منذ ثلاث سنوات وأنظار الموريتانيين ومستثمري الذهب في العالم تتجه إلى منطقة تازيازت على الساحل الموريتاني، بعد أن أصبحت مقراً لأكبر منجم للذهب في غرب إفريقيا، ويثور جدل كبير في الرأي العام الموريتاني حيال عائدات الذهب، وقد تحول مصنع ذهب تازيازت إلى دولة داخل الدولة تحفه الأسلاك الشائكة، والآليات الضخمة، ويدخل إليه يومياً ويخرج 7 آلاف عامل من مختلف الجنسيات العربية والغربية والإفريقية والآسيوية .

لكن قرب هذه المنطقة يقع الكنز الموريتاني الأكبر فصك حيث يرقد المجاهد الكبير والعالم ورمز الصلاح والورع سيدي محمد الكنتي، وهو من نسل عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقية، وكان لسيدي محمد الكنتي ولأبنائه وأحفاده دور رئيسي في نشر الإسلام والعربية في موريتانيا ومنطقة الساحل الإفريقي، ويمتد النفوذ الروحي له إلى غرب إفريقيا ودول المغرب العربي . . بل كان لهذا المجاهد دور رئيسي في فرض اللغة العربية في موريتانيا لغة تعليم وتحدث .

الساعة العاشرة ليلاً، وبعد رحلة لأكثر من 420 كلم شمال العاصمة نواكشوط تتوقف سيارتنا عند الناحية الجنوبية من جبل فصك، ففي حضن الجبل مباشرة توجد غرفة من دون باب، وحولها قبور تم تعليمها بالصخور .

أدخل إلى الغرفة المطلية باللون الأبيض ومن دون باب، حيث يوجد في جانبها الغربي ضريح الشيخ سيدي محمد الكنتي وفي الجانب الشرقي داخل الغرفة وعلى بعد متر واحد يوجد ضريح ناصر . . جد قبيلة أولاد الناصر المشهورة في موريتانيا .

إنه المكان الذي يوجد فيه رجال سطروا تاريخاً مشرقاً بالنسبة للإسلام والعربية في منطقة الساحل .

المدرسة الكنتية

في حضن الجبل قبل 600 عام، استشهد سيدي محمد الكنتي وناصر بعد اغتيالهما على يد مجموعة من الوثنيين وقيل المرتدين، حيث كانا يجاهدان في هذه المنطقة، التي انطلق منها مفهوم مجتمع البيضان (عرب الصحراء)، القائم على قبائل بني حسان وقبائل الزوايا . . إنها المنطقة التي شهدت ميلاد المدرسة الكنتية، التي كان لها تأثير عميق ودور حيوي في خدمة الدين واللغة العربية، وهي مدرسة محفورة في عمق الذاكرة الجمعية لعرب صحراء الساحل الإفريقي .

وقد تم نصب قبتين من القماش على ضريحي قبر سيدي محمد وناصر، وعند رفع أطراف القبتين يتضح أنه لم يتم إشهار القبرين إلا بالتراب مع صخور قليلة كتب على بعضها اسما الشهيدين .

على بعد نحو خمسين متراً جنوب الضريح تم بناء غرفتين لراحة زوار الضريح، الذين غالباً ما يمضون المقيل أو المبيت عند الضريح، وبعضهم يمضي أسابيع في التعبد فوق قمة الجبل، وكذلك لخدمة عابري السبيل .

يحفل الجبل والمكان بقصص كثيرة عن كرامات العالم المجاهد سيدي محمد الكنتي، الذي يشكل قبره مزاراً لأحفاده ومحبيه من موريتانيا والمغرب والجزائر وأزواد والنيجر، ومناطق أخرى، حيث تنتشر القبيلة العربية التي تنحدر منه وتعرف بكنتة، المشتقة من كنانة . . وهي قبيلة معروفة بالعلم والصلاح والكرم، حتى إن الموريتانيين وسكان المنطقة أطلقوا اسمها على كل فعل رفيع الشأن فيقولون مثلاً ذلك متكنتي .

يعد ضريح سيدي محمد الكنتي، ثاني أقدم ضريح معروف في موريتانيا بعد ضريح مؤسس المرابطين أبي بكر بن عامر . . وقد نظم مهرجان دولي في إبريل الماضي، احتفالاً بالمئوية السادسة لرحيل هذا العالم .

