سورة إبراهيم هي السورة الرابعة عشرة بترتيب المصحف الشريف، كلها مكية كما ذكر الحافظ ابن كثير، ونقل مثله الإمام القرطبي عن الحسن وعكرمة وجابر، ونقل أيضاً عن ابن عباس وقتادة استثناء آيتين أو ثلاث منها نزلت في الذين حاربوا الله ورسوله وهي من قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (سورة إبراهيم: 28) إلى قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (سورة إبراهيم: 30) .

سُميت السورة الكريمة سورة إبراهيم تخليداً لمآثر أبي الأنبياء وإمام الحنفاء إبراهيم الذي حطم الأصنام وحمل راية التوحيد وجاء بالحنيفية السمحة ودين الإسلام الذي بُعِثَ به خاتم المرسلين .

حقيقتان كبيرتان

الموضوع الأساسي لسورة إبراهيم هو موضوع السور المكية الغالب: العقيدة في أصولها الكبيرة: الوحي والرسالة والتوحيد والبعث والحساب والجزاء .

ولقد تضمنت السورة عدة حقائق رئيسية في العقيدة، ولكن حقيقتين كبيرتين تظللان جو السورة كلها، وهما الحقيقتان المتناسقتان مع ظل إبراهيم في جو السورة: حقيقة وحدة الرسالة والرسل، ووحدة دعوتهم، ووقفتهم أمة واحدة في مواجهة الجاهلية المكذبة بدين الله على اختلاف الأمكنة والأزمان، وحقيقة نعمة الله على البشر وزيادتها بالشكر، ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران، وبروز هاتين الحقيقتين، أو هذين الظلين، لا ينفي أن هناك حقائق أخرى في سياق السورة، ولكن هاتين الحقيقتين تظللان جو السورة .

تناولت السورة الكريمة موضوع العقيدة في أصولها الكبيرة الإيمان بالله والإيمان بالرسالة والإيمان بالبعث والجزاء، ويكاد يكون محور السورة الرئيسي الرسالة والرسول، فقد تناولت دعوة الرسل الكرام بشيء من التفصيل وبيَّنَتْ وظيفة الرسول ووضحت معنى وحدة الرسالات السماوية، فالأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين جاؤوا لتشييد صرح الإيمان وتعريف الناس بالإله الحق الذي تعنو له الوجوه، وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور فدعوتهم واحدة وهدفهم واحد .

والسورة ليست الوحيدة التي تتفرغ لموضوع التوحيد، فهناك العديد من السور التي فعلت ذلك؛ كالإخلاص والكافرون، والشاهد أن إفراد السور القرآنية على تنوعها في الطول والقصر بموضوع التوحيد تأكيد على أهمية وأولوية هذا الموضوع في الخطاب القرآني .

كما أن الوحدة الموضوعية في سورة إبراهيم ظلت بارزةً في السورة كلها من أولها إلى آخرها، وكأنها تشير إلى مبدأ منهجي مهم وهو عدم تجاوز مسألة تقرير العقيدة والتوحيد إلى أي شيء حتى يتم الفراغ من تقرير الأساس العقدي .

ولذلك جاءت بداية السورة بالتنبيه إلى إعجاز القرآن، وبالتنويه بشأنه، وانه أنزل لإخراج الناس من الضلالة، والامتنان بأن جعله بلسان العرب، وتمجيد الله تعالى الذي أنزله، ووعيد الذين كفروا به وبمن أنزل عليه، وإيقاظ المعاندين بأن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان بدعاً من الرسل، وأن كونه بشراً أمر غير مناف لرسالته من عند الله، كغيره من الرسل، وضرب له مثلاً برسالة موسى عليه السلام إلى فرعون لإصلاح حال بني إسرائيل، وتذكيره قومه بنعم الله ووجوب شكرها، وموعظته إياهم بما حل بقوم نوح وعاد ومن بعدهم، وما لاقته رسلهم من التكذيب، وكيف كانت عاقبة المكذبين، وإقامة الحجة على تفرد الله تعالى بالألوهية بدلائل مصنوعاته، وذكر البعث، وتحذير الكفار من أن تغرير قادتهم وكبرائهم بهم من كيد الشيطان، وكيف يتبرأون منهم يوم الحشر، ووصف حالهم وحال المؤمنين يومئذ، وفضل كلمة الإسلام وخبث كلمة الكفر، ثم التعجب من حال قوم كفروا نعمة الله وأوقعوا من تبعهم في دار البوار بالإشراك، والإيماء إلى مقابلته بحال المؤمنين، وعد بعض نعمه على الناس تفضيلاً ثم جمعها إجمالاً، ثم ذكر الفريقين بحال إبراهيم عليه السلام ليعلم الفريقان من هو سالك سبيل إبراهيم عليه السلام ومن هو ناكب عنه من ساكني البلد الحرام، وتحذيرهم من كفران النعمة، وإنذارهم أن يحل بهم ما حل بالذين ظلموا من قبل، وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم بوعد النصر، وما تخلل ذلك من الأمثال، وختمت بكلمات جامعة من قوله هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألباب، (سورة إبراهيم: 52) إلى آخرها .

