يوسف أبولوز

طريق الحرير لم تكن تسير عليها القوافل محملة بالقماش والبهار والعطور فقط، بل هي أيضاً طريق حضارات وثقافات وآداب، وربما كان الرحّالة والمسافرون على تلك الطريق يسردون الحكايات أيضاً، ليتكثف الزمن والمكان في السرد.. وطريقنا اليوم إلى الصين، وإلى سورها القصصي العظيم، وقبل ذلك نستعير شيئاً عابراً من الأسطورة، وكأننا نفرش السور بالقصص، وتقول الأسطورة إن أول إمبراطور للصين «تشين هو» «.. رأى في الحلم أنه هرب وصعد إلى القمر فوق سجادة سحرية، ونظر للأسفل، فوجد أن ممتلكاته غير محمية من الأعداء، الذين ازداد عددهم، فأستيقظ من النوم، وأيقظ مستشاريه، وأعلن أنه سيبني سوراً عظيماً..».. إذاً، فالسور الحجري العظيم ينطوي على شيء من الخيال والأسطورة، تماماً مثل الروح القصصية الصينية القائمة أيضاً على الواقع، فالسور لم تبنه الملائكة، بل شاده الآلاف وربما الملايين من الصينيين الذين مات الكثير منهم، ودفنوا تحت أو بين الحجارة.

القصة القصيرة في الصين معمار آخر فيه روح التنين وروح كونفوشيوس أيضاً الذي كان يرى الصين على أنها العالم كله.. سمّاها «المملكة الوسطى، وربما لأن الصين هي العالم في نظر فيلسوف الحكمة القديمة، فهي ملأى بالشعراء والسّاردين، ولكن الصينيين في رأي «ليفاثيس» هم أيضاً بحارة بارعون ومغامرون منذ فجر حضارتهم، والبحّار مثل البنّاء، يروي الحكايات.
النساء في الصين يعملن في حقول الأرز، ويجمعن الحطب، ويخطن الحرير بأصابع نحيلة خطّافة، والمرأة الصينية صبورة وقوية الإرادة حتى لو كانت معتلة الصحة.. تُرى كأننا نتحدث عن الكاتبة الصينية «شياو هونغ» التي نقرأ لها مجموعة من القصص جُمعت في كتاب صدرت طبعته العربية في العام 1988 في بكين، وبعض القصص كتبتها «شياو هونغ» في العام 1933، وفي الأربعينات من النصف الأول من القرن العشرين، ومن المعروف أن دارين للنشر نشطتا في نقل الأدب الروسي والصيني إلى العربية.. دار التقدم في موسكو، وسلسلة كتب العنقاء في بكين في الصين الشعبية، والملاحظ في مجموعة «شياو هونغ» أنه لا يوجد اسم لمترجم القصص، لكننا في الواقع نقرأ أدباً كلاسيكياً صينياً منقولاً إلى العربية بحرفية عالية؛ ذلك أنه من خلال السلسلة فإنه منقول مباشرة من الصينية إلى العربية من دون لغة وسيطة.
كانت «شياو هونغ» (1911 1942) معتلة بدنياً، ومع ذلك وهي في الثالثة والعشرين من عمرها كتبت أول رواية لها بعنوان «ميدان الحياة والموت» وفي التقديم لهذه المجموعة من دون اسم أيضاً نعرف أن المرأة هي محور قصصها التي تتسم بالمأساة «.. وتتعلق باضطهاد النساء في مجتمع إقطاعي هيمن عليه الرجل..».
قصص «شياو هونغ» واقعية تماماً، ومع ذلك عرفت تلك الكاتبة التي اختطفها الموت وهي في الثلاثين من عمرها شيئاً من الخيال الذي يقترب من «السوريالية»، وفي قصة بعنوان «اليدان» تصور يدي معلمة الفصل «.. زرقاوين، سوداوين بل أرجوانيتين أيضاً يتغير لون اليد من البنان حتى الرسغ».
لا تعتمد «شياو هونغ» على الحوار في القصة، بل تعتمد كلياً على السرد. إن هذه الروح السردية هي جزء من شخصية المرأة الصينية الشعبية تماماً، العاملة في الحقول، والمرهقة، لكنها لا تعرف اليأس.

