل تحاولين التأكيد على أن استرجاع فلسطين مفتاح الحلول لكل القضايا العربية المتفجرة؟

- الأصحّ أنها عربية بامتياز. إن كنّا نؤمن كعرب إن فلسطين هي قلب الأمة العربية. ما يعني أنها مؤشرّ سلامتها، وعنوان نهوضها، ودليل قوتها. ليس هذا ما أقوله، وإنما ما يقوله التاريخ. الوطن العربي وحدة متكاملة، جغرافياً وتاريخياً وثقافة وحضارة.. وانتزاع فلسطين من قلب العالم العربي شكّل بداية تفكيكه ودماره وتشرذمه. والشاهد هنا تحولنا إلى قبائل وعصابات وعصبيات متناحرة تدمّر ما تبقى من أعمدة لهذا الوطن.
تغيب فلسطين عن المشهد فعل متعمّد وغير بريء، واستحضارها وتفعيلها تصحيح لهذا المشهد وإضاءة على الطريق. والكلمة هنا من أقوى الوسائل لإيقاظ الضمائر واستعادة العقول وتصويب البوصلة. أنا أكتب بكل جوارحي عن قضية أؤمن بها وأتنفسها، وتشكّل كياني ونبضي. في قناعتي المطلقة أن الأدب، وتحديداً الرواية، إن لم يحمل رسالة يفقد الكثير من قيمته. ثمة فرق ما بين رواية تطفو على سطح الواقع وأخرى تغوص عميقاً في سراديبه، ولتلقط حروفها كل الزوايا وتضيء عليها.
من هنا أقول إن فعل الكتابة مسؤولية كبيرة، خاصة في هذه المرحلة. لا يجوز لأصحاب الأقلام المبدعة تخطيها أو الاستهانة بها. على الأقلّ ليبقى للفكر دوره في الخلق والإبداع. وليبقى للمبدع وطناً يحلّق في سمائه.

* ما الذي يميز «عشاق نجمة» عن رواياتك السابقة، في الظاهر والمحتوى؟ نقاد وجدوا فيها تكراراً لذاتك ولشخصيات سبق أن تعاطيت معها بإيجابية لكأنها دمى تنقلينها من رواية إلى أخرى؟

- «عشاق نجمة» وضعتني أمام تحدّ كبير. معها أصبحت أكثر حرصاً وخوفاً على قلمي، ومواجهة لذاتي. أن تكتب كفلسطيني بنبض عربي، يتخطى حدود الذات المغمسّة بوجعك الخاص والمزمن. وليضيء وبكثافة على مساحة وطن بأكمله، جرحه النازف بعض من جرحك ووجعك. وأن ترسم المشهد بشفافية وصدق من خلال وجوه متعددة، شكلت بمعاناتها وتطلعاتها وأحلامها، لوحة صارخة لوطن وقضية. وهذا أمر ليس بالسهل. في «عشاق نجمة» تخطيت ذاتي بامتياز، وأنا فخورة بهذا العمل الذي أعاد استحضار فلسطين بعيون وقلوب عربية. وثمة نقاد كثر أضاءت أقلامهم على الكثير من أسرار العمل ولغته، وحتى مضمونه وأسلوبه، ما يجعلني أشعر بالمسؤولية أمام أي عمل جديد. فما بعد «عشاق نجمة» ليس كما قبلها.

* هل تعتقدين أن الروائيين العرب، كما السياسيين، تراجعوا عن القضية الفلسطينية، وما أسباب أمام التمدد الإرهابي الفظيع على الساحات العربية؟

- فلسطين في الرواية العربية إجمالاً لم تكن حاضرة بقوة، ثمة مبدعون عرب انخرطوا في صفوف المقاومة الفلسطينية في سبعينات القرن الماضي، وكانت لتجربتهم مساحة كبيرة في إبداعاتهم، سواء في الرواية أو القصة أو الشعر، أو الفنون التشكيلية، هؤلاء أغنوا بتجربتهم الإبداعية قضية فلسطين، ومنحوها بُعداً عربياً نحتاجه اليوم بقوة. وللمناسبة أُشير إلى عدد كبير من الفنانين العرب الذين حضرت فلسطين في أغانيهم وأصواتهم ورسومهم وإبداعاتهم المختلفة، ونستحضر بعض الرموز والظواهر الكبيرة كالشيخ إمام مثلاً. باختصار كانت سبعينات القرن الماضي وما قبلها بقليل مرحلة ازدهار فكر توعوي انعكس على معظم الفنون والإبداعات، وكانت فلسطين حينها حاضرة وبقوة في المشهدين السياسي والأدبي. هذا لا يعني أن ثمة مبدعين عرباً كثراً لم تحضر فلسطين في أعمالهم على مدار عقود من احتلالها. لكن التراجع انطلق أساساً من التراجع في كل مفاهيمنا وأدبياتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية. واقع سحب ذيوله على نمط حياتنا وسلوكاتنا وأولوياتنا. وبالتالي ينسحب اليوم على ما نسميه زوراً «إبداعاً».

