هي من المثاني، وترتيبها الثانية والعشرون في المصحف الشريف، بدأت بأسلوب النداء: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (الحج: 1)، والسورة بها سجدتان في الآية (18): ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء، والآية: (77): يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وعن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: نعم، فمن لا يسجدهما فلا يقرأهما .
ليس لهذه السورة اسم آخر، وسميت سورة الحج تخليداً لدعوة الخليل إبراهيم فحين انتهى من بناء البيت العتيق ونادى الناس لحج بيت الله الحرام: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (الحج: 27)، تواضعت الجبال حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض وأسمع من في الأصلاب والأرحام فأجابوا النداء: لبيك اللهم لبيك، وذكر فيها ما شرع للناس يومئذ من النسك تنويهاً بالحج وما فيه من فضائل ومنافع، وتقريعاً للذين يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام وإن كان نزولها قبل أن يفرض الحج على المسلمين بالاتفاق، وإنما فرض الحج بالآيات التي في سورة البقرة وفي سورة آل عمران .
وسميت هذه السورة ب سورة الحج في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: نعم .
مكية أم مدنية؟
واختلف في هذه السورة هل هي مكية أم مدنية؟ أم كثير منها مكي وكثير منها مدني؟ فعن ابن عباس ومجاهد وعطاء: هي مكية إلا من قوله: هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم (الحج: 19) إلى قوله: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (الحج: 22)، قال ابن عطية: وعد النقاش ما نزل منها بالمدينة عشر آيات . وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وقتادة والحسن: هي مدنية إلا اربع آيات وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (الحج: 52)، إلى قوله تعالى ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (الحج: 55) فهن مكيات . وعن مجاهد، عن ابن الزبير: إنها مدنية، ورواه العوفي عن ابن عباس، وقال الجمهور: هذه السورة بعضها مكي، وبعضها مدني، وهي مختلطة، أي لا يعرف المكي بعينه، والمدني بعينه، قال ابن عطية: وهو الأصح .
وقال صاحب التحرير والتنوير: أرادوا أن كثيراً منها مكي، وأن مثله أو يقاربه مدني، وأنه لا يتعين ما هو مكي منها وما هو مدني ولذلك عبروا بقولهم: هي مختلطة وقال ابن عطية: روي عن أنس بن مالك أنه قال: نزلت أول السورة في السفر فنادى رسول الله بها فاجتمع إليه الناس، يريد ابن عطية أن نزولها في السفر يقتضي أنها نزلت بعد الهجرة .
ويمكن أن يكون أولها نزل بمكة فإن افتتاحها ب يا أيها الناس جار على سنن فواتح السور المكية، وفي أساليب نظم كثير من آياتها ما يلائم أسلوب القرآن النازل بمكة، ومع هذا فليس الافتتاح بها يا أيها الناس يعني أن تكون مكية بالضرورة، وإنما قال ابن عباس يا أيها الناس يراد بها المشركون . لذا فيجوز أن يوجه الخطاب إلى المشركين في المدينة في أول مدة حلول النبي صلى الله عليه وسلم بها فإن قوله: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (الحج: 25) يناسب أنه نزل بالمدينة حيث صد المشركون النبي والمؤمنين عن البقاء معهم بمكة، وكذلك قوله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (الحج: 39)، فإنه صريح في أنه نزل في شأن الهجرة . وذكر القرطبي عن الغزنوي أنه قال: سورة الحج من أعاجيب السور نزلت ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً، مكياً ومدنياً، سلمياً وحربياً، ناسخاً ومنسوخاً، محكماً ومتشابهاً .
وقد عدت السورة الخامسة والمئة في عداد نزول سور القرآن في رواية جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: نزلت بعد سورة النور وقبل سورة المنافقين، وهذا يقتضي أنها عنده مدنية كلها، وعدت آياتها عند أهل المدينة ومكة: سبعاً وسبعين، وعدها أهل الشام: أربعاً وسبعين، وعدها أهل البصرة: خمساً وسبعين، وعدها أهل الكوفة: ثمانياً وسبعين.
معاني الحج
تتناول سورة الحج جوانب التشريع شأنها شأن سائر السور المدنية التي تعنى بأمور التشريع ومع ذلك يغلب عليها جو السور المكية فموضوع الإيمان والتوحيد والإنذار والتخويف، وموضوع البعث والجزاء ومشاهد القيامة وأهوالها هو البارز في السورة، إلى جانب الموضوعات التشريعية من الإذن بالقتال، وأحكام الحج والهوى، والأمر بالجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من المواضيع التي هي من خصائص السور المدنية ولذلك عدها بعض العلماء من السور المشتركة بين المدني والمكي، فالسورة تتحدث عن مواضيع كثيرة منها يوم القيامة والبعث والنشور والجهاد والعبودية لله وذلك كله تحت عنوان رئيسي هو الحج، والواقع أن الحج هو العبادة التي تبني الأمة لما فيه من عبر لا يعلمها إلا من حج واستشعر كل معاني الحج الحقيقية:
- فالحج يذكرنا بيوم القيامة وبزحمة ذلك اليوم والناس يملأون أرجاء الأرض كلهم متجهون إلى مكان واحد في لباس واحد في حر الشمس النفرة من مزدلفة والنزول من عرفة والتوجه لرمي الجمرات، ولذا جاءت الآيات في أول السورة عن يوم القيامة: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد .
- والحج يذكرنا بيوم البعث، فمنظر الحجيج في مزدلفة وهم نيام بعد وقوفهم في عرفة عليهم آثار التعب ويعلوهم التراب والغبار، ثم يؤذن لصلاة الصبح فتراهم يقومون وينفضون عنهم التراب كما لو أنهم بعثوا من قبورهم يوم البعث .
- والحج يذكرنا بالجهاد، ولذا جاءت آيات الجهاد في السورة بعد آيات الحج لأن الحج تدريب قاس على الجهاد، لما فيه من ارتحال من مكان لآخر وتعب والتزام بأوقات ومشاعر أمر بها الله تعالى وعلمنا إياها رسولنا الكريم .
- والحج يذكرنا بالعبودية الخالصة لله تعالى فالكل في الحج يدعون إلهاً واحداً في عرفة حتى الشجر والدواب والطير والسموات والأرض، كلها تدعو ربها وتسبحه لكن لا نفقه تسبيحها: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء.