هي سورة مدنية، من طوال السور، عدد آياتها 200 آية، وهي السورة الثالثة من حيث الترتيب في المصحف، نزلت بعد سورة الأنفال، وتبدأ السورة بحروف مقطعة ألم وتسمى الأمان والكنز والمعنية والمجادلة وسورة الاستغفار، وسميت هذه السورة في كلام النبي وكلام الصحابة: سورة آل عمران، ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة: قال سمعت رسول الله يقول: اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، وفيه عن النواس بن سمعان: قال سمعت النبي يقول: يؤتى بالقرآن يوم القيامة تقدمه سورة البقرة وآل عمران وروى الدارمي في مسنده: أن عثمان بن عفان قال: من قرأ سورة آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة، وسماها ابن عباس في حديثه في الصحيح قال: بت في بيت رسول الله فنام رسول الله حتى إذا كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله فقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران .
سُميت السورة آل عمران لورود ذكر قصة تلك الأسرة الفاضلة آل عمران وعمران هو عمران بن ماتان أبو مريم وزوجه حنة وأختها زوجة زكريا النبي، وزكريا كافل مريم إذ كان أبوها عمران توفي وتركها حملاً فكفلها زوج خالتها .
وهذه السورة نزلت بالمدينة بالاتفاق، بعد سورة البقرة، فقيل: إنها تالية لسورة البقرة على أن البقرة أول سورة نزلت بالمدينة، وقيل: نزلت بالمدينة سورة المطففين أولاً، ثم البقرة ثم نزلت سورة آل عمران، ثم نزلت الأنفال في وقعة بدر، وهذا يقتضي: أن سورة آل عمران نزلت قبل واقعة بدر، للاتفاق على أن الأنفال نزلت في وقعة بدر، ويبعد ذلك أن سورة آل عمران اشتملت على التذكير بنصر المسلمين يوم بدر، وأن فيها ذكر يوم أحد، ويجوز أن يكون بعضها نزل متأخراً .
ومن العلماء من قالوا: نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال، وكان نزولها في وقعة أحد، أي شوال، سنة ثلاث، وهذا أقرب، فقد اتفق المفسرون على أن قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم) (سورة آل عمران: 121) هو قتال يوم أحد .
وكذلك قوله: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) (سورة آل عمران: 144) فإنه مشير إلى الإرجاف يوم أحد بقتل النبي .
قرينة البقرة
قال العلماء إنه ليس أنسب من آل عمران سورة لتأتي عقب سورة البقرة فهي تشرح ما ورد فيها إجمالاً فقد ذكر في البقرة خلق الناس وذكر في آل عمران تصويرهم في الأرحام، وذكر هناك مبدأ خلق آدم، وذكر هنا مبدأ خلق أولاده، وكما يقول صاحب روح المعاني إنه افتتح البقرة بقصة آدم وخلقه من تراب بلا أب ولا أم، وذكر في آل عمران نظيره في الخلق من غير أب وهو عيسى، ولذلك ضرب له المثل بآدم ، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور، وهو أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل، وهذه كالفرع والتتمة لها، فاختصت بالأغرب، ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا أب، ففوتحوا بقصة آدم لتثبت في أذهانهم فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشهد لها من جنسها، ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم والمقيس عليه لا بد أن يكون معلوماً لتتم الحجة بالقياس فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرة بالتقديم .
وقد ذكر بعض المحققين من وجوه التلازم بين السورتين أنه قال في البقرة في صفة النار: (أعدت للكافرين) مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معا، وقال في آخر هذه: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) (سورة آل عمران: 133)، فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة، ومما يقوي المناسبة والتلازم بينهما أن خاتمة هذه مناسبة لفاتحة تلك، لأن الأولى افتتحت بذكر المتقين وأنهم المفلحون، وختمت هذه بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (سورة آل عمران: 200)، وافتتحت الأولى بقوله سبحانه: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) (سورة البقرة: 3)، وختمت آل عمران بقوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) (سورة آل عمران: 199) .
وقد ورد أن اليهود قالوا لما نزل قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون) (سورة البقرة: 245): يا محمد افتقر ربك يسأل عباده القرض فنزل قوله: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق) (سورة آل عمران: 181)، وهذا مما يقوي التلازم أيضاً .
سبب نزول السورة
قال المفسرون: قدم وفد نجران وكانوا ستين راكباً على رسول الله وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم، فالعاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد إمامهم وصاحب رحلهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، وكانت ملوك الروم قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس لعلمه واجتهاده، فقدموا على رسول الله ودخلوا مسجده حين العصر عليهم ثياب الحبرات جبابا وأردية في جمال رجال الحارث بن كعب، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله لما رأينا وفدهم قاموا فصلوا في مسجد رسول الله، فقال رسول الله: دعوهم، فصلوا إلى المشرق فقال رسول الله للسيد والعاقب: أسلما فقالا: قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير، قالا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه؟ فقال لهما النبي: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه قالوا: بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً قالوا: لا، قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث، قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا فأنزل الله عز وجل فيهم سورة آل عمران إلى بضعة وثمانين آية منها .
والإجماع على أن سورة آل عمران من أوائل المدنيات، وترجيح أنها نزلت في وفد نجران يعني أن وفد نجران كان قبل سنة الوفود .
فضل آل عمران
سورة آل عمران من السور المدنية الطويلة وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على ركنين هامين من أركان الدين، الأول: ركن العقيدة وإقامة الأدلة والبراهين على وحدانية الله جل وعلا، والثاني: التشريع وبخاصة فيما يتعلق بالمغازي والجهاد في سبيل الله .
وفي فضلها قال رسول الله: اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرأوا الزهراوين: البقرة، وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان -أو غيايتان- أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما، اقرأوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة: السحرة . أخرجه مسلم عن أبي أمامة الباهلي، وزاد في رواية ما من عبد يقرأ بها في ركعة قبل أن يسجد، ثم سأل الله شيئاً إلا أعطاه، إن كادت لتستحصي الدين كله .
وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران - وضرب لهما رسول الله ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد - قال: كأنهما غمامتان - أو ظلتان - سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما خرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما أخرجه مسلم، وعند الترمذي ما نسيتهن بعد، قال: يأتيان كأنهما غيابيتان بينهما شرق، أو كأنهما غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلتان من طير صواف، تجادلان عن صاحبهما.