رأس الخيمة:عدنان عكاشة

هو قامة وطنية إماراتية لقي مصرعه، خلال أدائه مهمة رسمية ، على أرض مطار أبوظبي الدولي، في مرحلة مبكرة من عمر الدولة ومسيرة اتحادها، في مشهد مؤلم، يسدل الستار على تاريخ فتي ل «رائد الدبلوماسية الإماراتية»، فيما تخط «نهاية مبكرة» لعلم من أعلام الإمارات، فتحت بها صفحة جديدة ل «شهداء الوطن».
ولد سيف سعيد بن غباش في 21 من أكتوبر/‏ تشرين الأول عام 1932م، وفارق الحياة في ذلك المشهد المؤلم في 25 من أكتوبر 1977م، ولد بمنطقة المعيريض في مدينة رأس الخيمة، وكان «فقيد الإمارات» و«فقيد اتحادها الفتي» آنذاك أول وزير دولة للشؤون الخارجية في الإمارات، وكان أيضا من أوائل مؤسسي وزارة الخارجية بإداراتها المختلفة، وأحد أوائل حاملي راية الإمارات الإنسانية والحضارية إلى العالم، وهي تحمل مضامين الخير وقيم التعاون والتسامح والتعايش والسلام والمحبة، وهو ما ترجمته كلمات المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله: «إنه مثال للرجل المسؤول، وواحد من خيرة الشباب، ممن جاهدوا وسعوا إلى خير العرب ووحدة كلمتهم وتضامنهم».

توفي والد «شهيد الإمارات»، سعيد بن غباش، حين كان في الثانية عشرة من عمره، وتوفيت والدته بعد 3 أشهر من وفاة والده، ليعيش مع عمته في دبي مدة 3 سنوات، حيث التحق ب «المدرسة الأحمدية»، لفترة من الزمن، فيما كان يدرس اللغة الإنجليزية في مدارس ليلية.

بدأ سيف بن غباش مسيرته التعليمية عام 1946، على يدي الشيخ أحمد بن حجر، ليتعلم النحو والبديع والبيان والفقه الإسلامي وعلم الفرائض، متميزاً عن أقرانه من التلاميذ بذكائه وسرعة حفظه، وحلّه لمسائل الفرائض، بينما أدى فريضة الحج برفقة جدته، وصحبة الشيخ سيف المدفع، قاضي الشارقة، حينها.
في خريف عام 1949 سافر سيف غباش إلى البحرين طلباً للعلم والمعرفة، ورغم التحاقه بالدراسة في المدرسة الابتدائية الشرقية في المنامة، قبل الامتحان النهائي للسنة الابتدائية الرابعة بأشهر فقط، لكنه نجح بتفوق، ونال الترتيب الأول على جميع طلبة البحرين.
في مرحلة لاحقة، غادر «سيف» البحرين إلى العراق، بعد تخرجه في الثانوية العامة عام 1953، وحصوله على المركز الأول، وفي حوزته «رسالة توصية» من دائرة المعارف تؤكد كفاءته، ليخوض الحياة الجامعية في تخصص الهندسة بجامعة بغداد، حيث اجتاز السنة الدراسية الأولى والثانية بنجاح وتميز، لكن الظروف السياسية، التي ألمت بالمنطقة بعد العدوان الثلاثي على مصر، حالت دون استكماله دراسته في السنة الثالثة، الأمر، الذي اضطره إلى مغادرة العراق عام 1956، متوجهاً إلى مصر.

في «أرض الكنانة»، التي درس فيها إثر حصوله على بعثة من المؤتمر الإسلامي، فيما لم تعترف كلية الهندسة بسنوات دراسته في بغداد، ليقرر السفر إلى الكويت، حيث عمل هناك بوظيفة «مساعد مهندس» في دائرة الأشغال الكويتية، فيما واصل بدأب وحرص القراءة والبحث العلمي، ما حوّل حجرته المتواضعة في أحد الشوارع الضيقة في الدولة الخليجية إلى ملتقى يجمع زملاءه وأصدقاءه المفكرين، يناقشون القضايا القومية والسياسية والثقافية.

