يوسف بن محمد البلوشي
السينوغرافيا فن تصميم المناظر المسرحية، وتعبير السينوغرافيا في المسرح يعني الخط البياني للمنظر المسرحي الذي يبحث في ماهية كل ما على خشبة المسرح، وما يرافق فن التمثيل المسرحي من متطلبات ومساعدات تعمل في النهاية على ابراز العرض المسرحي، كاملاً متناسقاً أمام الجماهير .
تهدف السينوغرافيا إلى تطويع حركة الفنون التشكيلية والجميلة والتطبيقية بما ضمته من فنون المعمار والمنظر والأزياء المسرحية وطرق استغلالها في الفضاء المسرحي، مما اعطى وجهاً جديداً لتعامل كل هذه الفنون مع الكلمة والعبارة والمونولوج والديالوج والحوار، ومع الدراما بصفة عامة .
تتكون السينوغرافيا من كلمتين مركبتين أساسيتين هما: "السينو" بمعنى الصورة المشهدية، و"غرافيا" وتعني التصوير، بهذا فالسينوغرافيا علم وفن يهتم بتأثيث الخشبة، ويعني أيضاً بهندسة الفضاء المسرحي من خلال توفير هرمونية وانسجام متآلف بين ما هو سمعي وبصري وحركي . ومن ثم تحيل السينوغرافيا على ما هو سينمائي بصري ومشهدي من جسد وديكور وإكسسوارات وماكياج وأزياء وتشكيل وصوت واضاءة . وبالتالي تعتمد السينوغرافيا على عدة علوم وفنون متداخلة كفن التشكيل وفن الماكياج والخياط والنجارة والحدادة والموسيقى والإضاءة والفتوغرافيا والتمثيل، ويعني هذا أن السينوغرافيا فن شامل ومركب يقوم بدور مهم في اثراء الخشبة وإغناء العرض المسرحي والسعي من أجل تحقيق نجاحه وابهار المتفرج .
ويعني هذا أن السينوغرافيا فن متكامل في عناصره يقوم نقل المجرد وتحويله إلى واقع عن طريق التجسيد وإعادة التكوين، ومن ثم، فالسينوغرافيا في المسرح تعتمد على تحقيق رؤية متكاملة في عناصر الاضاءة والصوت (أو المؤثرات الموسيقية والغنائية) والديكور والملابس بالقدر نفسه لتكامل وتداخل جهود مصمميها مع المخرج والمؤلف (وضع الممثلين أحياناً"، لايجاد فضاء خاص للعرض ينقله من مجرد تجسيد النص إلى إعادة تكوينه من جديد داخل رؤية تتشابك فيها الفنون التشكيلية مع الفنون المسرحية .
كانت بدايات المسرح في سلطنة عمان عن طريق المسرح المدرسي وبالذات في المدرسة السعيدية في مسقط وصلالة والتي افتتحت في عام ،1940 ومن خلال الأندية التي أشهرت في الخليج العربي، في الكويت والبحرين ومن ثم انتقلت إلى عمان، خصوصاً نادي عمان والنادي الأهلي والتي بدأت النشاط المسرحي الفعلي، وتشير بعض الروايات إلى أن هذه الأندية بدأت نشاطها المسرحي قبل ذلك وقد قدمت هذه الأندية وغيرها العديد من الأعمال المسرحية المختلفة وتوالت العروض المسرحية بعد عام 1970 وتطور النضج المسرحي بشكل لافت في الثمانينينات خاصة بعد تأسيس مسرح الشباب في عام ،1980 وإن تحدثنا عن بداية السينوغرافيا في العروض المسرحية العمانية وخاصة في عدد من العروض نذكر من هذه المسرحيات مسرحية "البراقع" تأليف وإخراج الدكتور عبدالكريم جواد عام ،1996 ومسرحية "الخوف" لعبدالغفور البلوشي، في عام ،1996 تلك كانت بدايات المشهد السينوغرافي في العروض المسرحية العمانية، ولكن مع بداية ظهور المهرجان العماني للمسرح عام 2004 كانت البداية الحقيقة للسينوغرافيا في العروض العمانية وبدأ الاهتمام والتركيز على السينوغرافيا واشتغلت العديد من الفرق المسرحية على ذلك .
