للأماكن رائحة تعشش في الذاكرة وتلهب المخيلة، ولدمشق التي اشتهرت عبر العصور الإسلامية بالكثير من الأسواق الشعبية رائحتها الخاصة بياسمينها ونباتاتها العطرية وتوابلها.
ويختصر سوق البزورية روائح الشام كقارورة عطر تنشر شذاها على كل المساحات. وعندما تدخله تخرج من واقع المدينة الجديدة لتبدأ المدينة القديمة بأحجارها المنسجمة مع روح المكان وتعطي أرضية السوق المرصوفة بالبازلت وسقفه العالي الذي يحجب أشعة الشمس مخلفاً ضوءاً خافتاً إحساساً مضاعفاً بالمتعة عند التجول فيه.
البزورية حي من أحياء دمشق القديمة معروف بعراقته وسوقه الأثري الممتد على طول كيلو متر من دمشق القديمة في منطقة الدقاقين والشاغور حتى الجامع الأموي المجاور لقصر العظم وحي الحمراوي الشهير. في سوق البزورية تختلط رائحة الشام العتيقة مع رائحة البهارات والعطور والأعشاب مضافاً إليها ابتسامات أصحاب المحلات تعلمك جميعها أنك في دمشق مدينة الحب.
أسماء متعددة
عرف السوق عبر التاريخ بأسماء عدة أولها قبل العهد الأيوبي حيث عرف باسم سوق القمح ثم سوق الدهيناتية إذ كانت تصنع فيه سائر الدهون كدهن اللوز ثم عرف باسم سوق العطارين حيث تباع فيه العطور المستخرجة من الورود الدمشقية، ثم أخذ اسمه الحالي البزورية حيث نجد فيه جميع أنواع البهارات والتوابل ذات المنشأ المحلي أو القادمة من الهند وشرقي آسيا، وحيث تستقبلك الرائحة الزكية قبل دخولك السوق كهوية تدل عليه وما إن تمشي أمتار عدة فيه حتى تبدأ محلات الشوكولا وألوان هذه المحلات ودعوة أصحابها للتذوق تبعث الرغبة بالشراء مع وجود قائمة من المأكولات (كالسكر نبات والشطي مطي وغيرهما) ويستوقف سوق البزورية عادة زواره طويلا ليس من سكان دمشق فحسب بل من العالم بأسره شرقه وغربه فهو غني بالتفاصيل وبضائعه متعددة الأغراض فها هي إكسسوارات الطعام (البهارات) كالعصفر والزنجبيل والزعتر وجوزة الطيب وها هي أنواع البزورات كاللوز والصنوبر والجوز والكاجو والفستق الحلبي إضافة للبقوليات كالفول والحمص، وهناك الكثير من دكاكين العطارين الذين ما زالوا يبيعون العطور والزيوت العطرية بأنواعها وماء الزهر وماء الورد وتباع في السوق المربيات بأنواعها وكل ماله علاقة بالأفراح من علب الأفراح والشموع والأنواع المتعددة من السكاكر والشوكولا والراحة المحشوة بالفستق الحلبي بأشكال ونكهات مختلفة إضافة لأنواع العصائر والفواكه المجففة كالمشمش والتفاح وغيرهما من الفواكه المغلية بالسكر والمغطاة بطبقة من الجلاتين، وقد تطورت صناعة السكاكر والشوكولا وغيرها مع دخول الآلات بعد أن كانت يدوية فتعددت أشكالها وألوانها وأساليب تغليفها مما شجع الزائر على شرائها في المناسبات والموالد النبوية والأعياد وتزدهر الحركة في هذا السوق ويزداد الطلب على الكثير من موجوداته في شهر رمضان المبارك كقمر الدين والتمر هندي والعرقسوس والتوابل ويعتبر السوريون أن شراء حاجياتهم والتسوق من سوق البزورية له نكهة خاصة في نفوسهم في شهر رمضان المبارك حيث يشعرون بأريج وعبق التاريخ الدمشقي العريق المعطر بالياسمين، حيث توارثت حوانيت هذا السوق عائلات دمشقية قديمة مازال أحفادها يستثمرونها ليومنا هذا.
جمال على جمال
ولن يفوتنا القول أن السوق يضم إلى جانب حوانيته الصغيرة أجمل منشأتين معماريتين قديمتين في دمشق هما (خان أسعد باشا) أكبر خانات دمشق القديمة بل وأجمل خانات الشرق الأوسط و(حمام نور الدين الشهيد) أشهر حمام دمشقي مازال يستقبل زواره حتى الآن.
وهكذا مازالت دمشق القديمة تحتفظ بتألقها ويبقى سوق البزورية مرآة عاكسة للأصالة وما زال من أعرق الأسواق مجسدا مقولة السائح البريطاني (بورتر) الذي زار دمشق في القرن التاسع عشر وقال عن أسواقها:(إنه من الممتع التجول في هذه الأسواق ومشاهدة أنواع البضائع، والشيء المميز لهذه الأسواق هو تخصص كل سوق ببيع بضائع معينة).
يبقى للأماكن رائحة تشبهها، تتغلغل بين جدرانها وبين سكانها ولعل شهرة البزورية الحالية بين سكان دمشق وزوارها العرب بشكل خاص تأتي من وجود عشرات المحلات المتخصصة بتحضير وبيع الأعشاب الطبية للعلاج كالحنظل والرباص إضافة للزهورات والتي تلقى رواجا بين الناس داخل سوريا وخارجها.
إنه سوق البزورية الذي يختصر روائح الشام حيث تتعدد الروائح وتختلط بين التوابل والزهورات الشامية ويبقى عطر الأصالة طاغيا يمزج الحاضر بالماضي ويعانق التراث والأصالة في خلطة سحرية لايمكن أن ينسى عبقها.