وفي 1959 هاجر سيف بن غباش إلى النمسا، بعد أن توقف في لبنان، الذي كان آنذاك يحتضن طيفاً واسعاً من المثقفين والسياسيين، وبعد وصوله البلد الأوروبي سكن مدينة «كراتس»، التابعة للعاصمة «فيينا»، لينهمك في دراسة اللغة الألمانية بشغف وحرص، ويعزز ثقافته وفكره وذخيرته اللغوية بروائع الأدب الألماني، مثل نتاج «غوته»، لكن الظروف المادية وغلاء المعيشة منعاه من الالتحاق بالجامعة، لمواصلة دراسة الهندسة، ليقرر الانتقال إلى ألمانيا، حيث حل في مدينة «ديسلدورف»، التي عمل فيها مساعد مهندس في شركة إنشاءات ألمانية، بغرض ادخار مبلغ يؤهله لمتابعة دراسته الجامعية.

بعدها، انتقل من ألمانيا إلى سويسرا، وتقدم في الأخيرة للعمل في شركة أخرى كمساعد مهندس، حيث ساعده ذكاؤه وتفوقه في الحصول على الوظيفة، بحسب المصادر التاريخية والمختصة، في حين زار مرات عدة إيطاليا، التي ساهمت في تعزيز ثقافته في حقلي الآداب والفنون، ومدته بقدر لا بأس به من اللغة الإيطالية، وفي 1963 انتقل إلى باريس، بغرض الاستقرار لمواصلة دراسته الجامعية في الهندسة، إذ سعى للحصول على منحة دراسية لكن الظروف خذلته، ليحوّل بوصلته نحو تعلم اللغة الفرنسية ودراسة الأدب والفلسفة الفرنسيين، مطلعاً على نتاجات كبار المفكرين والأدباء، كألبير كامو وجان بول سارتر وموليير.

والتحق بجامعة لينينغراد للعلوم والتكنولوجيا في روسيا، وأكمل دراسته في تخصص هندسة البناء، وبعد ذلك حصل على درجة الماجستير بامتياز في تخصص «بناء الموانئ البحرية».
بعد نحو 20 عاماً من الغربة والمحطات المتعددة في دول وقارات متفرقة حول العالم، بغرض الدراسة والعمل، وضع سيف بن غباش عصا الترحال، عائداً إلى مسقط رأسه، وذلك عام 1969، ليرجع إلى «الحبيب الأول» و«المنزل الأول»، وهما «رأس الخيمة»، بينما كان يغص بالحماسة لخدمة وطنه وبناء «مستقبل آمن» لعائلته، ورزق بأبنائه: عدنان، وعمر، الذي يشغل منصب سفير الإمارات لدى روسيا، وسعيد.

الوظيفة الأولى، التي أسندت إليه، هي رئيس قسم الهندسة في بلدية رأس الخيمة، حيث لعب دوراً كبيراً في تخطيط المناطق الزراعية والسكنية، التي كانت الإمارة تخطط لمنحها إلى مواطنيها، مساهماً في وضع الخرائط وتقسيم الأراضي وتنظيم ملكيتها ومساحتها، بجانب عمله في مشاريع حماية السواحل وبناء شبكة المواصلات الحديثة.
وضع سيف بن غباش نصب عينيه تعزيز المعرفة والنهضة الثقافية عبر مقالات نشرها في «مجلة رأس الخيمة»، التي كان يترجم فيها ما تكتبه صحف ومجلات عالمية كبيرة حول الأحداث المهمة في العالم، ونشر أفكاره المتعلقة بمشروع حماية شواطئ المعيريض الشمالية، وشبكة المواصلات الحديثة في رأس الخيمة، مزوداً مقالاته بالخرائط والرسوم الهندسية المبسطة.
رافق سيف بن غباش، المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ صقر بن محمد القاسمي إلى بعض العواصم العربية والأجنبية بين عامي 1969 و1970، وشارك ضمن وفد رأس الخيمة في «محادثات الاتحاد»، التي سبقت انسحاب بريطانيا من المنطقة، وإعلان استقلال دول الخليج على التوالي.
في 1971 كان «سيف بن غباش» من أوائل الإماراتيين، الذين بادروا للدفاع عن أرضهم ووطنهم، إذ ذهب ضمن وفد من الإمارة إلى القاهرة، لعرض قضية احتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، على مجلس جامعة الدول العربية، مؤكداً عروبة الجزر، ومطالباً بإنهاء الاحتلال الإيراني، وشارك في إصدار «نشرة» عن تطورات الوضع في ظل الاحتلال، وساهم في ترجمة البرقيات المرسلة إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى وصياغتها.