لقد ساعد مهرجان المسرح العماني في تطوير الفكر العام للسينوغرافيا بالسلطنة، ونجد أن هذا المفهوم تطور بشكل ملحوظ خلال المهرجانات واستفاد المخرجون من التجارب التي قدمها بعض الرواد في المسرح العماني وبالتالي تطور الشكل العام للسينوغرافيا من مخرج إلى آخر خلال دورات المهرجان، كذلك ساعد دخول مخرجين شباب وأكاديميين في جعل السينوغرافيا جزءاً مهماً وفعالاً من العروض المقدمة وسوف نذكر هنا بعض التجارب لتلك الأعمال .
حيث نجد أن الأعمال المسرحية التي يقدمها المخرج المسرحي عماد الشنفري دائماً ما تعتمد على الفنتازيا في الديكور ويتجلى هذا في مسرحية "حمران العيون" ومسرحية "المزار ومسرحية" "أبو سلامة" ومسرحية "أوراق مكشوفة" وغيرها من الأعمال المسرحية التي قدمتها فرقة صلالة، وكذلك نجد أنهذه الأعمال غالباً ما ارتسمت على شكل فنون تشكيلية بها رموز توحي بفكرة العمل بشكل غير مباشر تتناسب مع نص العرض وتعطي مساحة واسعة للحركة والإخراج، ولعل أسباب لجوء المخرج الشنفري لمثل هذه اللوحات يتمثل وجود المجاميع من الممثلين في معظم أعماله مما أدى إلى ضرورة وجود مساحة للحركة لتلك المجاميع ورغم أن الشنفري أعماله من التراث إلا أن هذا يحسب للمخرج لأنه جمع ما بين النص التراثي والفن التشكيلي الحديث وتيضح هذا في مسرحية "حمران العيون" و"المزار" و"أبو سلامة" بينما بقية أجزاء السينوغرافيا من الإضاءة والملابس كانت تعطي اشارة واضحة للمكان وهوية النص .
وشكل المخرجان جاسم البطاشي وأحمد البلوشي ثنائياً لافتاً في كثير من الأعمال، حيث كانت لعبة القماش هي المحرك الأساسي للسينوغرافيا في أعمالهما وهذا يتضح جلياً في مسرحية "منتهى الحب ومنتهى القسوة" ومسرحية "الرزحة" ومسرحية "الجفاف" وكانت تلك الأقمشة تشكل بلغة الإضاءة وهي اقرب للمسرح التجريبي، وتميز البطاشي والبلوشي بهذه الأدوات في كافة أعمالهما ونشير بالذكر هنا إلى المخرج البلوشي الذي صمم السينوغرافيا لمسرحية "منتهى الحب ومنتهى القسوة" وحاز على جائزة السينوغرافيا من خلال هذا العمل في مهرجان المسرح العماني الأول .
واستطاعت فرقة مزون خلال المهرجانات العمانية أن ترسم لها خط واضح في السنوغرافيا حيث فازت بثلاث جوائز متتالية خلال مهرجانات المسرح العماني الثاني والثالث والرابع في السينوغرافيا، وربما لأن المخرج يوسف البلوشي هو مخرج سينمائي ودرامي وفنان تشكيلي ساعد في رسم صورة جمالية على الخشبة للأعمال التي يقدمها مما حقق متعة للفرجة وهذه الصورة الجمالية كانت الإضاءة هي أهم أدوات العمل المسرحي وخبره المخرج يوسف البلوشي في مجال الإضاءة ساعدته كثيراً في هذا الجانب، حيث كانت أعماله شبه محترفة من خلال الإضاءة التي رسمت الحدث بدقة خلال العمل . بينما تفاوتت بقية التجارب المسرحية خلال المهرجان المسرحي العماني من مخرج إلى آخر ومن هذه التجارب تجربة مسرح الدن والرستاق في السينوغرافيا والتي تنوع فيه التعامل السينوغرافي من شكل لآخر حسب العروض المسرحية بينما لم تكن هناك ملامح واضحة لبقية التجارب المسرحية الأخرى التي قدمت بالسلطنة .

* من بحوث ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي