يمثل سوق القطارة التاريخي بمدينة العين والذي يرجع تاريخ بنائه بقرية القطارة إلى ثلاثينات القرن الماضي، ذكرى خاصة لسكان مدينة العين حيث كان يمثل لهم ملاذاً من عناء التوجه إلى مدينة البريمي المجاورة لشراء احتياجاتهم، ومصدراً لتأمين احتياجاتهم من المواد الغذائية كالأرز والطحين والسكر والتمر والبهارات والصابون، والألبسة بأنواعها، وغير ذلك من المستلزمات التي كان يجلبها التجار من دبي وأبوظبي، وهو السوق الذي كان محط اهتمام ورعاية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث كان يتفقده عادة ضمن جولاته على الواحات، حيث كان يضم عدداً من أصحاب الدكاكين التي كانت توزع عليهم بالمجان تبعاً لأنواع السلع التي كانوا يعرضونها والتي تلبي متطلبات الحياة اليومية للسكان في تلك الفترة، مع قلة من النسوة كن يعرضن أحياناً بعض السلع، مثل السمك المجفف والبيض، والدواجن، ومشتقات الألبان بالقرب من السوق .
يعد افتتاح سوق القطارة الذي تم مؤخراً بعد أن خضع لعملية ترميم أعادت المبنى للحياة من جديد استعادة لبعده الاجتماعي والاقتصادي في المدينة وتجسيداً لمعان مختلفة لهم، نظراً لما يشكله من أهمية تاريخية، وما لعبه من دور تجاري واجتماعي في حياة أهالي مدينة العين فيما مضى .
يرجع وجود السوق في قرية القطارة إلى ثلاثينات القرن العشرين وعلى الرغم من أن الشكل العام للمبنى الحالي يرجع تاريخ ترميمه إلى عام ،1976 ويرى الزائر للسوق، المبنى الذي يصل طوله إلى 35 متراً من تسعة عشر محلاً مقسمة على صفين في ممر مركزي مغطى، إلى الشرق من تلك المحلات توجد غرفة واحدة من الطين اللبن تشكل جزءاً من مجموعات المباني السابقة التي كانت تحيط بالساحة التقليدية المهدمة جزئياً لبيت محمد بن عدوة الدرمكي .
ومثل بقية المباني التاريخية الأخرى في مدينة العين، يبرز سوق القطارة أساليب البناء التقليدي للواحات، ويحتوي على أسوار طينية سميكة بها فتحات محدوده صغيره لإدخال الضوء والهواء، ومسقوفة بأخشاب النخيل والحصير المصنوع من النخيل، والذي يستخدم في التسقيف والجص المصنوع من الطين، والذي يستخدم للأرضيات والجدران، كما تظهر الصور الفوتوغرافية القديمة استمرار استخدام المنازل المصنوعة من الطين اللبن، والتي تلحق عادة بتعريشات تصنع من أغصان وأوراق النخيل، بشكل واسع في العين حتى نهاية الفترة التي سبقت اكتشاف النفط في ستينات القرن العشرين .
وحين يلج الزائز إلى الجزء الجنوبي من السوق يجدها لا تزال تشكل مجموعة من الغرف المبنية من الطوب اللبن والتعريشات في ذلك الوقت، فلقد أظهرت الأعمال الأثرية الحديثة العديد من التفاصيل الخاصة بهذا المبنى القديم، وكيف تم ضمه إلى عملية الترميم التي نفذت في منتصف السبعينات، أما الجزء الأوسط من الجانب الجنوبي للسوق، وتوجد فيه الآن المحال من 14 -16 فيتكون في الأصل من غرفة مركزية محصنة كانت تستخدم مدرسة وكانت تدخل من خلال باب مفتوح في الجدار الجنوبي للغرفة ،14 وربما يكون ذلك هو الجزء الأقدم من المبنى الذي كان من المفترض أن يتوسع السوق من حوله، وتمت إضافة ثلاثة محال هي 17 و18 و،19 إلى الجانب الغربي من هذه الغرفة المحصنة، ويبدو أن دخول تلك المحال كان يتم من الجنوب .
