كان للعرب قبل الإسلام شرائعهم الخاصة بهم التي ثبتت الأحكام بحسب اجتهادهم وعرفهم وسنتهم. مما جعلها تأخذ قوة القوانين الوضعيّة بين الناس، بحيث يتميز المحظور من المباح والحلال من الحرام. غير أنه بسبب عدم وجود حكومات منظمة قوية في معظم أنحاء الجزيرة العربيّة، لم تكن هناك هيئات قضائية أو مؤسسات حكوميّة ذات قوانين مدونة. على الرغم من وجود أحكام لردع المخالفين والزائغين، ولتنظيم العلاقات بين الناس في المجتمع.
الأعراف والعادات
وكانت الأعراف والعادات المتوارثة عن الآباء والأجداد، هي القوانين في المجتمع العربي. وعلى الرغم من عدم وجود محاكم، غير أنه كان هناك حكام. ففي مكة ويثرب، كان الرؤساء والأشراف هم الذين يحكمون، ويفضون المنازعات وفق العادات والتقاليد. وكان هؤلاء يجتمعون في دار الندوة، أو في المعبد أو في بيوت الوجهاء، للنظر في الخصومات بين أبناء الشعب. أما إذا كانت الخصومات بين أبناء شعاب مختلفة، فقد يتفق رؤساء المحلات على فضّ الخصومة بينهم باللجوء إلى محكمين محايدين. وقد يحال النزاع على رؤساء البلد أو الحيّ للنظر فيه.
وفي المناطق الجنوبيّة تفيد الكتابات التي تحمل طابع الأمر والنهي وعقود البيع والشراء، أن هناك مفردات قانونيّة يمكن أن تدل على وجود تشريعات عرفيّة أو مكتوبة كانت موجودة لدى القوم في مختلف مناطق الجنوب. ومن المصطلحات الحقوقيّة لفظة أحلى وأحل بمعنى أحل، وهي تشير إلى لفظة الحلال التي هي ضدّ الحرام المعروفة في القوانين والشرائع.
وأما خطأت فهي تدل على الخطيئة أي التعدّي على الشريعة وعدم الامتثال لها. وفي السبئيّة لفظة حجك (حكك) وتعني القانون أي الحق، ضدّ الباطل.
الجنوب والشمال
وقد عثر الباحثون على نصوصٍ تشريعيّة، أصدرها ملوك الجزيرة العربيّة الجنوبيّة، وأمروا بإعلانها على الملأ للعمل بموجبها. وكانت هذه التشريعات تصدر باسم الملوك. ويعبّر عن القانون، أو سنّ القوانين بلفظة سن وتقابل كلمة LAW أي القانون في الإنجليزيّة. والسنّة في عربيتنا هي الطريقة. كما يظهر من الأوامر والأحكام الملكيّة المدوّنة بالمسند، أن الحكومات العربيّة الجنوبيّة كانت حكومات مشرعة، نظمت أعمالها وأعمال مواطنيها بتشريعات عينت بموجبها حقوق الحكومة على الناس، وحقوق الناس مع بعضهم وواجباتهم تجاه حكومتهم، وذلك بحسب إمكانية المجتمع في ذلك العهد. وكانت الحكومات العربيّة الجنوبيّة إذا أبرمت قانوناً، وإذا أصدرت أمراً أو نظاماً، أمرت بتدوين نسخ من القانون أو الأمر أو النظام، لحفظها في ديوان الوثائق لتكون مرجعاً يرجع إليه عند اللزوم. وكانت تعلن نسخاً منها على القوم ليطلعوا عليها. وهذه النسخ تعلق على أبواب المدن لأنها موضع إعلان القوانين ومحل إبلاغها.