دلالات الأسماء

وسورة إبراهيم من السور التي جاءت في سياق ذكر دلالات الأسماء في القصص القرآني وأهمية الأنبياء والاقتداء بهم فكان لهذه السورة علاقة قوية بينها وبين اسمها الذي حمل معنى التضحية، وفيه الإشارة إلى أبي الأنبياء إبراهيم ومن هذه السورة تأتي أهمية مقاصد أسماء السور التي توضح العلاقة القوية بين الاسم والمضمون، فمقصود السورة التوحيد وبيان أن الكتاب غايته البلاغ عند الله لأنه كافل بيان الصراط الدال عليه المؤدي إليه، ناقل بما فيه من الأسرار للخلق من طور إلى طور، وأدل ما فيها على هذا المرام قصة إبراهيم، فهذا المقصد الذي أبرزته السورة بين أهمية مقصود الأنبياء فيما أرسلوا به من عند الله، عز وجل، فكان بذلك الاتباع والاقتداء بهم هو المراد من جعل قصصهم عبرة، وتوضيح جهودهم للدعوة، وصبرهم على الإيذاء، وطريقهم سلوك يقتفى أثره من بعدهم لكل من أراد الدعوة إلى الله، لأن الأنبياء عليهم السلام هم صفوة الخلق وهم حملة شريعته في الأرض وعلى ذلك تأتي أهمية الاقتداء بهم، ولإبراهيم مزايا عدة مذكورة في القرآن وعدد الآيات التي ذكر فيها إبراهيم هو اثنتان وخمسون آية في سور مختلفة ومن مزايا إبراهيم عليه السلام .

- أولاً: إنه صاحب مقام الخلة، فهو خليل الله .

ثانياً: إنه هو الذي وفى ولم يشهد لغيره بذلك .

ثالثاً: إنه أتم كلمات البلاغ باصطباره على ذبح الولد، وغيره من أنواع البلاء .

رابعاً: هو الذي حرص على مصالح المسلمين في تسميتهم المسلمين .

خامساً: هو الذي دعا للمسلمين برسول هو خير الوجود، حتى قال رسول الله: أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى، إن الله يوضح للأمة الإسلامية من خلال سياق الآيات أن عليكم يا أمة الإسلام أن تعتبروا من دعوة إبراهيم التي جاءت دعوة محمد على طريقها؛ أن تتمسكوا بدينكم ولا تكونوا كالأمم الأخرى التي غيرت منهاج وطريق دعوة رسلها، وتغير حالها من الأحسن إلى الأسوأ، حتى تلاشت، وهذه الأمة مطالبة أن تقتفي آثار الرسل على نهج خاتمهم لأن اتباع طريق الأنبياء في الدعوة إلى الله هو الطريق الذي يصلح حال البشر والأمم وما نراه من فساد اجتماعي اليوم في الدول والبشر إنما هو ناتج عن التخلي عن صفات الإيمان التي دعا إليها الأنبياء لأن ترك الطاعة يجلب المعصية والمعصية تجلب غضب الله، فعلينا أن نصلح من حالنا وحال من حولنا حتى يتم لنا ما أراده الله من صلاح الدنيا والآخرة بهذا الدين العظيم .

نعمة الإيمان

في حديث السورة عن مواجهة الرسل مع أقوامهم الرافضين لدعوتهم، ركّزت السورة على أن أهم نعمة على الإطلاق هي نعمة الإيمان، وأشرّ نقمة هي الكفر، وقد يتخيل البعض أن النعم هي نعم الدنيا المادية ويتعلقون بها ويحرصون على كسبها والتنعم بها على حساب الآخرة .

وتتطرق السورة أيضاً إلى خطبة إبليس في جهنم (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (22) .

ثم تنتقل السورة إلى أعظم نعمة في الأرض: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24)، وهذه الكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد وهي أفضل النعم، لا النعم المادية من مال وبنين، ومثلما يثمر شجر الدنيا بأطيب الثمار نأكلها، فإن التوحيد يثمر في الآخرة جنة ونعيماً خالداً، أما الكفر فهو كالكلمة الخبيثة .

ثم تنتقل السورة إلى عرض نموذج سيدنا إبراهيم الذي عرف أن نعمة الله تعالى تتجلى في نعمة الإيمان: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء، رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء (39 - 40)، ولذا سميت السورة باسمه لأنه خير نموذج لمن قدّر النعمة .

وفي العشر آيات الأواخر تختم السورة بإظهار خطورة الكفر: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42)، إلى نهاية السورة، وكأنما السورة عرضت لنموذجين: أحدهما عرف قدر نعمة الإيمان والتوحيد، والآخر كفر بالنعمة فكانت نقمة عليه، وهذا هو هدف السورة ومحورها الذي دارت حوله الآيات .