ولكن في وقت من الأوقات كانت الأبواب الموجوده على هذا الجانب مسدودة، ثم اضيف الترتيب الحالي للصفوف المتوازية للمحلات على جانبي الممر المركزي، وقد اسفرت التحقيقات الخاصة بالمحال 12 و،13 وجود غرفة أخرى مبنية مقابل الجانب الشرقي من الغرفة المحصنة، كانت تلك الغرفة تحتوي على مدبسة وهو مكان لعصر التمر، تخزن فيه طبقات من التمر في غرفة مغلقة ثم يعصر منها عصير الدبس الذي يؤخذ إلى شبكة من القنوات الموضوعة على الأرض ثم تجمع في جرار فخارية .
لقد شمل مشروع سوق القطارة ترميم المبنى وإعادة إحيائه وتجديده، ليتضمن الخدمات الأساسية التي تقوم بتشغيل المبنى، كما شملت العملية تأثيث المبنى بمواصفات تراثية لإيواء الفنون التقليدية والأنشطة الحرفية، بهدف تجديد السوق ليحتضن الحرف اليدوية والفنون التقليدية، وتضمن برنامج افتتاح سوق القطارة باقة متنوعة من الفعاليات الثقافية والتراثية، منها أعمال الحرف اليدوية التراثية، وعروض العيّالة، وعروضاً حية للطرق التقليدية للبناء بالطين، وصناعة العريش سعف النخيل بمشاركة الجمهور من مختلف الأعمار لإثراء تجربتهم في زيارة السوق .
يقول محمد بن جمعة بن بخيت الدرمكي ابن أحد ملاك الدكاكين في السوق كان الأهالي يطلقون على السوق اسم الرقعة ولم تكن الدكاكين تحمل لوحات ولا مسميات فقد كان معروفاً لمن تعود ملكية كل دكان، وكان والدي يشتري اللوازم المدرسية من دفاتر وأقلام من دبي، بخاصة أنه كانت هناك مدرسة قريبة من السوق يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة والحساب وتلاوة القرآن الكريم والرياضة البدنية، وكان يتابع المدرسة من موقعه في السوق . يتابع: كان المرحوم والدي يتمتع باحترام وتقدير الأهالي نظراً لتعدد الخدمات التي كان يقدمها إلى الناس من موقعه في السوق، بخاصة الطبابة وتحديداً ختان الأولاد حيث كان يعالجهم بما توفر من مطهرات بسيطة مثل اليود والمكروكروم وما شابه .
أما عبد الله مطر الدرمكي فيقول: كان يطلق على سوق القطارة القديم اسم كركم والمنطقة تعرف بحارة الرقعة وكان سوق القطارة القديم بمثابة سوق يخدم منطقة القطارة والجيمي وكانت خلف السوق مباشرة مدرسة تتكون من بيت كبير مفتوح على الدكان، وتتوسط المدرسة شجرة سدر، وفي الجهة الخلفية للمدرسة رزب للركاب والبقر، وقد قمت بزراعة شجرة سمر قريباً من السوق عندما كان عمري ست سنوات وبقيت أرعاها حتى كبرت وهي لا تزال موجودة إلى الآن .
يتابع: كانت الأقمشة في السوق تجلب من الهند، وكانت لها مسميات محلية مثل قماش أبو تفاحة، ولونه أبيض، وقماش الكيمري أو الشربت وهو قماش خفيف يصلح للباس وقت القيظ، وكان لوالدي نصيب من تلك الدكاكين حيث أخذ دكاناً يبيع فيه الطحين والأرز والمعلبات بأشكالها المختلفة وفي السبعينات بدأ استيراد أرز البسمتي والبيشاور كما كانت الدكاكين تبيع النشا وبعد ذلك جاء الساقو، وكان التعامل بالروبية الهندية، وكان بعض المشترين يتعاملون بالدين حيث كان لدى الوالد دفتر خاص يسجل فيه ديون المشترين .
ويتحدث سهيل بن الماس بن محمد الظاهري عن دكانه بالقول: بدأت العمل في دكان والدي في سن الثامنة، حيث كنت أقف في مكانه حينما كان يذهب إلى دبي لشراء البضائع مثل الأرز والطحين والزيت والصلصل وغيرها من المواد الاساسية، وكان والدي يمتلك ماكينة خياطة يقال لها كرخانة يخيط بها الكنادير الرجال وكان الشيوخ يشترون العقم (أزرار قطنية) والطرابيش ليخيطوها على كناديرهم .
