احتل سوق واقف مكانة بارزة كمعلم تراثي سياحي قطري خلال السنوات الثلاث الماضية بعد عمليات التجميل التي خضع لها على يد مختصين في علوم الترميم اعادوا إلى السوق سيرته الاولى قبل عشرات السنين وبات السوق مقصدا لكل زوار الدوحة سواء من رؤساء الدول وضيوف الحكومة القطرية أو حتى زائري الدوحة من العرب والاجانب العاديين.
يتجاور سوق واقف التراثي مع ابراج كورنيش الدوحة التي يزداد عددها يوما بعد يوم لتجسد احدث ماتوصل اليه العالم في فنون البناء والمعمار في تناسق جميل ليأخذ مرتاد الكورنيش الذي تبهره الانوار وشواهق البنيان إلى أروقته وأزقته الضيقه التي تروي قصة المواطن القطري والخليجي في مرحلة ما قبل النفط.
وقال خليفة السيد صاحب العديد من المؤلفات التراثية القطرية والمتخصص في الشؤون التراثية الخليجية: ان سوق واقف يعتبر احد المعالم التراثية القطرية التي تعبر عن عبق الماضي بكل ما تحمله الكلمة من معان اذ كان السوق البوابة الرئيسية لمدخل السوق الكبير أو القيصرية انذاك.
ويضيف اطلق العامة على السوق سوق واقف لأن الباعة كانوا يقفون على جنبات الطريق الضيقة التي تؤدي إلى السوق الكبير ليبيعوا اشياء مختلفة مثل البقل والطيور والاسماك والباجلا والسنبل وعادة تتم تلك البيوع بشكل سريع قبل الدخول للسوق.
ويعتبر السوق احدى الوجهات المحببة للضيوف سواء من دول الخليج أو الدول الاوروبية لما يجدون فيه من تنوع في البضائع التقليدية مثل العطارة والتوابل وصياغة الذهب والخياطة والتطريز وصنع العباءات العربية للرجال والنساء اضافة إلى بيع السيوف والخناجر بالاضافة إلى المقاهي التي باتت علامة مميزة للسوق حيث تكثر سهرات الاصدقاء في تلك الاجواء التراثية
ومع تطوير السوق اضيفت اليه العديد من الخدمات كالمطافئ والاسعاف وفروع البنوك وقسم شرطة التراث الذي يقدم خدمات الحكومة الالكترونية للتجار والمرتادين بالاضافة إلى العديد من المعارض ذات الطابع التراثي مثل معرض التصوير الفوتوغرافي وبيت التراث الذي تشرف عليه دار الانماء الاجتماعي وهناك مرحلة تالية للسوق تتضمن توسعة اضافية له تضيف إلى رصيد السوق العديد من الحرف التراثية والتشويق السياحي.
صور من الماضي الجميل
ويلحظ مرتاد السوق تجمعات كبار السن في اروقته الضيقة ومقاهيه والذين يحرصون على التجمع بعد صلاة العصر في مسجد السوق لتبادل الذكريات والاحاديث عن الماضي ويقول جواد محمد خوجة ل الخليج انه يمتلك محلاً لبيع البشوت والسيوف وأن متجره أنشئ منذ بداية سوق واقف قبل مائة عام حيث ورث المهنة ابا عن جد باعتبار ان تلك الصناعة تعبر عن اصالة الشعب القطري الذي يحافظ على ماضية.
واضاف: ان السوق الحالي كانت تعقد فيه بالسابق الكثير من الصفقات التجارية اضافة إلى ان العديد من تجار الدول المجاورة كانوا يأتون للتبضع منه لوجود اسعار تنافسية بالنسبة للأسواق التي في بلدانهم غير انه يرى ان السوق كان في الماضي بسيطا حيث لم تكن توجد فيه كهرباء وان البيع كان يتم منذ الصباح وحتى قبل الغروب اضافة إلى ان المواد التي يتم بها تشييد المحلات كانت مواد بسيطة كالطين الخاص وأعمدة الأخشاب التي عادة تجلب من الهند.
اما عبدالوهاب علي محمد فقال انه يزور سوق واقف باستمرار حيث يذكره بالماضي الجميل الذي كان يعيشه انذاك اذ تسمع عند دخول السوق اصوات الباعة المتداخلة لترويج ما لديهم من بضائع.
وبين ان السوق في الماضي كان يقصده الكثيرون لشراء حاجاتهم الضرورية أما الآن فإن تلك الاشياء تشترى للتذكار.
وقال يوسف زارعي (68 سنة) وهو يعمل حمالاً في السوق منذ كان عمره 18 عاما كيف كان السوق قديما قريباً جداً من البحر وأنه في سنوات عديدة كانت المحال تبيع بضاعتها وسط مياه البحر.
وذكر ان العديد من الحمالين في هذا السوق منضبطون في تعاملهم مع زبائن السوق اذ لا نفرض سعرا معينا بل دائما نقول للزبون وقت الحساب نأخذ بما تجود به يداك مشيرا إلى ان الحمالين في السوق يلتزمون بدور لايتجاوزونه رافعين شعار النظام والتعاون ايسر الطرق لكسب الزبائن.