طابع شعبي

إن الطابع العام لقصصية «شياو هونغ» هو الطابع الشعبي، تتوجه بقصصها إلى إنسان شعبي تماماً، وما يعطي هذه «الشعبية» طعماً محلياً هو ذهاب الكاتبة إلى البيئة الزراعية بشكل خاص، وكأنها «تؤنسن» النبات وتسبغ عليه لمسة شعرية، تقول في قصة «دخيل على العائلة»: «.. نضجت بذور عباد الشمس في الحديقة الخلفية، وكادت رؤوس أزهارها الثقيلة تشطر سيقانها. بعض سيقان الذرة كانت تنتصب هناك دون أن يكون فيها غير الأوراق الخضراء، وقليل منها تتدلى منه بعض العرانيس، وكحاله دائماً، كان الخيار يعرّش فوق مسانده بثماره الغضة ذات القشرة الخضراء المرقطة..».
في سلسلة كتب العنقاء أيضاً نعثر على كنز قصصي صيني؛ وذلك من خلال مجموعة من النصوص المختارة تقع في قوس زمني من 1949 وحتى 1979 في ثلاثة أجزاء، تبدأ «ليو تشن» المولودة في عام 1930قصتها «الجدول الدافق» بعبارة: «كم كنت ساذجة وأنا في ربيعي الثالث عشر»، قصة عائلية إن أردت القول، أو هي مرة ثانية «سرد شعبي» متدفق يعتمد على القليل من الحوار.
نشير هنا أن هذه الأجزاء القصصية الثلاثة هي من ترجمة محمد أبو جراد وصدرت طبعتها العربية في العام 1987، وفي كلمة له عن «ليوتشن» نعرف أنها انضمت إلى صفوف جيش الطريق الثامن وهي في التاسعة من عمرها، ويقول إنها في فترة حرب تحرير الصين خاضت مع أفراد فريق العمل الأدبي والفني قتالاً عنيداً ضد رجعيي «الكومينتانغ» في الجبهة الأمامية.
يميل أسلوبها إلى الشعرية والشفافية، وتوجهت في موضوعاتها القصصية إلى حياة الشعب وتطور المجتمع، وهو بالمناسبة التوجه العام لهذه النخبة من القصص التي تنحو إجمالاً إلى التطويل، بل تبدو بعض القصص أقرب إلى كونها روايات قصيرة.
يبدأ «آي وو» قصته: «قرية الثور البري» بمشهد شعري فلاحي أو قروي أو ريفي شأنه شأن «شياو هونغ».. «.. الأشجار الخضر الفارهة تغطي الجبال، وكنا نهيم في الغابة طوال اليوم وتسطع الحسناء في السماء الصافية من الغمام، فكان الجو أشبه بالصيف..».
ولد «آي وو» في العام 1904، ويأتي في سيرته أنه هجر البيت بغضاً بنظام التعليم في المدارس القديمة، وفراراً من زواج إقطاعي فرضته عليه عائلته، عمل نادلاً في حانة، ثم معلماً، وتشير سيرته إلى غزارة في الكتابة، وانكباب على الإبداع الأدبي.
في قصة «الطبيب الشاب» للكاتب الصيني «لي وي لون» التي ألفها في مارس/ آذار 1956، أي قبل حوالي 60 عاماً ثمة أطياف شعر، وأطياف من حب.. وعلى سبيل المثال.. هذا قبس من لغة «لون».. «.. وما أن جاء الربيع حتى ربط الحب آصرة بينهما، واعترف كل منهما بما في قلبه إلى الآخر. كان العشب طرياً غضاً وكانت البراعم تتفتح إلى الحياة حولهما..».

إن الكثير من هذه القصص، بل أغلبها يدور في فضاءات طبيعية هي بالذات طبيعة الريف الصيني أو القرية الصينية، ومرة ثانية، تقع في فضاء شعبي أيضاً ما يدفعنا إلى القول إنها تشكل هوية أدبية إنسانية بالدرجة الأولى. نصوص مع الإنسان وإلى الإنسان، تقارع وتناهض العبودية والإقطاع والاستبداد والظلم الاجتماعي.

