هي السورة العاشرة في ترتيب المصحف، وتبدأ السورة بحروف مقطعة الر، وتنتهي السورة بضرورة اتباع حكم الله والصبر عليه والصبر على ما يلقاه من أذى وتحدثت السورة عن قصص الأنبياء ومنهم سيدنا يونس الذي عُرِفَ بذي النون .

سميت السورة سورة يونس لذكر قصته فيها وما تضمنته من العظة والعبرة برفع العذاب عن قومه حين آمنوا بعد أن كاد يحل بهم البلاء والعذاب وهذا من الخصائص التي خص الله بها قوم يونس لصدق توبتهم وإيمانهم، وذلك في قوله تعالى (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَما آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدنْيَا وَمَتعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (سورة يونس: 98)، وتلك الخصوصية كرامة ليونس وليس فيها ذكر ليونس غير ذلك، وقد ذكر يونس في سورة الصافات بأوسع مما في هذه السورة، والظاهر أنها أضيفت إلى يونس تمييزاً لها عن أخواتها الأربع المفتتحة بالر .

أغراض السورة

ابتدأت سورة يونس بإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بدلالة عجز المشركين عن معارضة القرآن، وهذه الدلالة نبه عليها بأسلوب تعريضي دقيق بني على الكتابة بالحروف المقطعة في أول السورة، كما في مفتتح سورة البقرة، ولذلك اتبعت تلك الحروف بقوله تعالى تلك آيات الكتاب الحكيم إشارة إلى أن إعجازه لهم هو الدليل على أنه من عند الله، وقد جاء التصريح بما كني عنه هنا في قوله قل فأتوا بسورة مثله، واتبع بإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإبطال إحالة المشركين أن يرسل الله رسولاً بشراً، وانتقل من ذلك إلى إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية بدلالة أنه خالق العالم ومدبره، فأفضى إلى إبطال أن يكون لله شركاء في ألوهيته، وإلى إبطال معاذير المشركين بأن أصنامهم شفعاء عند الله .

واتبع ذلك بإثبات الحشر والجزاء، فذلك إبطال أصول الشرك، وتخلل ذلك ذكر دلائل من المخلوقات، وبيان حكمة الجزاء، وصفته، وما في دلائل المخلوقات من حكم ومنافع للناس، ووعيد منكري البعث المعرضين عن آيات الله، وبضد أولئك وعد الذين آمنوا، والاعتبار بما خلق الله للناس من مواهب القدرة على السير في البر والبحر، وما في أحوال السير في البحر من الألطاف، وضرب المثل للدنيا وبهجتها وزوالها، وإن الآخرة هي دار السلام، واختلاف أحوال المؤمنين والكافرين في الآخرة، وتبرؤ الآلهة الباطلة من عبدتها، وإبطال إلهية غير الله تعالى، بدليل أنها لا تغني عن الناس شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، وإثبات أن القرآن منزل من الله، وأن الدلائل على بطلان أن يكون مفترى واضحة، وتحدى المشركين بأن يأتوا بسورة مثله، وإنذار المشركين بعواقب ما حل بالأمم التي كذبت بالرسل، وأنهم إن حل بهم العذاب لا ينفعهم إيمانهم، وأن ذلك لم يلحق قوم يونس لأن مبادرتهم إلى الإيمان كانت قبل حلول العذاب، وتوبيخ المشركين على ما حرموه مما أحل الله من الرزق، وإثبات عموم العلم لله تعالى، وتبشير أولياء الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يقوله الكافرون، وأنه لو شاء الله لآمن من في الأرض كلهم، ثم تخلص إلى الاعتبار بالرسل السابقين نوح ورسل من بعده ثم موسى وهارون، ثم استشهد على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بشهادة أهل الكتاب، وختمت السورة بأن من يهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن يضل فإنما يضل عليها .

الإيمان بالقضاء والقدر

سورة يونس من السور المكية التي تعنى بأصول العقيدة الإسلامية، الإيمان بالله تعالى وبالكتب والرسل والبعث والجزاء، وخاصة الإيمان بالقضاء والقدر، فالكثير من الناس مشككون في هذا الأمر ويحتارون ويجادلون في القضاء والقدر، وهل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ ويشككون في عدل الله تعالى وحكمته، ويسألون أسئلة مشككة فيقولون مثلاً لو هداني الله لاهتديت، أو أن الله يعلم المؤمنين من الكافرين في علمه الأزلي فلن يفيد المرء ما يعمل إن كان الله تعالى قد كتبه في النار، وهذا كله من ضعف الإيمان، ومن التشكيك بأن الله تعالى هو الحكيم العدل وأنه ليس بظلاّم للعبيد وتأتي هذه السورة بآياتها ومعانيها لتثبت حقيقة الإيمان بوحدانية الله جلّ وعلا، والإيمان بالقضاء والقدر تارة عن طريق قصص الأنبياء، وتارة عن طريق تذكير الله تعالى للناس بقدرته وحكمته وعدله في الكون، وفي حديث للنبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل سأله: أخبرني عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره والذي يحدد ما إذا كنا مؤمنين بالقضاء والقدر سؤال واحد نطرحه على أنفسنا: هل الله تعالى عادل حكيم أم ظالم، والعياذ بالله؟ وإجابتنا هي التي تحدد موقفنا .