ويضيف: كان السوق على شكل صفين متقابلين من الدكاكين يضم الصف الاول دكاكين لخميس بوصبيعة ولعمر مبارك ومبارك بن محمد واثنين لوالدي، أما الصف الثاني فيضم بخار مخزن ودكاناً لجمعة بن بخيت وخلف الدكان مدرسة ودكاكين اخرى لأشخاص آخرين ولم تكن هناك رخص تجارية لأصحاب المحلات حيث منحت لهم الدكاكين مجاناً .
السوق حالياً
من بين أصحاب المحال التي تم افتتاحها بالسوق والتي اتخذت طابعاً تراثياً يبعث الذكرى بأيام وذكريات خلت، جلس كل من الوالد محمد بن عبد الله وربيع بن سعدون منهمكين في عملهما بإنتاج أدوات منسوجة جميعها من سعف النخيل، يقول الوالد محمد: اشعر بسعادة غامرة لافتتاح هذا السوق فقد أعاد إلي ذكريات لا تنسى وأياماً جميلة خلت، حيث اقدم منتوجات يدوية مصنوعة جميعها من سعف النخيل، فقد كانت المرأة قديماً تقوم بتبطين البيوت بالحصر المزخرفة المصنوعة من خوص النخل، وكانت هي تقوم بتلوين وجدل الحصر وزخرفتها، كما كانت تصنع من السعفيات أواني منزلية كالأطباق والحصير وهنا أقوم بإنتاجها وعرضها للبيع .
ومن جانبهن جلست كل من مريم جمعة واليازية علي ومباركة تعيلب ينتجن يدوياً ما يسمى ب عتاد البوش . تقول الوالدة مريم: قدمنا من إنتاج الخوص منتجات الحصير والسرود وسجاد الصلاة، كما قدمنا كل ما يتعلق بمستلزمات البوش من الخري والشمال وغيره من مستلزمات معروفة في ذاك الوقت، وكلها يدوية . تضيف اليازية: لهذا المكان التراثي وما يجاوره من مبان ذكريات جميلة لا يمكن أن تغادر وجداننا ومنها تولي أحد أبرز تجار سوق القطارة إلى جانب عمله في البيع والشراء، وقتها تعليم عدد كبير من أبناء العين مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن، وتخرج على يديه عدد ممن تابعوا تحصيلهم التعليمي وتبوأوا مناصب رفيعة الآن في الدولة، إلى جانب مهن أخرى مارسها أحد المطوعين المعروفين آنذاك، إضافة إلى عدد من المباني التاريخية المجاورة للسوق، ومنها بيت بن عاتي الدرمكي الذي أُعيد استخدامه ليصبح مركزاً للفنون والثقافة في الواحة، ودكان سليمان الذي كان مخزناً للبضائع المستوردة للسوق، وهو الآن جزء من المبنى الذي يشغله مركز القطارة للفنون .
جلست عائشة علي جابر المنصوري في دكانها تنتج عدداً من المشغولات اليدوية مثل الكريشة والتلي والعطور والبخور واللببان، وغيرها، وتقول: سعادتي كبيرة لوجودي بين أروقة سوق كان ينبض بالحياة قبل ثلاثين سنة تقريباً، وكنا وقتها نرتاده وكل ذكرى من ذكريات تلك الأيام محفورة في أعماقنا، ومن الجيد بالطبع أن تهتم الدولة بإحياء هذا التراث الذي شكل هويتنا الآن .
أما عائشة الجابري فوقفت تستعرض مجموعة متنوعة من تمور شركة الفوعة، وتقول: تعبيراً عن سعادتي بهذا الحدث المهم قمت بتنسيق ديكور دكاني بنفسي، حيث زينته بمجموعة واسعة من الأدوات التراثية التي تقدمها لنا النخلة، مثل الصرود والمخرافة والمهفة والجفير والحابول، ليكتمل المشهد في النهاية بمجموعة التمور ذات المستوى العالي والتي تنتجها شركة الفوعة، فقد جاء افتتاح هذا السوق ليعني لنا الكثير، ويثير لدينا الكثير من الحنين للماضي والذكريات التي نتنفسها الآن في أرجاء هذا المكان القديم المتجدد بفضل القائمين على تطويره، سواء كانت التوسعة التي شهدها سوق القطارة عام (1976) بتوجيهات الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية، بزيادة عدد محال (دكاكين) السوق لتصبح 19 دكاناً، بعد أن كان عددها في بداية إنشائه 14دكاناً، أو الترميم الحالي الذي أخرج السوق للخريطة السياحية بالدولة، فهو انجاز رائع .
