سورة الأنفال من سور المثاني، وهي السورة الثامنة في ترتيب المصحف، نزلت بعد سورة البقرة، وتبدأ السورة بفعل (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (سورة الأنفال: 1)، واهتمت السورة بأحكام الأسرى والغنائم ونزلت بعد غزوة بدر .

اتفق رجال الأثر كلهم على أنها أنزلت في غزوة بدر: قال ابن إسحاق: أنزلت في أمر بدر سورة الأنفال بأسرها وكانت غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة بعد عام ونصف العام من يوم الهجرة، وذلك بعد تحويل القبلة بشهرين، وكان ابتداء نزولها قبل الانصراف من بدر فإن الآية الأولى منها نزلت والمسلمون في بدر قبل قسمة مغانمها، والظاهر أن نزولها استمر إلى ما بعد الانصراف من بدر، وفي كلام أهل أسباب النزول ما يقتضي أن آية (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (سورة الأنفال: 66) نزلت بعد نزول السورة بمدة طويلة، كما روي عن ابن عباس، وقال جماعة أن ثلاث آيات من: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) (سورة الأنفال: 62) إلى آخر الثلاث آيات نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل ابتداء القتال، وقال ابن عباس: هي مدنية إلا سبع آيات من قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (سورة الأنفال: 30) إلى آخر السبع آيات .

أغراض السورة

سورة الأنفال إحدى السور المدنية التي عنيت بجانب التشريع وبخاصة في ما يتعلق بالغزوات والجهاد في سبيل الله فقد عالجت بعض النواحي الحربية التي ظهرت عقب بعض الغزوات وتضمنت كثيراً من التشريعات الحربية والإرشادات الإلهية التي يجب على المؤمنين اتباعها في قتالهم لأعداء الله وتناولت جانب السلم والحرب وأحكام الأسر والغنائم .

ابتدأت بأحكام الأنفال وهي الغنائم وقسمتها ومصارفها، والأمر بتقوى الله في ذلك وغيره، والأمر بطاعة الله ورسوله، في أمر الغنائم وغيرها، وأمر المسلمين بإصلاح ذات بينهم، وأن ذلك من مقومات معنى الإيمان الكامل، وذكر الخروج إلى غزوة بدر وخوفهم من قوة عدوهم وما لقوا فيها من نصر وتأييد من الله ولطفه بهم، وامتنان الله عليهم بأن جعلهم أقوياء، ووعدهم بالنصر إن اتقوا الله بالثبات أمام العدو، والصبر، والأمر بالاستعداد لحرب الأعداء، والأمر باجتماع الكلمة والنهي عن التنازع، والأمر بأن يكون قصد النصرة للدين نصب أعينهم، ووصف السبب الذي أخرج المسلمين إلى بدر، وذكر مواقع الجيشين، وتذكير النبي بنعمة الله عليه إذ أنجاه من مكر المشركين به بمكة وخلصه من عنادهم، وأن مقامه بمكة كان أماناً لأهلها فلما فارقهم فقد حق عليهم عذاب الدنيا بما اقترفوا من الصد عن المسجد الحرام، ودعوة المشركين للرجوع عن مناوأة الإسلام وإيذانهم بالقتال، والتحذير من المنافقين، وضرب المثل بالأمم الماضية التي عاندت رسل الله ولم تشكر نعمة الله، وأحكام العهد بين المسلمين والكفار وما يترتب على نقضهم العهد، ومتى يحسن السلم، وأحكام الأسرى، وأحكام المسلمين الذين تخلفوا في مكة بعد الهجرة، وولايتهم وما يترتب على تلك الولاية .

قوانين النصر

نزلت سورة الأنفال عقب غزوة بدر التي كانت فاتحة الغزوات في تاريخ الإسلام المجيد وبداية النصر لجند الرحمن، حتى سمّاها بعض الصحابة بسورة بدر لأنها تناولت أحداث هذه الموقعة بإسهاب ورسمت الخطة التفصيلية للقتال وبيّنت ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من البطولة والوقوف في وجه الباطل بكل جرأة وشجاعة وصمود، وقد كان عدد المسلمين 313 مقابل 1000 من المشركين، لكن المسلمين على قلة عددهم انتصروا بعون الله تعالى وباستعدادهم للحرب على المشركين مع كثرتهم، وقد سبق في السور الطوال التي سبقت الأنفال أن عرض الله تعالى لنا المنهج وكيف نثبت عليه بالتوحيد الخالص لله وبالعدل وحسم المواقف ثم جاءت سورة الأنفال ليبّين لنا أنه حتى ينتصر المنهج يجب أن يكون له قوانين للنصر، فالنصر لا يأتي صدفة ولا فجأة، وإنما يحتاج إلى قوانين، وسورة الأنفال تتحدث عن قانوني النصر في غزوة بدر، واللذين يمكن أن يكونا عامين لكل الغزوات والمعارك بين الحق والباطل، وهذان القانونان هما: أن النصر من عند الله، وأنه يستلزم الاستعداد للقتال بالعدة والتهيئة النفسية والعسكرية .

والسورة تنقسم إلى قسمين بارزين، كل منهما يتناول أحد هذين القانونين، والسورة تحتوي على توازن بين القانونين، فبعد التوحيد الخالص لله في سورة الأنعام وأن كل شيء لله تعالى، كان النصر من عند الله أمراً طبيعياً، ولكن لا بد من التخطيط والاستعداد (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (53) بمعنى أن نبذل كل الجهد ونتوكل على الله حتى ينصرنا .

وكان المسلمون بعد انتصارهم قد اختلفوا كيف توزع الغنائم عليهم والله تعالى أراد أن ينبههم إلى أن الغنائم هي من الدنيا، والاختلاف عليها خلاف على الدنيا، والله تعالى يريد أن يرسّخ في قلوب المسلمين قوانين النصر بعيداً عن الدنيا ورموزها، والأنفال قضية فرعية أمام القضية المهمة التي هي تقوى الله، ولذا فإن السورة ابتدأت بالسؤال عن الأنفال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ولم تأت الإجابة على السؤال إلا في الآية(41): (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

وفي الآيات في الربعين الأولين تذكير بأن الله تعالى هو الذي نصرهم فعلينا أن نثق بالله تعالى ونتوكل عليه لأنه صانع النصر، ويدل على ذلك الترتيب الرباني للمعركة: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ* يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ* وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ* لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (الآيات 5-8)

الإعداد النفسي للمعركة

كما أن الإعداد النفسي للمعركة جرى بمقادير الله: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (11)، و(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) ( 44)، والإمداد بنزول الملائكة (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ)(9)، و(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (12)

بل إنه سبحانه وتعالى حدد موعد ومكان المعركة بترتيب من السميع العليم: (إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (42)، ولمّا أنزل الله تعالى المطر جعل الأرض عند المسلمين صلبة تعينهم على خفة الحركة وجعل الأرض عند المشركين طينية أعاقت حركتهم في المعركة وهذا بتدبير الله عز وجل، ما حسم نتيجة المعركة (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (10)، و(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (17)، وكل هذه الآيات تدل على أن الله تعالى هو الذي صنع النصر في غزوة بدر .

وينتقل الربعان الأخيران من السورة للحديث في القوانين المادية للنصر، فتشير إلى أهمية التخطيط (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (60)، وتضع الحساب لموازين القوى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ* الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (65 -66).