تبدأ السورة بكلمة تثبت الحكمة لله تعالى (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)، وتدل على أن الحكمة موجودة ثم تليها الآية (أَكَانَ لِلناسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ منْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناسَ وَبَشرِ الذِينَ آمَنُواْ أَن لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِن هَذَا لَسَاحِرٌ مبِينٌ)، وكأن الذين يتعجبون من اختيار محمد للرسالة كأنما لا يؤمنون بالقضاء والقدر لأنهم لو آمنوا لما شككوا وتعجبوا، ولعلموا أن هذا بأمر الله تعالى .

وتستعرض الآيات حكمة الله تعالى في الكون وفي كل ما خلق وتدعونا للتفكر في هذا الكون الذي لم يخلق عبثاً ولا صدفة إنما خلقه الحكيم العدل وإثبات ذلك واضح في تكرار كلمة (الحق) في هذه السورة فقد تكررت في السورة (23 مرة) لأن الحق عكس العبث والصدفة وكل شيء في الكون خلق ويحيا بحكمة الله تعالى، ولذا علينا أن نسلّم أمرنا لله ونتوكل عليه ولا نشكك في قدرته وتدبيره سبحانه، وكذلك ترددت كلمة (يدبر) في السورة كثيراً فكيف نشكك في قضاء الله وقدره (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَق هُوَ قُلْ إِي وَرَبي إِنهُ لَحَق وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (53) و(أَلا إِن لِلّهِ مَا فِي السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِن وَعْدَ اللّهِ حَق وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) (55)، وكل هذه الآيات تؤكد أن الله حق وأن إدارة هذا الكون حق، وعرّفت الآيات بصفات الإله الحق بذكر آثار قدرته؟ ورحمته الدالة على التدبير الحكيم، وأن ما في هذا الكون المنظور هو من آثار القدرة الباهرة التي هي أوضح البراهين على عظمة الله وجلاله وسلطانه .

وتواجه الآيات المتعجبين من قدر الله ولكن أفعالهم أشد غرابة (فَلَما أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق يَا أَيهَا الناسُ إِنمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم متَاعَ الْحَيَاةِ الدنْيَا ثُم إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (آية: 23)، فبعد أن نجاهم الله تعالى بغوا في الأرض بغير الحق فكيف يلجأ الناس إلى الله تعالى فقط في ساعة الشدة ويعرفون أن لهم رباً يلجؤون إليه ثم يتكبرون بعد النجاة وكأن نجاتهم كانت من عند أنفسهم؟

التوكل على الله

عرضت السورة قصص ثلاثة من الأنبياء الذين توكلوا على الله فنجاهم، وقد عرضت السورة الجزئية الخاصة بالتوكل في كل قصة من القصص المذكورة، وهذا لخدمة هدف السورة، وهذه القصص تؤكد أن المؤمنين بقضاء الله وقدره يتكلون على الله، والذين لا يؤمنون هم المشككون والمجادلون في حكمة الله وعدله، والقصص الثلاث هي قصة نوح الذي توكل على الله تعالى فأنجاه الله ومن معه (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُم لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمةً ثُم اقْضُواْ إِلَي وَلاَ تُنظِرُونِ) (آية 71) وقصة موسى مع فرعون (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكلُواْ إِن كُنتُم مسْلِمِينَ فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكلْنَا رَبنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً للْقَوْمِ الظالِمِينَ) (84 و85) وقصة قوم يونس (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدنْيَا وَمَتعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (98) .

وفي خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي -رحمه الله- لما سئل عن ورود قصة نوح وموسى مع فرعون ويونس مجتمعين في هذه السورة قال: إن الذي يجمع بينهم هو الماء، فالله تعالى أغرق قوم نوح بالماء، وأغرق فرعون بالماء، أما يونس فقد نجاه الله من بطن الحوت بعد أن قذف في الماء، فالماء كان مرة مصدر هلاك ومرة مصدر نجاة، فسمّى الله تعالى السورة باسم من نجّاه من الماء وهو يونس .