«لي وي لون» هو الآخر مولود في العام 1930 لأب كان يقيم في أمريكا، وتشير سيرته أنه قليل الإبداع ولديه ميل إلى السينما.

قصة «عدّاء المسافات الطويلة» جاءت بقلم «مال تشين هو».. ومن أجوائها هذا المشهد «.. امتطى دوكار صهوة جواد أصيل، فاره الطول رشيق القوام كأنه مالك الحزين، ونزل يتهادى من الجبال الجنوبية، فالعودة إلى مرابع الديار، كما العودة إلى أحضان الأم..». ولد مال تشين هو في العام 1930، والتحق بجيش الطريق الثامن بقيادة الحزب الشيوعي، وأول رواية نشرت له في العام 1951.

من الكتّاب الصينيين الذين ولدوا بعد ذلك الرعيل القصصي المولود في الثلاثينات من النصف الأول للقرن العشرين، نقرأ قصة بعنوان: «الشقيقتان» للقاص «جيا بينغ وا» المولود في العام 1953، كان هذا القاص فلاحاً وتعتبر قصته هذه من الأدب المعاصر أو الحديث في الصين، تعتمد إجمالاً على الحوار بجمل قصيرة.

«مو شن» قاص صيني مجايل ل «جيا بينغ واد» له قصة بعنوان «شباك التذاكر»، هو الآخر يعتمد على الحوار، ومن أجواء قصته هذا القبس: «.. ذهبت أمي إلى «لويانغ» في الطريق المعاكس وأمضت هناك يوماً كاملاً تقريباً إلى أن اكتشفت في الأخير أنها في المكان الخطأ، ولما أدركت أنها تبعد ما يزيد على 500 كم عن وجهتها أصابتها حالة إغماء نتيجة القلق والتعب».. القصة تتحدث عن امرأة فلاحة تركب القطار للمرة الأولى في حياتها، وتضيع في مدينة «لويانغ» وترمز هذه القصة إلى الغربة الروحية التي تعتري الإنسان الفلاح البسيط عندما يواجه الثقافة المادية في المدن «الملبدة» بغبار الحداثة.

معزوفات موسيقية

خرج «مو شن» 1951 من بين صفوف العمال، وبعد ذلك نزل إلى الريف وعمل فلاحاً، وبعد ذلك «أصبح عامل تحميل وتفريغ في محطة سكة الحديد..».
تصل طبيعة هذه القصص «الشعبية»، الفلاحية أو «الزراعية» ذروتها في قصة «موسيقى الغابات» للكاتبة «تشانغ جيه» المولودة في العام 1937 وتقول سيرتها أنها مالت إلى الأدب والموسيقى منذ شبابها الباكر. «موسيقى الغابات» قصة أشبه بقطعة موسيقية أو شعرية قصة غنائية إن أمكن القول تعكس روح الكاتبة نفسها.
من كتّاب هذه المجموعة المختارة من القصص نقرأ للكاتب «لو تشو قوه» مواليد 1928، التحق بصفوف جيش التحرير الشعبي الصيني عام 1948، وتضيف سيرته أنه عمل صحفياً في جبهة القتال.. يقول: «.. كنت أصغر الجنود سناً من أعضاء فرقة الطلائع الذين انضموا إلى فصائل الحرس الأحمر، قبيل بدء المسيرة الكبرى التي بلغت مسافتها 12500 كم. ثم التحقت بالجيش الأحمر باعتباري جندياً حقيقياً، وقت أن غادر جيشنا «المنطقة السوفيتية المركزية». ليس هذا فحسب، بل كنت أصغر الجنود سناً في سريتنا..»، هكذا يتحدث «لو تشو» وبهذه التقريرية في قصته «نار لا تنطفئ».
تقوم قصة «الرعاة وأغنية الأم» للكاتب «تشانغ تشنغ تشي» على الغناء الشعبي المنغولي.. ومن أطياف هذا الغناء:
«أمي يا ذات الشعر الأبيض/ قلبها يرخي حناناً/ كشعاعات شمس الشروق/ أمي يا ذات الشعر الفضي/ قلبها يرخي حناناً/ دافئاً كشمس الشروق..». في إطار ما هو واقعي، وشعبي أيضاً تأتي قصة «طباخ الأسرة» للكاتب مو قوه تشنغ، من مواليد 1939، ومن أجوائها هذه الروح التقريرية.. «.. أن الذين يكسبون قلوب الشعب هم الذين سيكسبون الوطن، أما الذين يخسرون قلوب الشعب فسيخسرون الوطن..».
من كتّاب هذه المختارات نقرأ أيضاً نصاً بعنوان «الدرب المتعرج في السهوب» للكاتبة «رو تشي جيوان» من مواليد 1925، يأتي في سيرتها أن أمها توفيت وهي طفلة فربّتها جدتها واضطرها الفقر إلى أن تترك الدراسة، والتحقت بفرقة مسرحية في الجيش الرابع، وقامت بأعمال الدعاية في جبهة القتال.
الكاتب الصيني جيانغ تسي لونغ صاحب قصة: «المدير تشياو يتولى منصباً» ولد عام 1941 رعى في طفولته الأغنام وعمل على جمع الحشائش. انضم إلى القوات البحرية، وعمل في مصنع للآلات الثقيلة.