نشر اللغة العربية

انتشرت اللغة العربية كتابة ونطقاً في كل أجزاء موريتانيا، وخاصة المناطق التي كان فيها التدريس والنطق باللغة البربرية . وكان دور الشيخ سيدي محمد الكنتي في نشر اللغة العربية في هذه الربوع دوراً رئيسياً ورائداً، فهو أول من نشر مع بني حسان اللغة العربية في هذه البلاد، حيث كانت قبائل لمتونة تترجم المعارف والعلوم إلى لغاتها وتدرسها بلهجاتها الصنهاجية والبربرية، كما فرض الرجوع إلى الأصول من كتاب وسنة وتدريس لمدونات الأصول .

ويرى المؤرخ والكاتب الحسين ولد محنض أن الشيخ سيدي محمد الكنتي هو الأب المؤسس لتاريخ البيضان (عرب الصحراء) .

ويرى أنه بلا شك شخصية علمية ودينية ذات أثر كبير في تاريخ وحضارة هذه البلاد (فضاء البيضان)، ففضلاً عن كونه أقدم مؤسس لمدرسة علمية وروحية تعددت فروعها وتسلسلت في أحفاده على مدى قرون متطاولة، فإنه يرجع إليه الفضل في تشكل مجتمع البيضان بنسقه الحالي .

ويضيف: كان دوره محورياً في حرب شرببه الكبرى (دارت من 850ه/ 1446م إلى885ه/ 1480م) بين قبائل البلاد الصنهاجية، والقبائل العربية الوافدة من بني حسان، والتي أدت إلى انهيار دولة (أبدوكل) التي كانت متحكمة في كامل الصحراء لعدة قرون، وقيام دولة جديدة محلها هي دولة بني حسان (عربية)، كما قاد إلى بلورة تراتبية اجتماعية جديدة، تحتل فيها القبائل العربية الحسانية الوافدة صدارة الهرم الطبقي، وتتمتع فيها قبائل الزوايا الدينية بالريادة الفكرية والثقافية .

الحفيد المجدد

اشتهر أبناء الشيخ سيد محمد الكنتي، بالعلم والورع والتقى، فنجله سيد أحمد، المدفون في المدينة التاريخية ولاتة، لقب بالبكاي لكثرة بكائه من خشية الله، وتشتهر قصة هذا العالم حيث فاتته مرة الصلاة في الجماعة، ومن يومها ودمعه لم ينقطع، وبعد وفاته بمائة سنة، اضطر سكان ولاتة لنقله من قبره في بطحاء المدينة إلى الجبل، وقد وجدوه كما دفن ودمعه يسيل من عينيه .

أما حفيده الشيخ سيدي المختار الكنتي، فقد ألف 1000 مؤلف في مختلف العلوم، وقام بتجديد المسار الروحي والعلمي الكنتي الذي وصل معه إلى ذروته، فهو الذي كان يعتبر مجدد القرن الثاني عشر الهجري في عموم العالم الإسلامي، وهو شيخ عدد كبير من كبار المشايخ في موريتانيا وخارجها، وتخرج على يديه نخبة من أشهر كبار العلماء الموريتانيتين . وفي الوقت الحاضر يقول مختصون إن النخبة الفقهية في البلاد أخذت عن تلامذة الشيخ سيدي المختار الكنتي، الذي يعتبر اليوم أحفاده من أبرز الفاعلين في التيارات القومية في موريتانيا .

ونظراً لمكانة سيدي محمد الكنتي في تاريخ شبه المنطقة، قررت هذا العام جهات ومنظمات أهلية، تخليد تراث هذا العالم المجاهد، ومن هنا ولدت فكرة مهرجان فصك الثقافي الدولي، الذي نظمت نسخته الأولى هذه السنة بحضور وفود من المغرب والجزائر وموريتانيا ومالي . . وشهدت هذه التظاهرة ندوة علمية عن تراث هذا العالم ودوره في نشر الإسلام واللغة العربية، وتأثير أبنائه وأحفاده من بعده في مجال البعد الحضاري العربي لمنطقة الساحل .

وكانت هذه التظاهرة، التي تميزت بحضور 6000 مشارك وضيف، فرصة لتجديد دماء المجتمع العربي الصحراوي وتذكر مآثر الآباء المؤسسين للحضارة الشنقيطية، ومدرسة التصوف الوسطية، وتميزت التظاهرة، فضلاً عن جانبها العلمي والديني بمسابقات في الرماية وسباق الإبل، كما كانت فرصة لأحفاد هذا العالم ومحبيه في التعارف وصلة الرحم .