* نستطيع عبر «عشاق نجمة» أن ندرك أنك تعودين دوماً إلى نقطة الانطلاق تاريخاً وإيماناً وقومية وسلطة؟

- «عشاق نجمة» تنطلق من جذور فلسطين أرضاً وتاريخاً وشعباً وحضارةٍ. تنبش في الذاكرة، وتصوغها وقائع وصوراً وشخوصاً نحن امتداد لهم، وبعض من دمهم ووجدانهم وذاكرتهم. هنا في القلب ومنها يافا، معالم وآثار وحضارة وتاريخ تتنامى جذوره على مساحة الوطن الكبير، ليبقى العبق الفلسطيني يسري في العروق من جيل إلى جيل. وهنا أيضاً في منافيها المترامية، تتوالد أحلام وتحديات. ولعلّ ما لم يلتفت إليه الكثيرون أنها ومن خلال بطلها العجوز الفلسطيني تستحضر حلم العودة.. ومن بعد انطفاء هذا الحلم أو انكساره وتداعياته على الإنسان الفلسطيني بشكل خاص، والعربي بشكل عام. والرواية كما قلت، تعيد استحضار فلسطين كقضية عربية، وتؤكد أهمية تفعيل دورها. والالتفاف حولها للخروج من واقعنا الراهن المزري والمهين. كل ذلك، من خلال أبطال أربعة من عواصم عربية مختلفة، جمعتهم قواسم مشتركة في الحب والنضال، والتحليق وراء حلم جميل له مذاق الحرية وطعم الأمل، انتهوا آخر المطاف في زنزانة تجسّد وطناً مخطوفاً هو في حقيقته واقع هذا الوطن، بكل ما يشهده من تمزق وحروب ودمار.

يبقى أن «عشاق نجمة» في لحظات ضعفهم وانخطافهم إلى المجهول، يضيئون بقوة على أجمل ما تحمله قلوبهم من نبض إنساني شفاف. يسحبوننا معهم إلى تفاصيل دقيقة وحميمة تتوهج وتلمع في ذاكرتهم مع كل صرخة ألم وتمزق. مع هذه الشخصيات نعود بشراً من لحم ودم، في مواجهة مكشوفة مع نقاط ضعفنا وهشاشتنا.. إلى حاجتنا الماسّة للحب، وإلى حضن حبيبة نحتمي فيه من بشاعة الهزيمة ووجع الانكسار.

* في رواياتك أكاد أكتشف أن كل رواية هي شيء لا ينتهي وشيء متشابه. بهذا المعنى، متى نقرأ فلسطين الجديدة في حروف سلوى البنا؟

- رواياتي تنطلق أساساً من فلسطين، صلب المعاناة. تختزل بُعدها الإنساني والاجتماعي. لذا لا بّد أن يعكس أبطالها هذا الواقع، ولو بأسلوب غير مباشر أو خطابي. في «عشاق نجمة» ناس عاديون على اختلاف هوياتهم. يناضلون، يعشقون يحبون ويكرهون.. ولهم خصوصياتهم التي تنطلق من تركيبتهم الشخصية، وميولهم وثقافتهم وانتماءاتهم. بمعنى أن الرواية ليست منشوراً سياسياً، وإنما وقائع حياتية فيها البُعد الإنساني المشوّق والخيال، كما فيها جموح الحلم وصقيع ضياعه.

هي رواية كما سبق وقلت، وكما كل رواياتي، فلسطينية النبض عربية الجسد والروح، وبهذا المعنى فلسطين الجديدة هي رهن ما يخطه المشهد العربي من جديد، ورهن حضورها فيه وقوة هذا الحضور.