أما في الشمال من الجزيرة العربيّة، فكان القوم من أهل الوبر أو أهل المدر لا يسيرون على قوانين واحدة. فمنهم من كان يعيش في قرية ومنهم من عاش في ممالك أو إمارات، وهي متفاوتة في قوانينها. وكانت هذه القوانين تستمدّ من العرف ومن الدين ومن اجتهادات أولي الأمر وذوي الرأي. فكانت القبائل تطبق العرف العشائري في فضّ ما يقع بين الناس من خلافات، وهي تتجنب اللجوء إلى الحكومات، وتفضل الحكم بالعرف لأنه موروث من الآباء والأجداد.
وسنّة القوم هي طريقتهم في الحياة وما ورثوه عن آبائهم من عرف وأحكام، وما قرّروا السير عليه من قوانين القبيلة في تنظيم حقوق القبيلة والأفراد. وكانت أحكام أولي الأمر، هي أوامر أصحاب الحل والعقد من ملوك وسادات قبائل ورؤساء الملأ والندوة. وكانت أوامرهم هي أحكام تتّبع في زمني السلم والحرب. وهم مشرعون ومنفذون. ولذلك صارت أحكامهم قوانين مشرعة.
ولا بدّ للعرب من أهل البادية أو الحضر أن يكون لهم عرف متبع وتعامل فيما بينهم في العديد من أمور الحياة التي عاشوها، مثل حقوق مرور القوافل من مناطق نفوذ القبائل، وحقوق جباية عن الأموال المستوردة أو المصدرة، وفي موضوع العقوبات. وقد عثر العلماء على بعض الكتابات التي هي عبارة عن أوامر ملكية في الجباية. ولا بدّ أن تكون هناك عهود مدوّنة أخرى.
مكانة مكة
كذلك، فإن مكانة مكة وما اشتهر به أهلها بالحذق في التجارة وبالثراء، وبتعاملهم مع فارس وبيرنطة واليمن والصين والهند، وما كانوا يكتنزونه من ذهب وفضة، إنما يقتضي وجود عقود ووجود كتّاب بينهم، لأنه لا يمكن أن يتم ذلك لهم بلا قوانين أو محاكم أو أوامر ملكية. كما أن أهل يثرب وما عرفوا به من تنظيم في شؤون الزراعة وفي كيفيّة التعامل مع الأقوام الأخرى من يهود وغيرهم، يقتضي أن يكون لهم قوانين ودفاتر وصكوك.
كما يقتضي أن تكون هناك معاملات ممسوكة بكل دقة في مدينتهم. غير أنه من المستبعد أن تكون لهم محاكم موحّدة يتقاضى فيها الناس جميعاً في شمال الجزيرة العربيّة. غير أنّ كل ما ظهر حتى الآن، إنما هو قوانين خاصة، كانت تطبّق في حدود مناطق الدولة أو القبيلة أو القرية أو الحلف، كل على حدة.
ولا شك أنه كان لكل قبيلة حكام يتحاكمون إليهم. فأهل المدن لهم حكامهم وأهل القرى لهم حكامهم، وأهل الريف لهم حكامهم. فإذا تخاصم القوم، تدخل حكامهم أو حكام من يجاورهم، للفصل في الخصومة وفضّ النزاع. ووجهاء القوم هم نوابهم وألسنتهم الناطقة والمحامون عن الناس. وهم الذين ينظرون في الخصومات بناءً على طلب المتخاصمين. وكان تدخلهم هذا يفضّ المنازعات فتؤخذ الحقوق ويصان العدل والأمن. وإلى ذلك أشار اليعقوبي في تاريخه فقال: وكان للعرب حكام ترجع إليها في أمورها، وتتحاكم في منافراتها ومواريثها ومياهها ودمائها. لأنه، لم يكن دين يرجع إلى شرائعه، فيحكمون أهل الشرف والصدق والأمانة والرئاسة والمجد والتجربة.
وكانوا يرون في الحاكم الرجل العادل البصير الحكيم الذي ينفذ إلى أسرار الأمور ويعمل بحقائق الأشياء. فحكمه حكمة، وقوله مثل يعمل به. وهو حاكم وحكيم وفيلسوف يفلسف المفصل، ويستنبط الحلول. فيحفظ بعضها أهل الأخبار ويدونونها، فتصير أحكاماً