وبدورها تقول فاطمة البلوشي - معدة برامج - وترتبط بشده بتراث أجدادها، وجاءت لتستعرض مجموعة كبيرة من الأدوات التراثية القديمة التي تهوى جمعها تقول: على الرغم من حداثة سني فإنني أحمل الكثير من الذكريات لهذا المكان التراثي العتيق، أتذكر كثيراً كيف كنا نأتي إلى هنا ونشتري مستلزماتنا حينما كنت طفلة، وأستعرض في دكاني الكثير من الأشياء التراثية التي كنا نستخدمها في الماضي مثل الاعمال الخشبية القديمة والكاميرا منذ عام ،1942 والغرامافون والذي يعود إلى عام 1930 فضلاً عن التليفون القديم وغيره من الأشياء التراثية التي كان يستخدمها أجدادنا في الماضي .
دور تجاري واجتماعي
وفي ما يخص الدور الاجتماعي للسوق يقول سعيد الكعبي رئيس قسم الانتاج بإدارة التراث المعنوي بهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة: تعد الأسواق التقليدية بدولة الإمارات مراكز للالتقاء والتواصل بين أفراد القبائل المختلفة، فبجانب البيع والشراء كانت مراكز للتجوال مما يجعل الفرصة سانحة للاختلاط بمختلف الأجناس وكذلك كانت منابر للتباهي بالعادات والتقاليد العربية كالشهامة والشجاعة والكرم وغير ذلك، فبرز من بينهم الخطباء والرواة والفنانين والشعراء ومن أبرزهم راشد بن عبيد بن حمر عين رحمه الله وسالم الكاس وسعيد بن هلال الظاهري .
وفي ما يتعلق بأعمال الترميم يقول: تم استخدام الطين اللبن والملاط كمادة أساسية في ترميم سوق القطارة وقد ظهر أن الطوب اللبن الضارب إلى الحمرة في البناء الاصلي اكبر وله شكل مختلف للنوع المستطيل المصنوع من الطين الرمادي الذي استخدم في عملة الترميم .
ولقد مر مبنى السوق بالعديد من مراحل إعادة البناء وتدخلات الترميم وقد بدأت أول عملية تدخل لإجراء الترميم في 22 أغسطس / آب عام ،2012 مع انطلاق مشروع سوق القطارة من قبل هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وعلى مدار هذا العمل تم استبدال جميع عتبات السقف المصنوعة من النخيل والتي كانت تضررت بفعل الحشرات الضارة، كما تمت معالجة الأبواب وأطرها لحمايتها ضد الحشرات الضارة، وقد تم تحسين الوصلات بين الجدران الطينية وكذلك إصلاح الأجزاء التي تصررت بفعل الأمطار أو التآكل أسفل الجدران وحيث إن المبنى موجود في منطقة مفتوحة للجمهور، فإن هناك خطة لوضع نظام مراقبة وصيانة في المستقبل، ومن بين الأهداف الرئيسة لهذا العمل حماية الأساليب التقليدية لبناء الأسطح وبناء المباني مع التأكد في الوقت ذاته من معالجة جميع المشكلات في المبنى باستخدام أحدث الأساليب التقنية .
يتابع: لقد دونت الملاحظات بخصوص جميع تلك الخصائص الأثرية اثناء أعمال التجديد الحالية للسوق، وتم ترميمها وقد تم عرض معظمها باستخدام تشطيب جص مختلف عن ذلك المستخدم في الأجزاء التي أعيد بناؤها سبعينات القرن العشرين، وتعرض حالياً سلاسل الواح تظهر عملية تطوير المبنى وقرية القطارة في غرفة رقم 9 في الطرف الشرقي للسوق .