واللافت ان اعمال تطوير السوق تتواصل وتمتد إلى المناطق المجاورة له لتشمل البنية التحتية وهذا العام رصدت هيئة الاشغال العامة ميزانية تفوق ال 70 مليون ريال لصيانة الطرق الرئيسية ومن بينها الشوارع المؤدية إلى سوق واقف، ومنها شارع عبدالله بن جاسم وشارع جاسم بن محمد.
مذاق رمضاني خاص
ويكتسب سوق واقف مذاقا خاصا خلال شهر رمضان المبارك إذ تبدأ استعدادات التجار مبكراً بجلب مستلزمات الشهر الكريم خاصة المكسرات والملابس حيث يقصده المواطنون والمقيمون لشراء احتياجاتهم لاسيما وان كثيراً من المواطنين ارتبطوا بالسوق منذ الصغر ويقول احدهم نشتري احتياجات شهر رمضان المبارك ومستلزمات عيد الفطر من الملابس وغير ذلك من السوق وهي عادة قديمة متأصلة في عائلتي حيث كان والدي يصطحبني في طفولتي إلى هذا السوق لشراء احتياجاتنا على مدار العام وانا بدوري احافظ على هذه العادة وأمارسها مع أولادي.
ويضيف: ان السوق يحتوي على معظم مفردات البيئة القطرية القديمة فنحن نستطيع ان نرى الماضي في هذا السوق بكل ملامحه المختزنة في ذاكرتنا ويجعل سوق واقف واقعنا الحياتي القديم ماثلاً امام اعيننا وفي نفوسنا فالجلسات القديمة موجودة بالسوق وكذلك الأكلات الشعبية المحببة إلى نفوسنا فنحن لا نشعر باغتراب النفس في هذا السوق بينما خارجه نجد الاغتراب يخيم على نفوسنا وقلوبنا لخلو البيئة من معظم السمات التي تشكل تراثنا التقليدي في كل مناحي الحياة.
فعاليات تراثية
ويشرف المجلس الاعلى للثقافة والفنون على العديد من الفعاليات التراثية التي تقام في السوق والتي حازت على اعجاب آلاف الزائرين من رواد السوق والسائحين الذين تبهرهم المعروضات التراثية والحرف التقليدية القديمة وكذلك ماتقدمه الفرق الغنائية التراثية من فنون تراثية خليجية قديمة مثل فنون العرضة القطرية وفنون السامريش والخبيتي وفن الدزة وفن الصوت بالاضافة الى الاغاني الخليجية الحديثة.
ويقول مسعود بشير السليطي المشرف العام على الانشطة في سوق واقف إننا نحرص على تنويع الفعاليات باستقدام عدد كبير من الفرق الغنائية المشاركة في الفعاليات الغنائية التي تقام بالسوق وراعينا التنوع في جنسيات هذه الفرق وألا يقتصر الأمر على مجموعة معينة من الفرق دون غيرها وذلك لكي نحدث التنوع المطلوب في الفنون التي تقدم ضمن الفعاليات.
وأشار المشرف العام على الانشطة في سوق واقف إلى ان هذه الانشطة الجديدة في الفعاليات تأتي في اطار السعي الدائم لإلقاء الضوء على التراث القطري القديم والحفاظ على الموروثات الثقافية الاصيلة من الاندثار والنسيان خاصة ان عدداً كبيراً من جيل الشباب لا يعرفون الكثير من المعلومات حول هذا التراث القطري الاصيل الذي يلقي الضوء على ثقافتنا الاصيلة وعلى تاريخنا وارث الاباء والاجداد.
حرف وألعاب تقليدية
وبجانب الفنون الغنائية التي تحفل بها الفعاليات في سوق واقف تحوز الحرف التقليدية القديمة على اهتمام الزوار ومن أبرزها حرفة صانع الالعاب الشعبية في قطر والتي يمارسها السوق عبد الله محمد الحداد الذي يشرح انواع واسماء تلك الالعاب القديمة قائلا إن الألعاب الشعبية القديمة منها ما هو مخصص للبنات ومنها ما هو مخصص للأولاد ومن الألعاب المخصصة للاولاد لعبة الدوامة ولعبة البلبول ولعبة القلينة ولعبة الماطوع ولعبة الصبة ولعبة التيلة وهي لعبة مصنوعة من كور زجاجية ويلعبها كل من الاولاد والبنات وهناك لعبة الصيد للطيور ولعبة الدحروج ايضا.
اما الالعاب التي تلعبها البنات فهي لعبة القيس وهي عبارة عن مجموعة من المربعات يتم رسمها على الارض وفيها تحجل البنات على قدم واحدة. وهناك لعبة الحبل وهي عبارة عن نوعين من الحبال وهما الحبل المفرد والحبل الطويل ولعبة الممدود وهي نوع من العرائس التي يصنعها البنات وهناك لعبة اللقفة وتستخدم فيها البنت بعض الحصى الصغيرة التي تتلقفها بيديها.
ويشير عبد الله الحداد إلى أن الطفل كان يحرص على ان يصنع لعبته من البيئة المحيطة به مثل القواقع وسعف النخيل وغيرها من الاشياء والخامات الموجودة في تلك البيئة وكان يتم ايضا استخدام جلود الحيوانات الموجودة مثل جلود الابل والماعز وغيرها.