«الخارجية»

بعد نشأة دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر/‏ كانون الأول 1971، عين رجل الدولة الراحل في منصب وكيل وزارة الخارجية، وبذل جهوداً دؤوبة في تنظيم الوزارة وتأهيل العناصر الوطنية، من شباب الإمارات، لإرسالهم للعمل في سفارات الدولة حول العالم، وعمل على تنظيم إدارات الوزارة، كالشؤون السياسية والشؤون القنصلية والمالية والإدارية والسكرتارية، نحو بناء جيل جديد من الدبلوماسيين الإماراتيين.
في الخامس والعشرين من ديسمبر 1973 شكلت وزارة اتحادية جديدة في الإمارات، وعين سيف بن غباش أول وزير دولة للشؤون الخارجية، ليصبح «المتحدث الرسمي» باسم دولة الإمارات في المحافل الدولية، محاولاً بكل جهده توصيل صوت الإمارات إلى العالم، وإبراز دعوتها إلى توثيق علاقات المحبة والتعاون بين الشعوب وترسيخ الخير والعدل والسلام.
كان «فقيد الإمارات» من أكثر المؤيدين للقضية الفلسطينية، وهو من ذكّر الأمم المتحدة، في خطابه أمام الجمعية العامة عام 1975م، بقراراتها، التي تقضي بمنح الشعب الفلسطيني حقوقه الثابتة، داعياً إلى اتخاذ قرارات تجبر «إسرائيل» على التقيد بالفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية، وداعياً إلى بناء علاقات عربية - أوروبية، تنبع من الجذور التاريخية للعلاقات بين الطرفين.
في عام 1976م شارك في بحث ملف قضية «الشرق الأوسط» أمام مجلس الأمن، وألقى خطاباً نوعياً ندد فيه بالسلوك العدواني ل «إسرائيل»، وكان خطابه الأبرز قبل يوم واحد من استشهاده، في 24 أكتوبر 1977، عبر عرض عميق وواضح.

الخاتمة

خاتمة سيرة رجل الدولة الإماراتي، تجسدت في الحادية عشرة من صباح الثلاثاء 25 أكتوبر/‏ تشرين الأول من العام 1977، حين كان سيف بن غباش يرافق عبد الحليم خدام، وزير الخارجية السوري آنذاك، إلى مطار أبوظبي لوداعه، وبعد دخول الوزيرين إلى الصالة الكبرى لمطار أبوظبي الدولي، في طريقهما إلى «قاعة الشرف»، انطلقت رصاصات الغدر، مستهدفة الوزير السوري، لكنها أصابت الوزير الإماراتي سيف بن غباش في كتفه وبطنه، نقل إثرها إلى المستشفى، وقضى متأثراً بجروحه، لتفقد الإمارات رجلاً من رجالاتها البارين، ويعم الحزن الأمتين العربية والإسلامية والمجتمع الدولي.
شكل خبر استشهاد سيف غباش صدمة لأصدقائه من الكتّاب والسياسيين الأجانب، في الأمم المتحدة، وأبدى كل من شارك في اجتماع الجمعية العامة، بعد الجريمة، أسفه البالغ للخسارة الفادحة، التي منيت بها الإمارات، وتعاقبت في واشنطن البرقيات والمكالمات الهاتفية على سفارة الدولة من رؤساء معاهد وجمعيات وبعض أعضاء مجلس الشيوخ.
وفي أوروبا كانت اللجنة العامة للحوار العربي - الأوروبي مجتمعة، حين انتشر خبر وفاة «سيف»، ليقطع المشاركون الاجتماع، واقفين «دقيقة صمت» على روحه.

كلمات صغيرة

ميسون، ابنة «شهيد الدبلوماسية الإماراتية»، الصغيرة حينها، رسمت مشاعرها ولوعة غياب والدها، بعد الجريمة النكراء، بكلمات مؤثرة ومعبرة وبسيطة، قالت فيها:

«أبي كان شجاعاً حنوناً

يلجأ إليه الضعيف والمسكين
عندما عدت من مدرستي.. في يوم أسود قاتمٍ حزينْ
وجدت أبي طريح الفراش
وفجأة مات أبي
أبي الحنون أبداً».

محطات وصفات

- عرف عن سيف بن غباش شغفه بالقراءة، وأنه كان لا يتوقف عنها سوى حين يخلد للنوم.

- كان الدبلوماسي والمثقف الإماراتي يترجم من العربية إلى الإنجليزية لبعض الباحثين الاجتماعيين الأجانب، بعد تخرجه من الثانوية العامة عام 1953.