أبطال يناضلون

باختصار نقرأ في التعريف بهذه الحزمة من الأسماء والنصوص أن شخصيات هذه القصص متنوعة «منها أبطال كانوا يناضلون غير مبالين بحياتهم في سبيل الشعب ويبثون الفزع في قلوب الأعداء، وحظوا بالشعبية الواسعة، ومنها أناس عاديون مع سعادتهم وغضبهم وسرورهم وحزنهم، وتمتاز القصص بأساليبها الإبداعية المختلفة بفضل اختلاف خبرات المؤلفين، كما تتحلى بلغة الشعب..»، إن عبارة «لغة الشعب» هي جوهر هذه القصص سواء من حيث اللغة أو من حيث المضمون.
يصدر كتّاب هذه القصص عن خبرة حياتية عملية. إن بعض كتّاب هذه المجموعة انخرطوا في صفوف الجيش، والبعض منهم جرّب الحرب، وعرف الفقر، وهم في النهاية يتحدثون بلسان شعبهم وبلادهم.

تشيخوف الصين

نشير إلى ما يمكن أن يسمى «تشيخوف الصين» في القصة القصيرة في الصين وهو «لو شيون»، وهو أديب ومفكر ولد في العام 1881، وتوفي في العام 1936، نقله إلى العربية محمد أبو جراد.. ويعرّف به قائلاً.. «كان لو شيون باستخدام القصص التاريخية يعارض ويكشف بلا رحمة عن الحكم المظلم لحكومة «الكومينتانغ الرجعية، ونشاطات أدبائها المرتزقين».

يصفه أحمد السعيد في «قصص يوميات مجنون» ب «طبيب الروح» ويصفه حسانين فهمي حسين في تقديمه للكتاب ب «صوت المهمّشين».

يقول لوشيون في مادة له يعود تاريخها إلى العام 1922 حول قصصه: «.. حين كنت شاباً، كانت لي كما للآخرين أحلام كثيرة. أتى النسيان على كثير منها، ولست آسفاً على شيء من ذلك، فبرغم أن تذكر الماضي قد يبعث السرور، إلا أنه أحياناً يثير الوحشة، فما الفائدة في استعادة ذكرى الأيام الموحشة؟ ولكنني لا أستطيع نسيان الماضي كلياً، وهذه القصص جاءت من تلك الذكريات التي لم أستطع محوها نهائياً من ذاكرتي..». سور الصين القصصي العظيم هو، إذاً، ذاكرة أدبية وذاكرة كتّاب، وذاكرة شعب، وكما سقط الكثير من بنائي سور الصين الجداري أو الحجري موتى وهم يشقون الجبال والسهب.. سقط أيضاً الكثير من القصاصين والشعراء موتى على يد سدنة الظلم قديماً في بلد الحكمة والفلسفة، لكن يظل الأدب حياً وعصياً على الاقتلاع.